الرئيسية > السؤال
السؤال
شرح قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسه
الشعر 11‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة حياتي فلسطين.
الإجابات
1 من 1
والقصيدة غنية بالكثير من الألفاظ الموحية والتراكيب الدالة التي تنقل قارءها إلى أجواء استحضار الموت، والإحساس بالوحشة والحسرة والندم، تلك المشاعر التي يقدمها مالك في أكثر صور الصدق نقاءاً وصفاءاً.



وأول ما يلفت نظرنا في هذه القصيدة هو ظاهرة التكرار، وهي ظاهرة تطالعنا بكثافة في مطلع القصيدة عندما يكرر الشاعر لفظ "الغضى" هذه الشجرة التي حملت معنى الأرض والبلاد والأحباب، فالغضى ليست الشجرة بل هي الأهل والأرض البعيدة التي لا سبيل إليها فكرر هذه اللفظة لتوحي إلينا بمدى حنينه إليها وإلى ما ترمز إليه من وطن وأحباب كم يودّ العودة إليهم ورؤيتهم من جديد.

وتكرار آخر يبرز في القصيدة في مواطن متفرقة، وهو قوله:

ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً؟..

فياليت شعري هل بكت أم مالكٍ؟..




واستخدام تركيب "ليت شعري" في ذاته له من الدلالات ما له، فكيف عندما ينثر في مواطن متفرقة من القصيدة؟ فهو تركيب يستخدم في العربية للتعبير عن شدة الحيرة والتساؤل الملحّ الذي يتطلع صاحبه فيه إلى جواب، وأي تطلع أقوى من تطلع من هو مقبل على الموت؟!، والحيرة تلفه فهو لا يعلم مستقبله المنتظر، وفي الوقت نفسه يفكر في الكثير من الأمور التي قد تحصل له أثناء وبعد الموت.

وتكرار ثالث يدق القلوب دقاً، إنه تكرار المتشبث يأساً بالحياة، المقبل كرهاً على الموت "فلله دري ودر الرجال" و"در الظباء" و"در الهوى" و "در كبيريّ".

وتطالعنا في ثنايا القصيدة تراكيب وألفاظ كثيرة تجسد مأساة الشاعر، وتعمق إحساسنا بمعاناته وشدة حسرته، منها على سبيل المثال لا الحصر:

قوله"فالتفت ورائيا" في:

دعاني الهوي من أهل ودي وصحبتي.. بذي الطبسين فالتفتُ ورائيا

تعبير عن رغبة عميقة مستحيلة في العودة، فقد التفتَ الشاعر وراءه يرجو رجاء يائس أن يعود، إذ يمثل الالتفات إلى الوراء التفاتاً إلى الحياة التي بدأت تغيب عن ناظريه أمام ظلال الموت وأثواب الردى، وهو رمز لكل الندم الذي يعيشه الشاعر ويحاول أن يعوض نفسه بإلقاء نظرة أخيرة على ذاك الماضي الذي بات واضحاً أنه لن يعود ليحياه أبداً.

وفي "تقنعت ردائيا" في قوله:

أجبت الهوى لما دعاني بعبرة.. تقنعت منها أن ألام ردائيا

احتماء بهذا الرداء ليطرح ما به من حزن ولوعة وشوق دون أن يرى رفاقه منه هذا الضعف الذي لا يليق بأن يصدر من محارب شديد البأس، فهو يختفي وراءه لئلا يلام فتهتز رجولته.

وفي " وإذن منيتومني الأمانيا" في قوله:

ودر كبيري الذين كلاهما.. عليّ شفيق ناصح ما ألانيا

إحساس بالحاجة إلى الأمان، فالكبير دائما ملاذ فكأنهم قد أضاع ملاذه، وندم على عدم استماعه للومهما له عندما قرر الرحيل مع الجيش، حيث حاولا إبقاءه ولكنه رفض إلا أن يرحل مع الجيش ليطلب الجهاد وبحثاً عن الرزق من خلال الغنائم المنتظرة.

وفي" تاركي لا أبا ليا" في قوله:

تقول ابنتي لما رأت طول رحلتي.. مسيرك هذا تاركي لا أبا ليا

ظلالٌ من الأبدية والديمومة التي تهجس الطفلة بها أنها تختطف أباها، وكأن الشاعر قد استرجع صورة طفلته المودعة في هذه اللحظة بالذات حيث لم يبق على فراقه للحياة إلا ساعاتٍ قلائل، فعاد إليه مشهد وداع طفلته له، ولم ينتبه لتلك الإشارة في عيني طفلته المحذرة بأنه الوداع الذي لا لقاء بعده، فتبقى هي طفلة وحيدة يتيمة،وكأنه يوحي إلينا بيتمه هو الآن في لحظة الاحتضار حيث لا أحد من أحبته معه فهو يتيم بسبب الغربة التي يعيشها وذل الموت وحيداً غريباً.

وفي " وأصبح مالي من طريف وتالد" في قوله:

وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ.. لغيري وكان المال بالأمس ماليا

تعجبٌ من دوران الأيام وتقلُّبها وعدم ثبوتها على حال، فالمال الذي اكتسبه والذي ورثه كله سيؤول إلى غيره بعد أن كان ماله بالأمس القريب يتصرف فيه كيف يشاء وسيؤول هو إلى قبر لا ينفعه ماله فيه، وفي البيت إشارة إلى تكذيب ما ورد في التاريخ عن مالك بن الريب من أنه كان قاطع طريق وصعلوكاً، فكيف له أن يكون صعلوكاً وقد أشار إلى أمواله التي اكتسبها والتي ورثها، وهذا يعني أنه كان غنياً ولديه اكتفاء ماديّ.

وفي " هل بكت أم مالك" في قوله:

فياليت شعري هل بكت أم مالكٍ.. كما كنتُ لو عالوا بنعيك باكيا؟

فرط حنين وشوق إلى أمه في هذه اللحظات القليلة التي تفصله عن الموت يفكر فيها وفي حالها بعد سماعها خبر وفاته هل ستبكي؟، هو متأكد من ذلك ولكنه يتساءل لأنه حزين على أنه لن يموت بين يديها مطمئناً وسيموت وحيداً غريباً لا تدري عنه أمه شيئاً، ويشير إلى أنه لو سمع خبر وفاتها لكان قطّع الفضاء بكاءاً وعويلاً على فقدها، وكأنه يرجو منها أن تفعل الشيء نفسه في حال سماعها خبر وفاته.

وفي "فاعتادي القبور وسلمي على الرمس" في قوله:

إذا متُّ فاعتادي القبوري وسلِّمي.. على الرَّمسِ أُسقيتِ السحاب الغواديا

طلب بالتواصل المستحيل، وكأنه يمدُّ وشائج متخيلة بين الموت متمثلاً فيه والحياة متمثلةً فيها، فهو يعلم بأنها لا تسطتيع ذلك لأن المسافة الفاصلة بين أراضيه التي سيموت ويدفن فيها تبعد عن أرض أمه مسيرة شهور، ولكن المعنى يتضمن أمنية منه أن يموت في أرضه بين أهله ليزوروه ويدعو لأمه بأن يسقيها المطر من فرط شوقه وحنينه لها فهو لايملك شيئاً إلا الدعاء عله يخفف عنه وطأة الإحساس بالخسارة المطلقة.

وفي"ألاّ تلاقيا" في قوله:

فيا صاحبا إما عرضت فبلغن.. بني مالك والريب ألا تلاقيا!

الكثير من اللوعة والحسرة والحرقة فهو يرجو هذا التلاقي المستحيل فالموت والغربة والمسافات تحول بينه وبين هذه الأمنية التي يطلب أن تتحقق ولو للحظات، ولكنه محاصر باليأس المطبق مسكون بالموت المؤذن بالفراق الأبدي. إنها إعلان اليائس، وصرخة من لا يجيبه إلا صدى هلعه وندمه وحسرته، ولا وسيلة لديه لإيصال هذا الخبر وحمل هذه الوصية إلا صاحبه الذي آنسه في رحلته إلى الموت، وعاصر ما مرّ به مالك، فأوصاه بأن ينقل إلى أهله الخبر الأليم الذي لا رجعة فيه، "فبلغن" وجاءت النون في هذه الكلمة لتوكيد البلاغ، والتأكيد على لزوم إيصال هذا الخبر الأهم في سيرة مالك كلها.

وفي" وعطّل قلوصي" في قوله:

وعطل قلوصي في الركاب فإنها.. ستُبردُ أكبادا وتُبكي بواكيا

طلب بإطلاق ناقته لتُعلن خبر وفاته على الملأ وفي ذلك بقية تمسك باستمرار التواصل مع الأحياء، فالعلم بالأمر ارتباط، والجهل به غفلة وانقطاع، وهذه العادة متوارثة من الجاهلية حيث تعطل نوق الميت وتطلق في البراري حزناً على صاحبها، فأراد من صاحبه أن يفعل هذا بناقته حتى يعرف الجميع بخبر موته.

وفي " أقلب طرفي" في قوله:

أقلب طرفي حول رحلي فلا أرى.. به من عيون المؤنسات مراعيا

قمة الشعور بالوحدة والضياع والحيرة والفراغ الذي يرجو أن يملأه أحد أحبته وهو أمر مستحيل ولكنه يعلل نفسه بهذه الآمال الكاذبة التي تتلاشى سريعاً حين يقول" فلا أرى به ن عيون المؤنسات مراعيا" وفي "باكية أخرى" في قوله:

فمنهن أمي وابنتاها وخالتي.. وباكية أخرى تهيج البواكيا

ستبكي عليه الكثير من النساء المفجوعات منهن أمه الثكلى وأختاه وخالته وامرأة أخرى يُلمح لها ستكون هي من تثير الباكيات لشدة مصابها ولوعة فؤادها هذه المرأة التي لم يُصرح بها هي زوجته التي ستغدو أرملةً من بعده ترعى بنيه الأيتام الذين لا يعرف مصيرهم المجهول فهو بذلك خائف رائعٌ قلبه على بنيه الذي جعلتهم الحرب دون أبٍ يعولهم ويحنو عليهم ويحميهم.

وفي " لم يترك له الموت ساقيا" في قوله:

وأشقر خنذيذٍ يجر عنانه.. إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا

يُقاد ذليلاً بعدما مات ربه.. يباع ببخس بعدما كان غاليا

حيث يتحدث عن حصانه، تبدو الحسرة الخفية التي تحياها نفسه، حسرته على حاله فيتقنَّع بقناع فرسه ويرثي لحالها بعد موته، وهو لا يقصدها وإنما يقصد نفسه الشقية التي ستموت بعيدة غريبة ذليلة هذا الذل الذي سيرثه عنه حصانه عندما " يُقاد ذليلاً" وهذه صورة أخرى للحصان.

وهي صورة مذلة مالك نفسها الذي تعز عليه نفسه الغالية حين أذلها الموت وقهرها البعد، فكان أن ذل كل ما يملكه ورخص.

وحين يقول "استُل روحي" في قوله:

وقوما إذا ما استُل روحي فهيئا..لي السدر والأكفان عند فنائيا

يبدأ مع عملية الاستدلال هذه التي توحي بنزع روحه رغماً عنه ببطء يزيد من عذابه وألمه، يبدأ بتصوير طقوس الموت والدفن التي تمتزج فيها الشفقة بالألم، واستسلام الموت القادم بعنفوان الحياة العابث في كنف الأكفان وبرودة القبر.

وتأتي موسيقى القصيدة الداخلية لتشع أسىً ولوعةً، كأنما العبرات تتساقط منها عند قراءتها، فمن الحروف التي تكررت وتشي بالحزن "حرف السين" و "حرف الشين" التي تشي بموسيقى متصلة لا تنقطع، وتوحي بالسكون قرين الموت، فتضفي على القصيدة أجواء حزن مستسلم غير صداح ولا هلع.

أما عن الموسيقى الخارجية فقد كان روي القصيدة موحياً، فالياء المفتوحة الممدودة كانت تعطي متسعاً للتأوه والتنفس العميق فكان ينفثها نفثة مكروب عاجزٍ عن تخليص نفسه مما يعتريه من الهم واللوعة والآهات والشجى، فهي تأوهات النادم المتحسر ساعة لا يفيد الندم ولا تفيد الحسر ة.

كانت هذه بعض جماليات القصيدة التي تميزها عن بقية القصائد، ونترك للقارئ التمعن في القصيدة، والحياة في كنفها لأن فيها ما عجز القلم عن تسطيره وهو كثير.

مالك شاعر بكل معنى الشاعرية حساس للغاية، وعاطفته القوية كانت سببا في خلود قصيدته وشاهداً على معاناته.
11‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة hala.2007.
قد يهمك أيضًا
اريد شرج قصيدة رثاء الأبناء الى بيت فلئن بهم فجع الزمان وريبه إني بأهل مودتي لمفجع.
ما هو شرح و تحليل الأبيات الشعرية هذه ؟
اريد شرح اول 20 بيت من قصيدة ( الهمزية النبوية ) لامير الشعراء احمد شوقى ..
شرح قصيدة مولد الهدى
من هو الشاعر مالك نصر الصالح
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة