الرئيسية > السؤال
السؤال
ما معنى الحديث (( المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ؟؟
ما معنى الحديث (( المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ؟؟

الرجاء الجواب بتهذيب مع كلام النبي
الحديث الشريف 1‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة سائل علم (Noon Benbraik).
الإجابات
1 من 11
المعنى هو : المؤمن القوى فى إيمانه بالله ورسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام   خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف فى إيمانه بالله ورسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام
1‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة hamada_coffee.
2 من 11
^ ر ^
* ر *
^ _ ^
1‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة hamada_coffee.
3 من 11
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثاني عشر: عن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير, احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان   . رواه مسلم .

هذا حديث يتعلق بالقضاء والقدر، ويتعلق بالأفعال وبالأمر والنهي وبالعبادات، وما أشبهها. القوة في هذا الحديث هي القوة الحسية هذا هو الظاهر, والضعف هو الضعف الحسي، ولكن يدخل قد في ذلك القوة المعنوية، والضعف المعنوي.
فالمؤمن القوي: يعم ما إذا كان بدنه قويا وجسمه قويا؛ فإنه أقوى في النكاية بالأعداء، إذا كان في القتال كان أجرأ من الضعيف؛ بحيث أنه يجدل الأبطال ويقتل الرجال، ويهزم الأعداء ويدرك الهاربين ونحوهم، فتكون قوته البدنية سببا في انتصار المسلمين.
بخلاف ما إذا كان ضعيف البنية ضعيف الجسم، فإنه لا يستطيع أن يدرك هاربا ولا أن يرفع شيئا ثقيلا، ولا أن يقوى على إدراك، أو قتال الأعداء؛ لضعف بدنه ولضعف تركيبه. ومع ذلك فإن هذا من الله, الله تعالى هو الذي خلق الخلق، فجعل هذا قويا وهذا ضعيفا، هذا هزيلا وهذا سمينا، وإن كان لذلك أسباب يعني قوة التغذية، وكذلك من الأسباب أيضا المرونة التمرن على الحمل وعلى السير، وعلى تنمية الأعضاء وتقويتها، يكون لها سبب بإذن الله في قوة البدن؛ بخلاف الذي يرضى بالخمول ودائما، وهو جالس لا يمرن بدنه، ولا يحمل ولا يمشي فإن بنيته تكون ضعيفة، وجسمه يكون ضعيفا. فهذا على أحد الأقوال أن المراد القوة الحسية؛ قوة الجسم ومناعته وضعف الإنسان وضعف بدنه، فالمؤمن القوي هو الذي يقدر على حمل الأشياء الثقيلة، وعلى المشي المتواصل، وما أشبه ذلك مما لا يقدر عليه المؤمن الضعيف.
والقول الثاني: أن القوة هاهنا قوة معنوية وأن المراد قوة القلب، وهو أن يكون المؤمن قويا قلبه؛ بحيث أنه يكون جريئا على إنكار المنكرات، وعلى الإفصاح بالحق وعلى إيضاح الدلالة، وعلى إنكار المنكر والأمر بالمعروف, قويا على حرمات الله؛ بحيث أنه لا يخاف في الله لومة لائم.

المؤمن القوي إذا كان قلبه قويا تجرأ على أن يقول للمسيء: إنك خاطئ، ويقول للعاصي إنك عصيت ولا يبالي، ولو كان ذلك العاصي أميرا أو وزيرا أو كبيرا أو ثريا يفصح له ويتجرأ عليه، ويقول له أخطأت، ولو كان ذلك المؤمن من أطراف الخلق، لو لم يكن له معرفة، لو لم يكن عنده علم، ولكن علم بأن هذا القول خطأ، فقال لصاحبه: قد أخطأت يا هذا, علم بأن هذه معصية فقال لصاحبها وتجرأ ولم يخف، وقال: لقد عصيت هذه معصية، أنت من العصاة، أنت من الخارجين عن الطاعة، لا يبالي ولا يخاف من الناس، وإنما يخاف من الله، ويعمل بقول الله تعالى:  فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ    وقوله تعالى:   فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي    لا يخشى إلا الله يعمل بقول الله تعالى:   الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله    .
فهذا حقا هو المؤمن القوي الذي يجرأ على إنكار المنكرات وعلى إظهار الخير وعلى إظهار الأمر بالمعروف ويتجرأ على أن يقول الحق ولو على نفسه ويقول الحق ولو كان مرا ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بعض أصحابه يقول أبو ذر أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقول الحق وإن كان مرا وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم أي أن المؤمن لا يخاف في الله لومة لائم, يفصح بالحق ويظهره ويدل عليه، ويقول هذا هو الحق ولو خالفه من خالفه ويقول للمسيء قد أسأت، ويقول للمحسن قد أحسنت، ويفضل أهل الخير ويرفع من مكانتهم، إذا كان قادرا ولو كان دونهم في المنزلة، ولو كانوا أدون الناس، ويحقر أهل الشر ويقلل من شأنهم ويحتقرهم، ولا يرفع بهم رأسا، ولو كانوا رؤساء، ولو كانوا فصحاء، ولو كانوا ما كانوا هذا حقا هو المؤمن القوي. ويعم ذلك أيضا كل قوة يدخل فيها أيضا قوة البدن، والقوة في الكسب الذي يقدر على أن يكتسب المال ثم ينفقه في وجوهه، وكذلك أيضا يكون جريئا عند الناس على إنكار حرمات الله تعالى، أو ما أشبه ذلك هذا هو المؤمن القوي.


المؤمن الضعيف هو ضعيف القلب؛ بحيث إنه لا يكون معه جرأة على إنكار المنكر يخاف من الناس، إذا رأى المنكر استحيا أن يقول هذا منكر، مع أنه يعرفه يعرف بأنه منكر وبأنه محرم، ولكن يستحي من الناس، يقول: هؤلاء أعلم مني، وهؤلاء أكبر وأثرى وأغنى وأقدم، فكيف أتجرأ عليهم، أستحي أن أتكلم أمامهم لأني فقير وحقير وضعيف، نقول: إن هذا الضعف ضعف في المعنى، وأنه وإن كان مؤمنا، لكن لما كان إيمانه ضعيفا، كان أقل حالة وأقل نفعا من المؤمن القوي.





فالحاصل أنه يقول -عليه السلام-   المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف   عرفنا أن القوة يدخل فيها القوة الحسية قوة البدن, والمعنوية وهي قوة القلب، لكن لا بد أن يجتمعا، فإذا كان المؤمن القوى الذي هو نشيط وسمين وقوي بحيث يحمل الثقيل ويقطع القفار، ولكن إيمانه ضعيف فإنه لا يستفاد منه في نفع المسلمين، فلا ينكر منكرا ولا يأمر بمعروف ولا يغير ما يراه من المحرمات، ولا يتجرأ على الكلام على الكبير ونحوه.

وكذلك قد يكون المؤمن القوي قويا على الاكتساب يكتسب؛ الأموال ويجمعها ويثري وتكثر تجارته وتكثر أمواله، ومع ذلك لا ينتفع بها فلا ينفقها في وجوه الخير، ولا يصل منها أمرا أمر الله تعالى به أن يوصل، بل يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، فمثل هؤلاء لا خير فيهم، ولو كانوا ما كانوا، ولو كانوا مثلًا تجارا، ولو كانوا أقوياء، أمواله .وبذبمه ولو أن أحدهم يجندل الأبطال، ويصرع الرجال، ولكن لما لم يكن فيهم القوة الإيمانية لم ينتفع بهم.
فإذا كان المؤمن قوي القلب وقوي البدن، واستعمل قوته فيما يحبه الله، وفيما يرضي الله تعالى، فإنه يستفاد منه ويكون خيرا للبلاد وخيرا للعباد، ويكون أحب إلى الله من المؤمن الضعيف الذي نفعه قاصر، ولو كان هذا المؤمن الضعيف عنده علم ولكنه قصر على نفسه، ولو كان عنده عبادة، ولو كان يصوم النهار، ويقوم الليل، ولكن لما لم يظهر أثره في عباد الله، لم يكن فيه خير للناس، وورد في الحديث: أفضل الناس أنفعهم للناس يعني الذي ينفع الناس في دينهم، وفي دنياهم؛ هذا حقا هو الذي يكون نفعه عاما يستفاد منه. لا شك أن هذا حقا هو الذي يقيم حدود الله تعالى، وهو الذي يؤثر في البلاد وفي العباد فيفيد ويستفاد منه، بخلاف من اقتصر على نفسه، ولو كان دائما عاكفا في المسجد، ولو كان دائما يقرأ ويذكر الله ويصلي ويصوم، ولكن لا ينفع الناس بشيء فنفعه، ولو كان فيه صلاح، لكن لا يستفاد منه، فالمؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله تعالى.

ثم يقول -صلى الله عليه وسلم-  وفي كل خير  أي في كل من المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي في كل منهم خير؛ وذلك لأن فيهم الإيمان إذا كان الإيمان في قلوبهم فإن الإيمان فيه خير, خير الضعيف لنفسه؛ حيث أنه يعبد الله، ويتقيه ويصلي ويصوم، ويتورع عن المحرمات ويصل الرحم، وينفق على نفسه وينفق على ولده، ويحج ويتصدق إذا قدر، ويصلي ويركع ويسجد، ويذكر الله في كل حالاته، ففيه منفعة وقد تكون هذه الأفعال سببا في اهتداء خلق كثير، وتكون أيضًا سببا في اقتدائهم به، إذا رأوه يتعبد اقتدوا به، وعلموا أنه على خير فيتعبدون كما يتعبد، ففي كل من المؤمن القوى والمؤمن الضعيف فيهم خير، وهو الإيمان والعمل الصالح.


ثم يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-   احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز   الحرص: هو بذل الجهد في تحصيل ما هو نافع, الإنسان إذا حرص على النافع بذل جهده وبذل وسعه, والنافع يصدق على النافع في الدين، والنافع الدنيا فالنافع في الدنيا النفع المباح؛ الذي هو الكسب الحلال؛ يعني أن الإنسان مأمور بأن يبذل الأسباب في طلب الرزق، وأن هذه الأسباب قد جعلها الله تعالى مؤثرة جعل فيها فائدة، وجعل فيها نفعا ولو شاء لم يكن فيها فائدة، فهو سبحانه الذي قدرها وجعلها مفيدة. فالإنسان يبذل الأسباب، ويعتقد أن الله تعالى مسبب الأسباب؛ ولذلك يذكر الله تعالى عباده بأنه هو الذي جعل هذه الأسباب مؤثرة. فالإنسان مثلا إذا كانت رغبته في الحرث اجتهد في أن يحرث الأرض، ويغرس ويزرع حتى يحصل له من نتاج الأرض، ومما يخرج منها رزقه وقوته، وقوت عياله وما يتصدق به وما ينفع به، ولكن يعرف أن الله تعالى هو الذي يوفق لذلك؛ ولذلك قال تعالى:  أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا    فإذا غرس وزرع علم أن هذا من جملة الأسباب التي جعلها الله مفيدة.
وكذلك إذا اشتغل بصنعة, بحرفة من الحرف, إذا اشتغل بحرفة يدوية؛ أيا كانت ولو كانت رذيلة عند الناس، ولو اشتغل بكونه حائكا أو حلاقا أو حجاما أو غسالا أو خياطا أو دباغا أو خرازا أو حداد أو نجارا؛ يعني أية حرفة يعلم أن الله تعالى هو الذي يسرها وهو الذي أقدره وجعله عارفا بذلك؛ أعطاه اليدين ليعمل بهما، وليتكسب وليحترف فيحرص على ما ينفعه من هذه الحرفة، ويعتمد على الله تعالى في أنه يجعلها مفيدة.
وكذلك أيضا إذا تعاطى تجارة يعرف أن الله تعالى هو الذي جعلها مفيدة، وجعلها نافعة ويسر أسبابها؛ فيكون ذلك من الحرص, كذلك أيضا إذا اختار أن يربي ماشية فإن ذلك أيضا مما ينفع؛ فالحاصل أن قوله -صلى الله عليه وسلم- احرص على ما ينفعك يعني على ما ينفعك في الدنيا من المكاسب المباحة التي إذا تعاطيتها حصل من ورائها كسب حلال ورزق مباح؛ هذا من جملة ما ينفع.
كذلك أيضا يدخل في ذلك ما ينفعه أيضا في عاقبة أمره؛ وذلك بأن يعرف أنه إذا رزقه الله تعالى، فإن من جملة ما ينفعه أن يقدم لآخرته مما أعطاه الله من هذا الكسب، ومن هذا المال، أن يقدم لآخرته أن يتصدق، وأن ينفق في وجوه الخير؛ فذلك مما ينفعه احرص على ما ينفعك .
كذلك أيضا، لا شك أن مما ينفعك الأعمال الصالحة؛ يعني الأعمال البدنية والأعمال القولية والمالية احرص عليها؛ فاحرص على العبادة احرص على أداء الواجبات، واحرص على ترك المحرمات، واحرص على أداء حقوق الله عليك؛ فتؤدي الصلوات كما أمرت، وتصوم كما أمرت، وتتصدق وتحج وتنفع نفسك، وتقدم لآخرتك عملا ينفعك وتستفيد منه، هذا كله مما أقدرك الله تعالى عليه، فإذا حرصت عليه كان في ذلك فائدة وخير كبير.
كذلك أيضا احرص على ما ينفعك من تحصيل الفوائد العلمية، احرص على تعلم العلم النافع، احرص على تعلم ما ينفعك في آخرتك؛ تعلم كتاب الله ومعانيه وتعلم السنة النبوية وتعلم الكيفية التي إذا سلكتها نجحت في دنياك، ونجحت في آخرتك، ووجدت عملا صالحا مبرورا ييسره الله تعالى لك ويثيبك عليه؛ لا شك أن هذا كله من جملة ما أمر الله تعالى به ومما يحبه؛ فكل ذلك داخل في قوله: احرص على ما ينفعك

ثم الإنسان لا يستبد بنفسه ولا يعتمد على قوته، بل يستعين بالله؛ ولذلك قال الله تعالى:   إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ    لما أمرنا بأن نعبده أمرنا أن نستعينه؛ أي نستعينك على عبادتك ونستعينك على كل ما نحتاج إليه؛ فلذلك قال في هذا الحديث   احرص على ما ينفعك واستعن بالله    وذلك لأن الإنسان خلق ضعيفا، يقول تعالى:   وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا   فلا قوة له إلا بإمداد من الله, لا قوة له إلا أن يمده الله تعالى بقوته، وأن يعطيه ما يستعينه به, لا قوة له إلا إذا أعانه الله على أمور دينه، وعلى أمور دنياه.
فأنت تقول بلسان الحال: إنني ضعيف إلا أن يعينني الله، إن الله تعالى هو الذي يوفقني، وهو الذي يساعدني، وهو الذي يمدني، وهو الذي يقويني على ما أعمله من أعمال دينية أو دنيوية، وتقول أيضا بلسان المقال:، يا رب أعني على أمور ديني حتى أتعفف، وحتى أكتسب مالا حلالا، يا رب أعني على ما أقوم به من هذه الحرف، أعني على كسب حلال، أعني على تجارة أتجر بها، وأكتسب كسبا حلالا، أعني على هذا الحرث، أعني على تربية هذه الماشية، أعني على هذه الحرفة وهذه الصنعة حتى تنتج وتكون لها ثمرة، وأستغني بها وأتعفف بها عن الحاجة إلى أحد من المخلوقين، فإذا استعان بالله تعالى فإن الله تعالى يعينه، قال تعالى: وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وذلك أن بعض الناس يستبد برأيه، ويدعي أنه لا حاجة به إلى ربه؛ يستغني عن الله ويستغني عن إعانته، ويقول: هذا بحولي وهذا بقوتي، وما علم أنه ضعيف، وأنه لا حول له ولا قوة، وأن الحول حول الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لأحد من حال إلى حال، ولا قوة ولا قدرة له إلا بالله تعالى، فعليه أن يستعين بالله في كل حالاته.
فالذين يستبدون بآرائهم، ويدعون أنهم أهل ذكاء وأهل فطنة، وأهل معرفة وخبرة وتجربة في الأمور، وأنهم لا يحتاجون إلى أن يعينهم الله، فيقولون: قد نجحنا في صنعتنا؛ تعاطينا هذه التجارة فنجحنا، وأثرينا وكثرت أموالنا، ونسوا أن الله تعالى هو الذي يسر لهم ذلك، ولو سلط عليهم لتلفت أموالهم، أو يقولون: نجحنا في تربية هذه المواشي حتى أثرينا، وكثرت أموالنا أو يقولون: نجحنا أيضا في غرسنا، وفي أشجارنا وفي زروعنا وأثمرت ثمرا كثيرا كأنهم مستغنون عن الله، وعن إعانة الله تعالى.
المشاهد أن مثل هؤلاء إذا لم يفتقروا إلى ربهم، ولم يظهروا الحاجة إليه أنه يسلبهم ما أعطاهم أحوج ما كانوا إليه، فإن كل ما في يد العبد فإنه ملك الله، وعطاؤه ومنه فهو الذي ييسر للعباد ما أعطاهم وما خولهم، وإذا شاء سلبهم ما أعطاهم، فكم من إنسان أمسى وهو غني فأصبح فقيرا. أصبح وهو غني ثري فأمسى وهو فقير، سلط الله عليه ما أتلف عليه تجارته وماله, إذن فلا بد أن الإنسان يستعين بالله، يطلب من ربه الإعانة، فإنه إذا وكله إلى حوله وإلى طوله وكله إلى ضعف، فلا غنى لأحد عن ربه سبحانه وتعالى طرفة عين. يقول: يا رب أصلح لي شأني كله. لا إله إلا أنت لا غنى عن إعانتك، أصلح لي شأني وأصلح لي أموري، وهيئ لي من أمري رشدا، ولا تكلني إلى نفسي ولا تكلني إلى معرفتي، ولا إلى قوتي، فإذا استعان بالله تعالى أعانه يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله .


فهكذا يقول:   احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز   العجز يراد به الكسل والتثاقل في الأمور؛ يعني إظهار الخمول وإظهار التعاجز وإظهار الكسل؛ فإن هذا من أسباب الحرمان سواء كان ذلك العجز عجزًا حسيا أو عجزا معنويا. فالعجز الحسي هو أن يعطيه الله تعالى نشاطا وقوة ومناعة وجسما قويا، ولكن لا يكون معه همة في الاكتساب ولا في استعمال هذه القوة، فلا يتكسب ولا يحترف ولا يحرث ولا يغرس ولا يتجر ولا يتعاطى صنعة، بل وكذلك أيضا يحمله هذا العجز على أن يتعاجز حتى عن الطاعة، فلا يصوم ولا يصلي ولا يتهجد في الليل ولا يقرأ ولا يذكر، كل ذلك من باب الكسل ومن باب التثاقل، ثم هذا لا شك أنه من الحرمان المحروم هو الذي يحرمه الله تعالى من قوته. كذلك أيضا يدخل في العجز العجز المعنوي، وهو التعاجز عن إظهار الحق، وإظهار دين الله وعن الغيرة على حرمات الله، العجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، العجز عن الدعوة إلى الله، إذا أمر بأن يأمر وأن ينهى أظهر العجز، وقال: إنه ليس معي قدرة، وليس معي قوة وليس معي شجاعة على أن أتكلم، ولا على أن أفصح بكذا وكذا، لا شك أن هذا كله من الحرمان. فالحاصل أن هذا الحديث فيه الحث على القوة المعنوية؛ التي هي الغيرة على حدود الله تعالى وعلى حرماته.


http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=7&book=85&toc=5885
منقول:
3‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة LOTFI..
4 من 11
شرح حديث


لمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف
وفي كل خير










عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف وفي كل خير . أحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز .
وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر
الله ، ما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) . رواه مسلم(60)
.




الشرح


قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي
هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (المؤمن
القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) .



المؤمن القوي


: يعني في إيمانه ، وليس المراد القوي في بدنه ؛
لأن قوة البدن قد تكون ضرراً على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في
معصية الله ، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها ، إن كان
الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفعه في الدنيا والآخرة صارت
محمودة وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة .



لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم :
( المؤمن القوي )، تعني قوة
الإيمان ، لأن كلمة القوى تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان ، كما
تقول : الرجل القوي ، أي في رجولته ، كذلك المؤمن القوي يعني في
إيمانه ؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم
بما أوجب الله عليه ، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله ،
والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفاً لا يحمله على فعل الواجبات ،
وترك المحرمات فيقصر كثيراً .


وقوله : (خير )
يعني خير من المؤمن الضعيف ، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، ثم
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : ( وفي
كل خير ) يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه
خير ، وإنما قال : (وفي كل خير ) لئلا يتوهم أحد من الناس
أن المؤمن الضعيف لا خير فيه ، بل المؤمن الضعيف فيه خير ، فهو خير
من الكافر لا شك .


وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز ، وهو أن
يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده ، فيأتي بجملة تبين أنه
يقصد المعنى المعين ، ومثال ذلك في القرآن قوله تبارك وتعالى : (
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا
مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )
(الحديد:10) ، لما كان قوله : (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ
الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) يوهم أن الآخرين
ليس لهم حظ من هذا ، قال : (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )
.


ومن ذلك قوله تعالى : ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)


فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) (الأنبياء:79) ، لما
كان هذا يوهم أن داود عنده نقص ، قال تعالى : ( وَكُلّاً آتَيْنَا
حُكْماً وَعِلْماً ) .


ومن ذلك قوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ
اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)
(النساء:95)


، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (
وفي كل خير ) أي المؤمن القوي
والمؤمن الضعيف ، لكن القوي خير وأحب إلى الله .


ثم قال عليه الصلاة والسلام :
( احرص على ما ينفعك ) هذه
وصية من الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته ، وهي وصية جامعة مانعة
( احرص على ما ينفعك ) يعني
أجتهد في تحصيله ومباشرته ، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر ، وما لا
ينفع فيه ولا ضرر ، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم
ينفع الإنسان ، وقسم يضره ، وقسم لا ينفع ولا يضر .


فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية صلى الله عليه وسلم
هو الذي يحرص على ما ينفعه ، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم
في غير فائدة ، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم ، وعلى هذا فيجدر
بنا أن نقول لمثل هؤلاء : إنكم لم تعملوا بوصية النبي صلى الله
عليه وسلم ؛ إما جهلاً منكم وإما تهاوناً ، لكن المؤمن العاقل
الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة ، ويحرص على ما ينفعه في دينه
ودنياه .


وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراساً له
في عمله الديني والدنيوي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (
احرص على ما ينفعك ) وهذه
الكلمة كلمة جامعة عامة ، ( على ما
ينفعك ) أي على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا ،
فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين ؛ لأن
الدين إذا صلح صلحت الدنيا ، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين
فإنها تفسد .


وفي قوله : ( احرص على
ما ينفعك ) إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من
الأخرى ، فإننا نقدم المنفعة العليا ؛ لأن المنفعة العليا فيها
المنفعة التي دونها وزيادة ، فتدخل في قوله (
احرص على ما ينفعك ) .


فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة ،
وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعاً ،فهنا تقدم صلة الأخ لأنها
أفضل وأنفع ، وكذلك أيضاً لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء
لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل ،
فقوله ( على ما ينفعك ) يشير
إلى أنه اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى
.


وبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهياً عنه
من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف ، فالمناهي
يقدم الأخف منها ، والأوامر يقدم الأعلى منها .


وقوله عليه الصلاة والسلام : (
واستعن بالله ) : ما أروع هذه
الكلمة بعد قوله ( احرص على ما ينفعك
) لأن الإنسان إذا كان عاقلاً ذكياً فإنه يتتبع المنافع ويأخذ
بالأنفع ويجتهد ، ويحرص ، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه
وينسى الاستعانة بالله ، وهذا يقع لكثير من الناس ، حيث يعجب بنفسه
ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به ، فإذا رأى من نفسه قوة على
الأعمال وحرصاً على النافع وفعلاً له ، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة
بالله ، ولهذا قال : ( أحرص على ما
ينفعك واستعن بالله ) أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على
الشيء اليسير ، وفي الحديث : (ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله
الملح ، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع )(61) يعني
حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله عز وجل ، حتى ولو أردت أن
تتوضأ أو تصلى أو تذهب يميناً أو شمالاً أو تضع شيئاً فاستحضر أنك
مستعين بالله عز وجل ، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء .



ثم قال : ( ولا تعجز
) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر ، وتقول : إن المدى طويل
والشغل كثير ، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك
واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز .


وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم
عليه فيها الإنسان ؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى ، منها
مثلاً طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له ،
ثم بعد أسبوع أو شهر يمل ، وينتقل إلى كتاب آخر ، هذا نقول عنه :
إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز ، كيف عجز ؟ بكونه
لم يستمر ، لأن معنى قوله : ( لا تعجز ) أي لا تترك العمل ؛ بل ما
دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه ، ولذا تجد هذا الرجل يمضي
عليه الوقت ولم يحصل شيئاً ؛ لأنه أحياناً يقرأ في هذا ، وأحياناً
في هذا .


حتى في المسألة الجزئية ؛ تجد بعض طلبة العلم مثلاً
يريد أن يرجع مسألة من المسائل في كتاب ، ثم يتصفح الكتاب ، يبحث
عن هذه المسألة ، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها
، ثم مسألة ثانية ، فيقف عندها ، ثم ثالثة ، فيقف ، ثم يضيع الأصل
الذي فتح الكتاب من أجله ، فيضيع عليه الوقت ، وهذا ما يقع كثيراً
في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ تجد الإنسان
يطالعها ليأخذ مسألة ، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا ، وهذا ليس
بصحيح ؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله .



كذلك أيضاً في تراجم الصحابة ، في الإصابة ـ مثلاً
ـ لابن حجر ـ رحمه الله ـ حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من
الصحابة ، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته ، فتعرض له
ترجمة صحابي آخر ، فيقف عندها ويقرؤها ، ثم يفتح الكتاب ، يجد
صحابياً آخر ، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من
أجلها فتح الكتاب ، وهذا فيه ضياع للوقت .


ولهذا كان من هدي الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ
أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله ، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك
الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال له : أريد أن تأتي لتصلي في بيتي
؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي ، فخرج النبي ـ عليه
الصلاة والسلام ـ ومعه نفر من أصحابه ، فلما وصلوا ، إلي بيت عتبان
واستأذنوا ودخلوا ، وإذا عتبان قد صنع لهم طعاماً ، ولكن الرسول ـ
عليه الصلاة والسلام ـ لم يبدأ بالطعام ، بل قال : ( أين المكان
الذي تريد أن نصلي فيه ؟ ) فأراه إياه ، فصلى ، ثم جلس للطعام(62)
، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم ، وبالذي تحرك من أجله ؛
من أجل ألا يضيع عمله سدى .


فقول الرسول صلى الله عليه وسلم (
لا تعجز ) أي لا تكسل وتتأخر
في العمل إذا شرعت فيه ، بل استمر ؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل
آخر ، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت ، ما تم لك عمل .


ثم قال ـ عليه الصلاة والسلام : (
فإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت
لكان كذا وكذا ) ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد ، وتستعين
بالله ، وتستمر ، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد ، فلا تقل : لو
أني فعلت لكان كذا لأن هذا أمر فوق إرادتك ، أنت فعلت الذي تؤمر به
، ولكن الله ـ عز وجل ـ غالب على أمره ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)،
ونضرب مثالاً لذلك : إذا سافر رجل يريد العمرة ، ولكنه في أثناء
الطريق تعطلت السيارة ، ثم رجع فقال : لو أني أخذت السيارة والأخرى
لكان أحسن ، ولما حصل على التعطل ، نقول : لا تقل هكذا ؛ لأنك أنت
بذلت الجهد ، ولو كان الله ـ عز وجل ـ أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك
الأمر ، ولكن الله لم يرد ذلك .


فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله ، وأخلفت
الأمور ؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله ؛ لأنه فعل ما يقدر عليه ،
ولهذا قال : ( إن أصابك شيء )
يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله ـ عز وجل ـ (
فلا تقل لو أني
فعلت لكان كذا كَذا ) .


وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء ؛ فقد بين لنا
الحكمة من ذلك ، حيث قال : ( فإن لو
تفتح عمل الشيطان ) أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم
والهموم ، حتى تقول : لو أني فعلت لكان كذا . فلا تقل هكذا ،
والأمر انتهى ، ولا يمكن أن يتغير عما وقع ، وهذا أمر مكتوب في
اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ،
وسيكون على هذا الوضع مهما عملت .


ولهذا قال ( ولكن قل :
قدر الله ) أي هذا قدر الله ، أي تقدير الله وقضاؤه ، وما
شاء الله ـ عز وجل ـ فعله ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)
(هود:107) ، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء ، ما شاء فعل ـ
عز وجل .


ولكن يجب أن نعلم أنه سبحانه وتعالى ـ لا يفعل
شيئاً إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا ، والدليل على هذا قوله
تعالى : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الإنسان:30) ،فبين أن مشيئته
مقرونة بالحكمة والعلم ، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه ، فصار في
العاقبة خيراً له ، كما قال تعالى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (البقرة:216) ، ولقد جرت حوادث
كثيرة تدل على هذه الآية ، من ذلك : قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من
الرياض متجهة إلى جدة ، وفيها ركاب كثيرون ، يزيدون عن ثلاثمائة
راكب ، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة
الانتظار ، فغلبته عيناه حتى نام ، وأعلن عن إقلاع الطائرة ، وذهب
الركاب وركبوا ، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب ، فندم
ندامة شديدة ؛ كيف فاتته الطائرة ؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق
الطائرة وركابها . فسبحان الله ! كيف نجا هذا الرجل ؟ كره أنه
فاتته الطائرة ، ولكن كان ذلك خيراً له .


فأنت إذا بذلت الجهد ، واستعنت بالله ، وصار الأمر
على خلاف ما تريد ، لا تندم ، ولا تقل : لو أني فعلت لكان كذا ،
إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك
الصفو ، فقد انتهى الأمر وراح ، وعليك أن تسلم الأمر للجبار ـ عز
وجل ـ قل : قدر الله وما شاء فعل .


ووالله ، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا
كثيراً ، لكن تجد الإنسان منا ؛ أولاً : لا يحرص على ما ينفعه ، بل
تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة ، تضع عليه سدي . ثانياً إذا
قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه ، ثم فات الأمر ، ولم يكن على ما توقع
، تجده يندم ، ويقول : ليتني ما فعلت كذا ، ولو أني فعلت كذا لكان
كذا ، وهذا ليس بصحيح ، فأنت أدّ ما عليك ، ثم بعد هذا فوض الأمر
لله ـ عز وجل .


فإذا قال قائل
: كيف احتج بالقدر ؟ كيف أقول : قدر الله وما شاء فعل ؟



والجواب أن نقول
: نعم ؛ هذا احتجاج بالقدر ، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس
به ، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( اتَّبِعْ مَا
أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا )
(الأنعام:106،107) ، فبين له أن شركهم بمشيئته ، والاحتجاج بالقدر
على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز ، لأن الله قال : (
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ
كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا )
(الأنعام:148) ، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به ، فإن
النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب
وفاطمة بنت محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فوجدهما نائمين ، فقال
لهما : ( ما منعكما أن تقوما ؟ ) يعني تقوما تتهجدان ، فقال علي :
يا رسول الله ، إن أنفسنا بيد الله ؛ لو شاء أن نقوم لقمنا ، فخرج
النبي عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذيه ، ويقول : ( وَكَانَ
الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً )(63) (الكهف:54)
.


هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله ؛ لأن
النائم ليس عليه حرج ، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ ، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاثة )(64)
ولا يبعد أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد أن يختبر على بن
أبي طالب : ماذا يقول في الجواب ؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن .
فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره ؛ هل
النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله ؟... لا إذن هو حجة.


فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر
على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه ، نقول مثلاً : يا فلان ، صل مع
الجماعة ، فيقول : والله لو هداني الله لصليت ، فهذا ليس بصحيح .
يقال لآخر : اقلع عن حلق اللحية ، يقول : لو هداني الله لأقلعت ،
واقلع عن الدخان ، يقول لو هداني الله لأقلعت ، فهذا ليس بصحيح ؛
لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة .


لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله ، وأناب
إلى الله وندم وقال : إن هذا الشيء مقدر على ، ولكن أستغفر الله
وأتوب إليه ؛ نقول هذا صحيح ، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع
.




الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله
4‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ريح الخزامى‘.
5 من 11
اعتقد لانزيد على ما جاء فى الحديث  واخيرا كما جاء وفى كل خير
4‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بالبيد (ahmad mohmad).
6 من 11
معاه ا المؤمن القوى فى الايمان احب الى الله من المؤمن الضعيف فى الايمان ولكن في كل المؤمنون خير
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة eslam lawer.
7 من 11
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم اما بعد اخي العزيز هذا هو المعنى المؤمن القوى فى إيمانه بالله ورسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام   خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف فى إيمانه بالله ورسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة احمد احمد احمد.
8 من 11
http://forums.way2allah.com/showthread.php?t=13564
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ياسر صافي (بهاء الدين شامي).
9 من 11
ان الدين الاسلامي يريد من المسلمين افرادا وامة ان يكونوا اقوياء يصبرون على الاذى ويتحملون المشاق في سبيل الله واحقاق الحق وصيانة حمى الاسلام وديار المسلمين وارواحهم واغراضهم بعزائم قوية وايمان ثابت لا تزعزعه الاحداث والنكبات وان يكونو شجعانا يخوضون غمار الحرب اذا اقتضى الامر بلا خوف وتردد ويستعذبون الموت في سبيل الله وحماية دينه وحفظ كرامتهم ويرفضون حياة الذل والمهانة ويطلب منهم ان يوفروا لانفسهم اسباب القوة وعدتها .وان الاشخاص الذين يمتلكون هذه الصفات هم المفضلين عند الله ولكن رغم هذا لا يعني ان المؤمن الضعيف لا خير فيه ابدا فأن فيه خيرا كثيرا ايضا لأنه يملك الايمان والذي هو اصل كل خير ان هذا ما جاء في الحديث.
6‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة Noor Oday.
10 من 11
من الطبيعي ان تكون القوة سلاح لفرض الراي والافكار وهي وسيله ممتازه للسيطره والحكم
فالمؤمن القوي بقوته وبايمانه سيجعل من الاسلام امرا بالغ الاهميه في حياته وفي حياة الاخرين
وسيفرض على الاخرين رايه دون الشعور بالخوف او المضايقه ومواجهة الصعوبات التي تحول دون ذلك.......
16‏/2‏/2010 تم النشر بواسطة ahmad alkaleez.
11 من 11
أعتقد أن المقصود هنا القوة المادية قبل الروحية
فالعلماء فسروها بأنها القوة الروحية، وبعضهم قال بأنها الاثنين معا
ولكن الإيمان الروحي شيء منتهي منه لا يحتاج إلى تبيان من الرسول الكريم
أما القوة المادية تحتاج إلى تبيان وتأكيد بأنها أفضل عند الله من الضعف.
25‏/12‏/2012 تم النشر بواسطة HanyMoh.
قد يهمك أيضًا
اهلا
من هو الشخص الذي ظلمك أو سلب منك حق مطلوب ؟
حيـــاة المؤمـــن دائمـــا پيــن أمريـــن
هل المؤمن...
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة