الرئيسية > السؤال
السؤال
ما هي أهمية معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية في أحكامها؟
العبادات | أصول الفقه 19‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة mamafatty (فاطمة توري).
الإجابات
1 من 1
أولاً: الفوائد العامة.. وهي ما يلي:
الأولى: أنّ معرفة مقاصد الشريعة سبب في زيادة الإيمان وتقويته، واستمالة القلب وطمأنينته.


وبيان ذلك: أن المسلم مأمور باتباع ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، علم الحكمة والمقصد من ذلك أم لم يعلم.

ولكنه حين يقف على المقصد من الأمر الشرعي ويدركه يزداد إيماناً وتعلقاً بهذا الدين وتمسكاً به، لأنه يدرك حينئذِ أن هذا الدين جاء بالسعادة في الدنيا والآخرة ومإذا بعد السعادة إلا الشقاء، ومإذا بعد الحق إلا الضلال.

فضلاً عما جبلت عليه النفوس من الميل والإقبال على ما عرفت هدفه وغايته وأدركت نفعه ومصلحته، فإن ذلك حادٍ للنفوس إلى الإقبال عليه، وداع ٍ إلى التوجه إليه.
قال الغزالي: " معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة ٌ للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق ؛ فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص، وعلى قدر حذقه يزيدها حسناً وتأكيداً ".
الثانية: أن في معرفة مقاصد الشريعة تعرفاً على محاسن الشريعة ومزاياها وهو أمر له أهميته في استمالة القلوب كما سبق ؛ وأيضاً يفتح آفاقاً جديدة في الدعوة إلى الله، لا سيما دعوة أولئك الذين لم يبلغهم الدين إلا من خلال كتابات مشوهة، وأفكار مضللة، فحين يدركون مقاصد هذا الدين السامية، وأهدافه النبيلة العالية، وما يسعى إليه من سعادة للناس، حين يدركون ذلك، ويعرض لهم الإسلام من خلاله يدركون ضآلة ما هم عليه من أفكار، وحقارة ما يقدسونه من حضارة.
الثالثة: أن في إبراز مقاصد الشريعة وإظهارها، ومدارستها وبحثها، رداً لشبه المغرضين، وتفنيداً لآراء المنحرفين الذين يتهمون الشريعة بالقصور وعدم الوفاء بحاجات الناس ومتطلباتهم في هذا العصر ومنْ ثَمّ يطالبون باستبدالها وإبعادها، فإذا عرضت مقاصدها وما اشتملت عليه من حكم باهرة، ومصالح ظاهرة، علم على الحقيقة كذبهم فيما يقولون، وزيف ما يدعون.

والدفاع عن الشريعة ورد الشبه عنها واجب على العلماء، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الرابعة: أنّ معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية كبرى للمجتهد.

فالمجتهد محتاج إلى مقاصد الشريعة والاطلاع عليها، وقد أشار العلماء إلى هذا، قال السبكي: " واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه..
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.

الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكماً له في ذلك المحل وإن لم يصرح به، كما أن من عاشر ملكاً ؛ ومارس أحواله، وخبر أموره ؛ إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرح له به، ولكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية... ".

وقال الشاطبي: " إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة.

والثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها... ".

فالشاطبي رحمه الله يعطي المقاصد أهمية كبرى للمجتهد حيث يجعلها شرطاً في الاجتهاد ويجعل هذا الشرط سبباً للشرط الآخر حيث يقول:" وأما الثاني ــ أي التمكن من الاستنباط ــ فهو كالخادم للأول، فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً ومن هنا كان خادماً للأول، وفي استنباط الأحكام ثانياً، لكن لا تظهر ثمرة هذا الفهم إلا في الاستنباط، فلذلك جُعل شرطاً ثانياً، وإنما كان الأول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة، لأنه مقصود والثاني وسيلة ".
وقد قرر ابن عاشور احتياج الفقيه إلى مقاصد الشريعة بكلام نفيس يطول ذكره.

وهذه الأهمية التي ذكرها العلماء نابعة من ارتباط المقاصد بالأدلة الشرعية لأن المجتهد لا بدّ أن يكون اجتهاده مبنياً على دليل من الكتاب والسنّة أو الإجماع أو القياس أو قول الصحابي، أو الاستصحاب أو غيره من الأد لة النقلية أو العقلية.

وقد بينا في باب علاقة المقاصد بالأدلة ارتباط المقاصد بالأدلة، وحاجة المجتهد إليها.

ثانياً: الفوائد الخاصة:
1- أن مقاصد الشريعة في تدوينها وبروزها علماً مستقلاً قد مرت بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: اقترانها بغيرها في كتب التفسير وشروح الأحاديث والكتب الفقهية والأصولية.

المرحلة الثانية: تميزها عن غيرها وذلك بتخصيصها بمباحث مستقلة في الكتب الأصولية.

المرحلة الثالثة: تخصيصها بالتأليف.

2- أن للشارع مقاصد في تشريع الأحكام، وأن أفعاله معللة بالحكمة والمصلحة سواء علمنا تلك المقاصد والحكم أم جهلناها، وأن خلاف الأشاعرة والظاهرية في قضية تعليل الأحكام غير صواب ولا عملي، حيث تخلوا عنه لا سيما الأشاعرة عند إثبات العلة في القياس والمناسبة.

وأن الأدلة النقلية والعقلية قد تضافرتا على أن أحكامه تعالى لمقاصد وحكم.

3- أن هناك طرقاً للكشف عن المقاصد وهي:

أ‌- الاستقراء لنصوص الكتاب والسنّة.

ب‌- معرفة علل الأمر والنهي بمسلك من مسالك العلة المعروفة عند الأصوليين.

ج - مجرد الأمر والنهي فإن الأمر دليل على طلب الفعل وقصده والنهي دليل على عدم قصده.

د- معرفة الألفاظ التي يستفاد منها معرفة قصد الشارع كالتعبير بالإِرادة الشرعية. أو أنه خير ومنفعة ونحو ذلك.

هـ - سكوت الشارع مع قيام المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم القصد إلى حصول الفعل.

4- أن كل ما أدى إلى تأكيد المقاصد الأصلية وتقويتها أو توقفت عليه تلك المقاصد فهو مقصود شرعاً.

5- أن الشريعة جاءت بجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

6- أن أقسام مقاصد الشريعة باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها أربعة:

الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، والمكملات.

وأن أعظمها الضروريات التي لو فقدت لاختل نظام العالم وفسدت الدنيا وأن أعظم الضروريات حفظ الدين.

7- أن الضروريات هي (الدين و النفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض عند بعضهم). وأن كل واحد منها له وسائل في الشريعة تحفظه.

فمن وسائل حفظ الدين: العمل به، والجهاد من أجله، والدعوة إليه والحكم به ورد كل ما يخالفه من الأقوال والأعمال.

ومن وسائل حفظ النفس، تحريم الاعتداء عليها، وسد الذرائع المؤدية إلى القتل، والقصاص، وضمانها بالدية، وإباحة المحظورات من أجلها عند خوف الهلاك، ونحو ذلك.

ومن وسائل حفظ العقل: تحريم المفسدات الحسية كالخمر والحشيشة مثلاً وتحريم المفسدات المعنوية كالأفكار الهدامة.

ومن وسائل حفظ النسل: الحث على ما يحصل به استمراره وبقاؤه وتكثيره كالنكاح. ومنع ما يؤدي إلى تقليله أو إعدامه بالكلية كالإعراض عن النكاح، ومنع الحمل، والإجهاض.

ومن وسائل حفظ المال: تحريم الاعتداء عليه، وتحريم إضاعته وتبذيره وما شرع من الحدود الزاجرة من الاعتداء عليه كحد السرقة والحرابة، وضمان المتلفات، ومشروعية الدفاع عنه، وتوثيق الديون، ونحو ذلك.

8- أن حفظ العرض راجع إلى حفظ النسب أو النسل وليس مقصداً ضرورياً مستقلاً.

9- أن المصالح المتعلقة بمقصد الدين مقدمة على غيرها عند التعارض.

إلا إذا كانت المصلحة المتعلقة بالنفس أو العقل تفوت بالكلية فوتاً لا يمكن تداركه والمصلحة الدينية يمكن تداركها ببدلها وقضائها فههنا تقدم المصلحة المتعلقة بالنفس أو بغيرها، وكذا إذا كان تحقيق المصلحة الدنيوية يلزم منه تحقيق الدينية دون العكس.

10 – أن حفظ العرض على قسمين: منه ما يرجع إلى حفظ النسب فهذا مقدم على المال، ومنه ما لا يرجع إلى حفظ النسب كشتم الإنسان بغير القذف فهذا لا يقدم على المال.

11- أن الحاجيات في الشريعة هي ما كان مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة. فهي مهمة وتظهر أهميتها من النواحي التالية:

أ‌- رفع الحرج عن المكلف.
ب‌- حماية الضروريات وذلك بدفع ما يفسدها أو يمسها.
ج- خدمة الضروريات وذلك بتحقيق ما به صلاحها وكمالها.

12- أن التحسينيات هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات فهي مظهر من مظاهر الكمال والجمال في هذه الشريعة ثم هي خادمة للمصالح الحاجية والتحسينية.

13- أن مكملات المقاصد لها أهمية في الشريعة وذلك من النواحي التالية:

أ‌- سد الذريعة المؤدية إلى الإخلال بالحكمة المقصودة.

ب‌- تحقيق مقاصد أخرى تابعة غير مقصودة بالقصد الأصلي.

ج- دفع مفاسد أخرى حاصلة في طريق الحصول على المقصد الأصلي.

د- تحسين صورة المكّمل وجعله سائراً على المألوف.

14- أن المكمل له شرط وهو ألا يعود اعتباره على أصله بالإبطال.

15- أنه يلزم من إبطال الأصل إبطال التكملة.

16 – أنه يلزم من اختلال التكملة بإطلاق اختلال الأصل بوجه ما.

17- أنه لا يلزم من اختلال التكملة بوجه ما اختلال الأصل.

18- أن المقاصد الأصلية هي المقاصد المشروعة ابتداءً لتحقيق أعظم المصالح سواء كانت هذه المصالح ضرورية أم غيرها.

19- أن في مراعاة المقاصد الأصلية موافقة ومطابقة لقصد الشارع.

20 – أن المقاصد الأصلية هي الأصل، والمقاصد التابعة خادمة ومكملة لها ومقوية لحكمتها، وداعية إليها وسبب في حصول الرغبة فيها.

21- أن للشريعة مقاصد عامة تشمل جميع أبوابها مطردة في جميع أحكامها وهي: جلب المصالح ودرء المفاسد، ورفع الحرج، والعدل، والحث على الاجتماع والائتلاف، وأعظمها عبادة الله وحده لا شريك له وأن هذه المقاصد بعضها أشمل من بعض.

22- أن للشريعة مقاصد خاصة وجزئية تفهم من أدلتها التفصيلية.

23- أن لمقاصد الشريعة خصائص تميزها عن غيرها وهذه الخصائص على قسمين:

أ‌- خصائص أساسية قامت عليها المقاصد وهي: الربانية، ومراعاة الفطرة وحاجة الإنسان.
ب‌- خصائص فرعية منبثقة عن الخصائص الأساسية وهي:

العموم والاطراد، والثبات، والعصمة من التناقض، والبراءة من التحيز والهوى، والقداسة والاحترام، والضبط والانضباط.

24- أن الشريعة الإسلامية وحدة متكاملة ونظام شامل، اتحدت جزئياتها وكلياتها على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها.

25- أن الناظر في الأدلة لا يستغني عن النظر إلى مقاصد الشريعة كما أن الناظر في المقاصد لا يستغني عن النظر في الأد لة.
26- أن هناك علاقة وثيقة بين المقاصد وكل دليل من أدلة الشريعة فهي مرتبطة بالكتاب والسنّة ارتباط الفرع بالأصل لأن أصل استمداد المقاصد من الكتاب والسنّة، وقد اشتمل الكتاب والسنّة على بيان كثير من المقاصد.

وأيضاً هي خادمة لبيان وتفسير ما أشكل تفسيره منهما.

27 - أن المقاصد مرتبطة بالإجماع من حيث كون الاجتهاد شرطاً فيه والمقاصد شرط في الاجتهاد، وأيضاً يحتاج إليها في الإجماع المستند إلى المصلحة.

28- أن ارتباط المقاصد بالقياس عن طريقة العلة، وبالأخص باب المناسبة حيث اعتبرت المناسبة شرطاً في صحة العلة.

وأن أكثر كلام الأصوليين في مقاصد الشريعة جاء من خلال باب المناسبة.

29- أن ارتباط المقاصد بالمصالح المرسلة من حيث كون شرط اعتبارها ملاءمة مقاصد الشريعة.

30- أن علاقة المقاصد وارتباطها بالاستحسان من خلال كون الاستحسان العدول بالمسألة عن نظائرها، ولا يعدل بالمسألة عن نظائرها إلا لتحقيق مصالح أعظم ودفع مفاسد، وتظهر هذه العلاقة جلية في استحسان الضرورة عند الحنفية.

31- علاقة المقاصد بسد الذرائع تظهر من كون فتح الذريعة إلى الحرام يؤدي إلى إفساد مقاصد الشريعة، فاتضح أن سد الذرائع من باب المحافظة على مقاصد الشريعة وكذا إبطال الحيل.

32- أن ارتباط المقاصد بقول الصحابي من خلال كون الصحابة أعلم الناس بمقاصد الشريعة، فأقوالهم مبنية على نظر فاحص للمقاصد، ورأي صائب فاعتبرت مصدراً من مصادر المقاصد تستفاد المقاصد منه.

33- أن علاقة المقاصد بالعرف من حيث كون الشارع راعى مصالح الناس فما كان منها ثابتاً أورد فيه نصاً يبين مقداره وهيئته، وما لم يكن ثابتاً تركه لعرف الناس لكون المصلحة تتغير فيه بتغير الزمان أو المكان والحال.

34- أن ارتباط المقاصد بالشرائع السابقة يظهر من خلال كون الشريعة لها خصائصها ومقاصدها المميزة لها عن غيرها، فالعمل بمقاصدها أولى من التزام نص عن الشرائع السابقة لا يحقق تلك المقاصد، فضلاً عن معارضته لها.

35- أن الاستصحاب راجع إلى الأدلة الأخرى وليس دليلاً مستقلاً لذا علاقة المقاصد به ــ وإن أمكن تصورها في بعض أقسامه ــ إلا أنها هي علاقتها بغيرها من الأدلة والله أعلم.

وبعد فهذه الرسالة قد تمت بحمد الله ومَنِّه وكرمه أضعها بين يدي قارئيها، ولا أدعي الكمال فيها.

" وما بها من خطــأ ومن خلــل أذنت في إصـــلاحه لــمــن فــعــل
لـــكن بـــشــرط العلم والإنصاف فذا وذا من أجـــمــل الأوصـــاف
والله يـــهـــدي ســـبــل الــسلام ســبــحانــه بــحبـــله اعــتصامي"

فلله الحمد على ما منَّ به عليّ أولاً وآخراً، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل هذه الرسالة لوجهه خالصة ولعباده نافعة، وأن ينفعني بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن ينفعنا بما كتبنا وقرأنا وسمعنا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين
19‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة بدون اسم.
قد يهمك أيضًا
كيف تتحقق مقاصد الشريعة الإسلامية عن طريق فروض الكفاية؟
ما هي مقاصد الشريعة الإسلامية؟
كيف نحافظ على مقاصد الشريعة الإسلامية
هل الأحكام المتفق عليها كثيرة أم مختلف فيها في الشريعة الإسلامية؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة