الرئيسية > السؤال
السؤال
الشعر فى العصر الجاهلي حول السلم
التاريخ | العناية بالشعر 16‏/12‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
الإجابات
1 من 2
إذا أردت السلام .. فاستعد للحرب.
أتق شر من أحسنت إليه
12‏/1‏/2011 تم النشر بواسطة بدون اسم.
2 من 2
زهير بن أبي سلمى…داعية السلام في العصر الجاهلي
 دعوة الحق

146 العدد

لاشك أن الدكتور زكي المحاسني رحمه الله على صواب في قوله ممهدا لكتابه : (شعر الحرب في أدب العرب) : "ومن عجب أن يخلق الإنسان وحب الحرب غريزة فيه، منذ كان على الأرض إلى اليوم، فقد وجد قطرة الدم بلسما لنزوة الغضب... وما عرف الدهر قوما سكنوا الدنيا، ولم يقتتلوا ما بينهم، أو لم يحاربوا جيرانهم، فكان إذن حتما لزاما أن تنشأ حوادث حربية في الأمم." (1)
ذلك ما يلمسه الإنسان وهو يستعرض تاريخ البشرية على وجه البسيطة ليطلع على هذا التسجيل الضخم للوقائع العديدة التي يحفل بها هذا التاريخ. وإذا كان الإنسان المعاصر لا يزال يعاني من آثار الحربين الكونيتين الأخيرتين باعتبارهما أفظع ما عرف الإنسان من حروب، فإن الحروب القديمة لا تقل عنها فظاعة، حتى إننا لنتساءل : هل الإنسان خير بطبعه أم شرير ؟ هل ينزع إلى الخير أم إلى الشر ؟.
وإذا كان الجواب على أسئلة من هذا النوع ليس بالأمر الهين، فإنه أيضا ليس مستحيلا، فلم يخل عصر من عصور التاريخ من رجال اشتهروا وخلدت أسماؤهم بسبب ما كانوا يقومون به ويدعون إليه من أعمال الخير، إلى جانب الأشرار الدعاة إلى  الحرب والشر الذين كان يسقط في يديهم كلما هب دعاة السلام يخاطبون الناس.
وإذا أخذها العصر الجاهلي كمثال نجد فيه الشيء الكثير من ذلك، فيه الحروب التي لا تكاد تنتهي، والتي تقوم في كثير من الأحيان لأتفه الأسباب، كحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء أو حرب السباق كما تسمى  أيضا، وفيه أيضا محاولات وتضحيات عديدة لحقن الدماء.
ومن يستعرض تاريخ العصر الجاهلي وأدبه يثير اهتمامه هذا التسجيل الهائل لحروب العرب وأيامهم في ذلك العصر، وهي إما حروب بين القبائل العربية نفسها، أو بين العرب ومن حاول الاعتداء على أطرافه شبه الجزيرة العربية مثل الفرس أو الأحباش أو غيرهم.
وإذا كان الشعر الجاهلي الذي عاصر تلك الأحداث، هو ديوان العرب يسجل وقائعهم وأهم أحداثهم، فإن مهمته كانت في كثير من الأحيان تتعدى ذلك على  يد بعض الشعراء الذين كانت تشغلهم قضايا ومشاكل عصرهم الكبرى، فيحاولون المساهمة في حلها ونشر الخير والطمأنينة في ربوع بلاد العرب.
ومن هؤلاء نذكر الشاعر الذي عاصر حرب داحس والغبراء – حرب السباق – وكان له مشاركة فعالة في دعوة القوة إلى التخلي عن الحرب والعودة إلى الود والسلام، وذلك هو الشاعر زهير بن أبي سلمى.
وقبل أن نتعرف على الدور الذي قام به الشاعر زهير في هذه الحرب وطبيعته، لا بأس أن نتساءل عن أهم أسباب هذه الحرب، وعن الطرفين فيها وعن مكانها؟
وأن ملخص السبب الذي قامت من أجله كما يذكر الرواة ذلك أن سيدا من بني عبس هو قيس ابن زهير، وسيدا من بني فزارة من ذبيان هو حمل ابن بدر، تراهنا على فرسيهما : داحس فرس قيس، والغبراء فرس حمل وقيل فرس أخيه حذيفة، أيهما يكون له السبق، وجعلا الرهان مائة بعير، ولكن (حمل بن بدر الفزاري) طلب من بعض الفتيان وضع كمين في طريق فرس خصمه داحس أن جاء سابقا، ونفذ الفتيان ذلك، فثار بنو عبس وكثر الجدال، وهكذا نشبت الحرب بين عبس وذبيان وهما أبناء عمومة إذ كلاهما من غطفان، شأنهما في ذلك شأن حرب البسوس بين بكر وتغلب وهما من وائل، ودامت حرب السباق هذه حسب الروايات القديمة حوالي أربعين سنة، غطت دماء قتلاها أرض غطفان التي تربى فيها الشاعر زهير.
ويمكننا أن نتصور الحالة النفسية والاقتصادية التي كانت تسود هاتين القبيلتين ومن حالفهما من القبائل الأخرى، فمن تعدد القتلى إلى انتشار الذعر والفزع وفقدان الطمأنينة والاستقرار، إلى خيبة الأمل والشعور بالملل، والحرب في العصر الجاهلي كانت تقوم على الثأر، فكل قتيل لابد من دفع ديته أو قتل شخص آخر، فكيف إذا تعدد القتلى وطالت المدة ؟
وطبيعي أن تجد كل دعوة أو محاولة لعقد هدنة ووقف هذه الحرب صدى وقبولا في نفس الجميع، وإذا كان عنصر الشر قد تغلب عند هؤلاء المتحاربين، فإن عنصر الخير قد برز عند شخصين هما : هرم بن سنان والحارث بن عوف، لا يذكران إلا بالمديح والثناء سواء عند المتحاربين أو عند عامة الناس، للدور العظيم الذي قاما به لإنهاء هذه الحرب التي كانت تنذر بالاستمرار وتهدد القوم بالفناء، إذ أخذا على عاتقيهما دعوة الناس إلى الصلح وتحملا دبات القتلى من الطرفين التي يقال أنها بلغت ثلاثة آلاف بعيرـ، فهال الناس واستبشروا خيرا وأكثروا من المديح والثناء على لسان الشاعر زهير في قصيدته الميمية الطويلة :
سعى ساعيا بن مرة بعد مـــــا
            تبزل ما بين العشيرة بالـــــدم
فأقسمت بالبيت الذي طاف حولــه
            رجال بنوه من قريش وجرهـــم
يمينا لنعم السيدان وجدتمـــــا
           على كل حال من سحيل ومبــرم
تداركتما عبسا وذبيان بعدمــــا
           تفانوا ودقوا بينهم عطر منشـــم
وقد قلتما : أن ندرك السلم واسعـا
           بمال ومعروف من الأمر نسلـــم

عظيمين في عليا معد – هديتما –
         ومن يستبح كنزا من المجد يعظـم
تعفى الكلوم بالمئين فأصبحــت
         ينجمها من ليس فيها بمجـــرم

ولكن الصراع بين الخير والشر يظهر مرة أخرى، فينتصر الشر في نفس حصين بن ضمضم المري ولكن إلى حين، فقبل عقد الصلح بين القبيلتين المتحاربتين كان هذا قد أقسم ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس العبسي الذي كأن قد قتل أخاه هرما، أو شخصا من عبس من غالب أهل ورد، ولكنه لم يطلع أحدا على هذا القسم، ولم يستطع أخذ الثار لأخيه إلا بعد عقد الصلح، فثار العبسيون لذلك، وتبودلت الاتهامات بالخيانة والغدر، وكادت الحرب تشتعل مرة أخرى بسبب التقاليد المتمكنة في نفس القوم وإن كانت شرا، ولكن السلم والخير ينتصران في النهاية، فيأخذ القوم مائة من الإبل دبة لقتيلهم ويتم الصلح، وتعم الفرحة أشد من السابق، ويتغنى الشعراء بهذا الكسب العظيم.
ومن هؤلاء الشاعر الكبير زهير بن أبي سلمى صاحب الميمية المطولة التي يمكن أن نطلق عليه بسببها وبسبب القصائد الأخرى المشابهة لها : داعية السلام في العصر الجاهلين وهي قصيدة جمع فيها خلاصة آرائه وتجاربه في الحياة.
1. وإذا تساءلنا عن الأركان المهمة التي اعتمد عليها زهير في دعوته إلى السلام نجدها تتلخص فيما يلي :
دعوة صريحة إلى التخلي عن الحرب بالتنفير منها ومن ويلاتها ونتائجها وتضخيم مساوئها وعيوبها وشرورها في مثل قوله :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتــم
         وما هو عنها بالحديث المرجــم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمــــة
         وتضر إذا ضريتموها فتضــرم
فتعرككم عرك الرحى بثقالــهـا
         وتلقح كشافا ثم تنتبح فتتئــــم
فتنتج لكم غلمان أشام كلهــــم
         كأحمر عاد ثم ترضع فتفطـــم
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلهـــا
         قرى بالعراق من قفيز ودرهــم-
2. مدح من يسعى لإقرار السلم ويضحي من أجله بالمال والمعروف مثل السيدين : هرم بن سنان والحارث بن عوف، وقد رأينا أبياته السابقة فقي مدحهما، وهذه أبيات من قصيدة أخرى في مدحهما :
هم خير حي من معد علمتهـــــم
         لهم نائل في قومهم ولهم فضـــــل
فرحت بما خبرت عن سيدكـــــم
         وكانا أمراين كل أمرهما يعلـــــو
رأى الله بالإحسان ما فعلا بكــــم
         فأبلاهما خير البلاء الذي يبلـــــل
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهـــا
         وذبيان قد نزلت بأقدامها النعـــــل
فأصبحتما منها على خير موطـــن
         سبيلكما فيه وإن أحزنوا، سهـــــل
وفيهم مقامات حسان وجوههــــم
         وأندية ينتابها القول والفعـــــــل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهــــم
         مجالس قد يشفى بأحلامها الجهــــل

وهنا يمكن أن نسجل ظاهرة مهمة في مدح زهير لمن يعجب بهم وتبهره مساعيهم لخير الإنسانية، فهو لا يمدحهم إلا بما عملوا، وذلك سر إعجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب به كما يذكر الرواة ذلك، لأنه لا يقول إلا ما يعرف، ولا يمدح إلا بما فيه.
وهكذا يكون مدحه مدحا لمبادئ يمثلها الأشخاص قبل أن يكون مدحا للأشخاص أنفسهم، فتراه مثلا يعلل مدحه لهرم بن سنان قائلا :
أليس بفياض يداه غمامــــــة
         فمال اليتامى في السنين محمــــد
أليس بضراب الكماة بسيفـــــه
         وفكاك أغلال الأسير المقيــــــد

ولا أظن أحدا سواء من معاصري هرم وصاحبه أو ممن قرأ فيما بعد عن أعمالها لوقف الحرب، إلا ويعجب بهما يكثر من الثناء عليهما، إن أعمالهما المتمثلة في التضحية بالمال والمعروف في سبيل إحلال السلم محل الحرب لتمثل التضحية والشهامة والإباء الشجاعة والكرم لدى العربي الحر، وتضفي عليهما صورة إنسانية نبيلة تضاهي ما يتمتع به أكبر دعاة السلام في هذا العصر وفي كل عصر إن لم تفقه، وترفعهما إلى مكانة أسمى.
وقد استطاع زهير بفنه أن يجعلنا نشعر بذلك.
وظاهرة ثانية نستخلصها من مدحه وهي إظهار الصفات الحقيقية المثالية التي يجب أن يتمتع بها السيد العربي، تلك الصفات التي لا يتمتع بها إلا عدد قليل من الناس، فراعه تحققها الفعلي في إفراد ممتازين من صفوة رجال مجتمعه، فأمسك بها  بحساسية الشاعر المرهق وصورها بقدرته الفنية الخاصة على التصوير، فتراه يقول مثلا في مدح حصن بن حديفة بن بدر وهو من سادة غطفان :
تراه إذا ما جئته متهلــــــــلا
         كأنك تعطيه الذي أنت سائلــــــه

حتى إن ناقدا كبيرا مثل الدكتور محمد النويهي لم يتمالك أن قال عن هذا البيت : "إن كان ممدوح زهير هكذا حقا – ونحن لا يخامرنا شك في صدق زهير – فهذا هو الكرم الحقيقي، الكرم النادر الوجود، لا بين الجاهليين وحدهم، بل في الطبيعة البشرية جمعاء. وقد أعجب القدماء بهذا البيت إعجابا كبيرا، وقرروا أن جمال وصفه هو أنه يسجل صفة مخالفة لما جرت به العادة من محبة النفس للأخذ وكراهيتها للعطاء." (2)
ومما تقدم نرى أن مدح زهير يختلف عن مدح غيره من الشعراء في عصره، ومن جاء ذلك تفضيل عمر بن الخطاب له وحجته في ذلك أنه لا يتبع حوشي الكلام.. ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.
3. ومن الأمور التي يعتمد عليها زهير في دعوته إلى السلم بالإضافة إلى تنفيره للمتخاصمين من الحرب وويلاتها ونتائجها، تلك النصائح التي يقدمها لهم يحذرهم فيها من مغبة أعمالهم ومن تعرضهم للعقاب والحساب – ويظهر زهير في ذلك شديد الإيمان بالحساب والعقاب واليوم الآخر – ومن الأمثلة على ذلك قوله :
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالـــــة
        وذببان : هل أقسمتم كل مقســـــم ؟
فلا تكتمن – الله ما في صدوركـــم
        ليخفى ومهما يكتم الله يعلـــــــم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخــــر
        ليوم الحساب أو يعجل فينقـــــــم
ومن ذلك تلك النصائح التي قدمها لبني هوزان وبني سليم الذين أرادوا الإغارة على غطفان رغم القرابة التي بينهم – إذ كلهم من مضر – فقال ينصحهم للتخلي عن هذه الحرب لأنها ستقضي على تلك القرابة وتؤذي الجميع بل قد تؤذي المعتدين قبل غيرهم :
رأيت بني آل امريء القيس اصفقــوا
        علينا وقالوا : إننا نحن أكثــــــر
سليم بن منصور وإفناء عامـــــر
        وسعد بن بكر والتصور وأعصــــر
خذوا حظكم يا آل عكرم واذكـــروا
        أواصرنا والرحم بالغيب تذكــــــر
خذوا حظكم من ودنا، إن قربنــــا
        إذا ضرستنا الحرب نار تسعــــــر
وأنا وإياكم إلى ما نسومكــــــم
        لمثلان أو أأنتم إلى الصلح أفقــــــر
4.  هجاؤه لمن يريد الاستمرار في الحرب بنقضه العهود وإضمار الشر في نفسه مثل حصين بن ضمضم الذي جنى على عشيرته فاتهموا بالغدر والخيانة، فقال زهير في ذلك :
لعمري لنعم الحي جر عليهـــــم
         بما لا يؤاتيهم حصين بن ضمضــــم
وكان طوى كشحا على مستكنــــة
         فلا هو أبداها ولم يتقـــــــــدم
وإذا حاولنا أن نبحث عن خصائص ومميزات آراء زهير في دعوته إلى السلم نجد الحكمة والتعقل والاعتماد على الحجج التي تؤيد تلك الآراء من أهم هذه المميزات، حتى سمي بالشاعر الحكيم، ولا غرو فقد خبر الحياة ورأى ما فيها من متناقضات : من خير وشر، حرب وسلم، حب وبغض، عدالة وظلم..
سئمت تكاليف الحياة ومن يعـــش
      ثمانين حولا لا أبالك بســـــــام
ذلك الشيخ الحكيم الذي يحاول أن يقدم إلى قومه – وإلى كل البشر – خلاصة تجاربه الشخصية منذ طفولته إلى الثمانين، وهي تجارب لا شك غنية ومفيدة وصائبة تنطبق لا على العصر الجاهلي والبيئة العربية وحدهما، بل تنطبق أيضا على كل الأزمان وعلى كل بيئة، ألا نجد ذلك في مثل قوله على سبيل المثال :
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضلـــه
      على قومه يستغن عنه ويذمــــــم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنــــه
      وإن يرق أسباب السماء بسلســـــم
وكأين ترة من صامت لك معجــب
     زيادته أو نقصه في التكلـــــــم
لسان الفتى نصف ونصف فــؤاده
     فلم يبق إلا صورة اللحم والـــــدم
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعــــده
     وإن الفتى بعد السفاهة يحلــــــم
وحكمة الشاعر زهير تتعدى آراءه لتظهر في فنه سمة من  أهم سماته، وتتجلى في هذا التناسق والترتيب في أفكاره وصوره، حتى إن مطولاته سميت بالحوليات لأنه كان يخرجها بعد سنة : ينظمها في أربعة أشهر، وينقحها في أربعة اشهر، ويعرضها على أخصائه في أربعة أشهر، ويظهر مثل ذلك الترتيب والتنسيق مع الاعتماد على التصوير الحسي في مثل قوله في امرأة إذ وصفها وصفا عاما أولا :
تنازعت المها شبها ودر البحـــو
     ر وشاكهت فيها الظبــــــــاء
ثم أخذ يفصل هذه الصورة العامة فقال :
فأما ما فويق العقد منهـــــــا
     فمن إدماء مرتعها الخــــــــلاء
وأما المقلتان فمن مهـــــــاة
     وللدر الملاحة والصفـــــــــاء
كما يظهر ذلك أيضا في قوله يمدح بطلا ويصف طريقته في خوض غمار المعركة :
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنــوا
     ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقـــا
وقد عد زهير بهذه الطريقة المعتمدة على الصور الحسية والترتيب والتنسيق والتنقيح صاحب مدرسة فنية كان لها بعض الأتباع ممن تأثر بها مثل ابنه كعب، والنابغة الذبياني والحطيئة ومن سار على منوالهم.
وإذا كان الفن يستوحي الحياة ويأخذ مادته منها، فإن شعر زهير كان خلاصة لتجاربه في الحياة، استطاع أن يصورها بفن رفيع ذي خصائص ومميزات تحببه إلى الشباب والكهول، لأنه لا ينطق إلا صدقا وعن تجربة وحبا في نشر الخير بين الإنسانية، فكان بذلك عضوا صالحا في مجتمعه، استطاع أن يبلغ رسالته السامية بجمال فنه، فكانت رسالة ازدواجية : رسالة أدبية جمالية وفنية، ورسالة إصلاحية تدعو إلى الخير وتحببه إلى القلوب. ومن أهم مميزات هذه الرسالة أنها جمعت بين صدق الانفعال وجودة الأداء ونبل الغاية، أما صاحبها فقد دعا إلى الخير من أجل الخير، فأحبه القدماء والمحدثون، ويكفي أن أسوق رأي ناقد كبير معاصر هو الدكتور محمد النويهي يذكر فيه أسباب إعجابه بالشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، فيقول : "ولا أكتم قرائي أن زهيرا هو أحب شعراء الجاهلية إلى قلبي، لأسباب متعددة، منها سبب أعترف بأنه أخلاقي اجتماعي، هو ارتفاعه في تفكيره ومثاليته على المستوى السائد في عصره الجاهلي، ومقاومته لمقاييس الجاهليين الذين كانوا يتباهون بالبطش والاعتداء وقسوة الانتقام، ونزعته العميقة إلى السلم والتصالح، وحملته القوية الحارة على الحرب وبطولاتها الدموية، ومديحه الجميل المخلص لأفراد سموا هو أيضا بطابعهم وعاداتهم على الشائع المألوف في ذلك العصر، وكل هذا يحله في ضميرنا الحديث محلا رفيعا.
لكني أوثر زهيرا لأسباب أخرى فنية : هي تناوله المتخصص لفن الشعر، وتجويده لأدائه، دون أن يسقطه هذا في الكذب والتكلف، سبب آخر  أصرح بأهميته عندي في تفضيل زهير، هو مجرد الكم، فزهير قد قدم لنا من القصائد الجيدة الممتعة عددا لا يجاريه فيه شاعر آخر...". (3)
وهكذا تتعدد الأسباب التي تخلد شعر زهير بصفة خاصة، والشعر العربي القديم الجيد بصفة عامة. وما هذه المحاولة المتواضعة إلا مساهمة في إجلاء ما للتراث من قيمة ومكانة تتعدى حدود البيئة الخاصة إلى البيئة ال
30‏/9‏/2012 تم النشر بواسطة بدون اسم.
قد يهمك أيضًا
السلم و السلام في العصر الجاهلي؟ أمثال وحكم
ماذا كانت منزلة الشاعر في العصر الجاهلي وماذا كانت قيمة الشعر حينها؟؟
ماهي الاطلال في في العصر الجاهلي
الحكمة في الشعر الجاهلي
اشهر كتب في العصر الجاهلي
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة