الرئيسية > السؤال
السؤال
"مفتاح العماري"
المواقع والبرامج 6‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة الشنفرى.
الإجابات
1 من 22
مفتاح العماري شاعر ليبي من جيل الشعراء الشباب المجددين في القصيدة الحديثة، وهو واحد من بين أهم شعراء هذا الجيل الذي نشط في نهاية السبعينات والثمانينات. والعماري الذي ولد في بنغازي عام 1956 شاعر عصامي لم يكمل تعليمه، حيث بدأ الحياة العملية بدخوله للجيش في سن مبكرة، وأصبح مسئولا عن أسرة كبيرة خاصة بعد أن فقد والده وهو فتى في الثالثة عشرة من عمره. وقد ثقف هذا الشاعر نفسه بنفسه معتمدا على قراءات إنتقائية رصينة ومختارة بعناية. أصدر حتى الآن أكثر من ست مجموعات شعرية: قيامة الرمل، رجل بأسره يمشي وحيدا، كتاب المقامات، منازل الريح والأوتاد والشوارد، ديك الجن الطرابلسي، رحلة الشنفري، جنازة باذخة، سيرة العطب، ومسرحيات مثل "السور"، "برج العقرب" والمهمة" وهي مأخوذة عن رواية للألباني إسماعيل كاداريه. وله كذلك كتاب في النقد بعنوان "فعل القراءة والتأويل" ورواية لم تنشر بعد بعنوان "عام الرمادة". وهو يعمل الآن مستشارا ثقافيا في مجلة المؤتمر، ويكتب في صحيفة الجماهيرية، كما يشرف على الملف الثقافي لمجلة السؤال. في هذا اللقاء المثير نحاول أن نستدرج العماري نحو الاجابة على أسئلة ثقافية نعتقد بأنها مهمة في المشهد الثقافي الليبي..

المزيد هنا
http://www.almshhad.ly/modules/publisher/item.php?itemid=86‏
6‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة qatr (Mahmoud Qatr).
2 من 22
يا الله تهب روعة الحرف لمن تشاء وتحرم من تشاء، إذ ينسج عناقيد الحب لتطوق القلوب وتأسرها، تجعلها تلغى المسافات وتضيء الظلمات، وترتق ببهجتها ندوب الألم في نفوس ركنت له، الحرف الذي يتحول إلى قشة تتلقفها أحلامنا المنهزمة، حين تجتاحها سيول المستحيل وتدحرجها منكفئة على ظهرها،  فلا تكتفي بالارتكان إلى صخورها اللزجة ولكن تقاوم.

تقاوم لكي تعيش وتقاوم لكي يعيش الحب بنا، وشعلة الحرف يوقدها الشعراء، يرسمون بحبر قلوبهم عوالمنا الآسرة، ويوقدون في برد أيامنا ( كوانين) الدفء، يتسرب، ويشتعل فى عيوننا فتزهر الحياة. خاصة إن كان فيها أصدقاء، أصدقاء كالذين سافرت سحابات شعرهم ملامسة نجوم ايطاليا وسقت بندى الفضة أزهار جنائنها، ورقص شذاها مغازلا حرير ستائرك، يا شاعرا تفتقدك طرقات تعودت على همس خطواتك المتمهلة، وعذراوات تعلمن الحب في مدرسة حرفك ونساء تحملن ضيم الرجال على أمل أن يكون في قلوبهم بعض ما في قلبك، وان لم يفصحوا.

يا صديق حرفي، كن كما نريد لا كما تريد، هنا نحتاج إلى قوافيك سندا لوهن قلوبنا، ونغما يرتق نشاز البشاعة في أسماعنا، يا صديقهم، يا صديقها، الرابضة على مشارف مستقبل لم تهتد إلى عوالمه إلا بنزيف حروفهم وحرقة أسئلتهم و قصائد عشقهم، فكن معهم، زدهم من شلالات القوافي واسقهم، العطشى للقياك، وكن قريبا منهم، تشتاق إليك حكاياتهم ونكاتهم وضحكاتهم إذ يضيق الواقع بأحلامهم فيركلوه بنكته، و إذ يداهم الشيب مفارقهم فيهزؤون به بقلوب شبت وما شابت، الذين يبذرون الحب منابع ويسقون ما تغضن من كل شيء، وأعطهم، فما يبقى لنا إلا ما منحناه، ومازال في جعابك لهم الكثير، فاصعد، فثمة سماء وثمة ضوء نهار ومزيد من الق الحرف وبهجة الإلهام.

حكاية من هذه السادرة في نهبها*
القوافي دوائر ياقوت
وهي الجسد ... فكيف أزيح الغبار
وأرفو اليقين شقيق الكذب
وصخبك يحجب الشمس
أيها المتنبي
كأنك الأبد
وما تبقى زبد

" لأتمش بأسرك وحيدا " بعد اليوم وقد عرفت أنهم ملح حياتك، يزاحمون وحدتك وينسجون شباك مودتهم حولك، ها انك تعترف بأنهم يقاسمونك ـ عن بعد ـ قهوة الصباح، ومرارة الدواء في حلقك، يرتبون ملاءات سريك ويزيحون الستائر لتغمر الشمس أركان غربتك، أحسدك، وقل ماتشاء، أحسدك ألما تضاءل إذ تقاسمه الأصدقاء،وأحسدك حبا ومكانة لا يصنعها هكذا إلا رائع مثلك، يامفتاح.

الجنود الحالمون بالنصر يمتشقون أقلامهم في انتظار إشارتك، فكن لها حبرا وكن لهم خوذة، وشمس ورغيف، وأثث مخزن القصائد بدرر الكلام، فهنا يشتاقك المجانين الذين عودتهم زياراتك محملا بخبايا عشقهم غير المألوف، وادخل بهم الحانات الدفيئة، ومنازل الريح، ودق أوتادك وأقم خيام بهجتهم بعودتك على جناح القصيدة " يا ديك الجن" العنيد وارو لهم:



حكاية من هذه التائهة موشومة بالأجراس
تخسر السفر والمواعيد
والقمر الوحيد يؤبّدُ النظر
بقبضة مفتوحة على غدر الأمهات
واثقاً أن البلاغة غربال الريح

**

إذن سأنتظر القطار الكهل
وهو يطحن بصفيره زجاج ألعابنا
والكائنات البريئة تهتف عبر نوافذ
راكضة ترشق المسارب بالأحلام.

سلام الآن و "لا تغب عنا طويلا"
_______________
* المقطع من قصيدة " جنازة باذخة" للشاعر مفتاح العماري
6‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة زمرده الجمال.
3 من 22
الشاعر مصاغاً في سيرة

بقلم محي الدين المحجوب

استنارة تقارب هذه الإضاءة، الفضاء الشعري الذي تتموقع داخله التجربة الشعرية للشاعر: مفتاح العماري. بداية تنبّه الشاعر إلى أهمية الانفتاح على هموم شعرية كبرى تعتمل وهي "تتكلّم مجازاً" (أدونيس) بأسئلتها الجريئة التي تتوهج كحقيقة تسم الشعرية الجديدة بالكشف.
"على قلق كأن الربح تحتي
أسيرها يميناً أو شمالاً"
المتنبي

استنارة:
تقارب هذه الإضاءة، الفضاء الشعري الذي تتموقع داخله التجربة الشعرية للشاعر: مفتاح العماري. بداية تنبّه الشاعر إلى أهمية الانفتاح على هموم شعرية كبرى تعتمل وهي "تتكلّم مجازاً" (أدونيس) بأسئلتها الجريئة التي تتوهج كحقيقة تسم الشعرية الجديدة بالكشف.
منذ منجزه الشعري الأول: (قيامة الرملّ)، وحتى مجموعته الموسومة بـ(مشية الآسر)*، ثمة مسافة تصل بالممارسة الشعرية إلى احتمالات معرفية عميقة تفصح عن خطاب شعري يتيح بأدواته المتخيلة إلى تفجيرات جديدة إن على مستوى المخيال (الصورة) أو اللغة (المجاز)... (مجال المفردة مكثفا في مجال المرئي).
سوف يشتغل حيز هذه القراءة على المجموعة الشعرية: (مشية الآسر) متلمسة تأويلها للبناء الدلالي التي أتاحته هذه المجموعة.
* العنوان/ العتبة:
(العتبة هنا لا تفضي إلى مكان بعينه، هي تبتعد إلى الأقاصي) تحيلنا منذ الوهلة الأولى تسمية الديوان إلى مسمى آخر هو (رجل بأسره يمشي وحيداً) حيث يبين لنا هذا التعالق بين العنوانين، كاشفا عن "مشية" تصاعدية نحو ممارسة فاعلة تصوغ متخيلها داخل جغرافية السفر "المشي" في الزمان وفي المكان، إذ من دلالات (المشي) الحركة والتنقل. وقد تقترن هذه الدلالة بأخرى تشاطرها المعنى هي "المشيئة" فضلا عن ذلك فإن كلمة (الآسر) تنسجم نوعا ما من حيث الملفوظ مع "أسره" و"الاسراء". من زاوية أخرى، ينتسب العنوان إلى ممارسة صوفية تتحقق في التحول الذي تنهض داخله تجليات هذا الشاعر، وما يمتلكه من تأملات، مثلما تتحقق "مشية الآسر" في الزمان والمكان، فهي تبرز في أقانيم مختلفة لعل أهمها جسد المرأة، إنها كتابتين: الجسد والعذاب، حيث الوجع يشغل مساحة كبيرة في الخطاب الشعري عند الشاعر: مفتاح العمّاري.
من هنا، فإن عنوان المجموعة ينفتح على تأويل متعدّد المستويات بتعدّد القراءات، يتعالق مع ما امتحاه الشاعر من نصوص. إذ نلحظ تسلل المعنى الدلالي للعنوان إلى الفضاء النصِّي، وهذا ما يؤكد اندغام هذه النصوص في نسيج الكتابة الشعرية (النص: النسيج – رولان بارت)، ومن ثم اندماغها عميقا وهي تعبر (برزخ الخيال – ابن عربي). والشاعر: مفتاح العمّاري يتجاوز عتبات القول الشعري إلى حقول (مالا ينقال/ ومالا ينكتب- النّفّري) مشيداً كونه الشعري بتقنية ينفرد بها داخل منجز يصوغ تجرّحاته في أمكنة جمالية (لا تتأمكن) تتأسس ضمن متن التجاوز.
* الشعراء/ أو قبيلة النبوات:
منذ النص الأول "أنا الذي قال المتنبي" لا يستنطق العماري لسان المتنبي أو يلبس تجلياته كما الحلاج يمحق ذاته في جبّة الغياب والحلول. أو أدونيس الذي يقرأ جديداً في سيرة (المتنبي) كما تجلت في نص (الكتاب). فمنذ البدء تتأسس بذاخة هذه المشية عبر ممارسة تتغيا سيرة التفرد حيث يبتدي لنا القول الذي اجترحه "المتنبي" ضمنيا في بيته الشهير "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي من به صمم"، هذه العلاقة دلالة هذا النص.
غير أن لعب الشاعر العماري على العنوان يضعنا أمام احتمالين: الأول بروز الذات الشاعرة (الناص) الحاضرة مع الذات المستدعاة (المتنبي). أي أننا أمام قولين، قول يلاقح قولا، إنها العلاقة القاسية تشغل حيزها شبكة معقدة من العلاقات، يتضح ذلك بغزارة في الديوان متماثلاً في (قبيلة من الشعراء).
أستطيع أمام قوله "أنا الذي" أن استدعى تراثا كانت هذه المفردة اللبنة الأساس فيه. أن أدمر الدلالة الجاهزة التي تشدّ القصيدة إلى حيّز ضيّق، والانحراف بالدلالة الجديدة إلى مسارات من صنعها هي. عليّ فقط الاقتراب لتأملها.
"أنا الذي" جسر المجاز بين "المتنبي" الشاعر المنيف، وبين شعراء المتصوفة الذين خرقوا الحجاب فكانت "أناهم" مجازا إلى (كشف المحجوب/المطلق)، وبين الشنفري المتفرّد بصعلكته لكأنها عواء ذئب ينمو في الأفق. ولأنها (جسر) فهي تضعنا أمام تشعبات كثيرة بعضها أفصح عنه النص أو/ الشاعر. بعضها الآخر يلوذ بكتمانه. إنها تشعبات روح في حاجة إلى أن تكون (كثيرة)، في حاجة إلى تناسل داخل فضاء الممارسة التأويلية:

"أنا الذي
فارقت رهطي
وزوّجت ابنة النّار
من ذكر الريح
ومع كل جناح خاطف
جزّأت نفسي
وصنعت هذي الخرافة"

تبرز في التراث الخمري "ابنة النار" اسماً من أسماء الخمرة. (كأنها النّار وسط الكأس تتقد –أبونواس). ولعل من دلالات "ذكر الريح" السّحاب، مستحلب الماء ورمزه. والشاعر وهو يمنح "الريح" صفة ذكورية، إنما يتماثل مع توصيف التعبير الشعبي الليبي للّقاح بـ"سيدي علي الريح".
ولعلي أبالغ بتحميل النص مالا يحتمل، غير أن محاولة تلمس معنى ما تذهب بنا هذا المذهب.
ليس "المتنبي" وحده الحاضر هنا، ثمة قبيلة من الشعراء الأفذاذ، فجملة "جزّأت نفسي" يتخفى داخلها "عروة بن الورد" وهي تتعالق مع البيت: "أقسِّم جسمي في جسوم كثيرة"، لذا يقتعد "الشنفري" جانبا "أميطوا بني أمي صدور مطيّكم"، وكذا "ديك الجن الحمصي"، وللشاعر وقفة جليلة مع هذين الشاعرين عبر ديوانية "ديك الجن الطرابلسي" و"رحلة الشنفري".
على مساحة هذا النص ثمة امتداد مفجع وصارخ لتشكّلات سيرة الألم والتعب، سيرته، حيث موضوع نصوصه هنا ذاتي محض (الشاعر نفسه)، وهي خصيصة حداثوية، إنه يكتب جسده متتبعا لحظات نموّه الخارقة، بله يرصد عذابات الروح. إذ القصائد لديه هي تنويعة على قصيدة لم تنجز رغم تبلل المخيال الشعري بنثيثها، لكأنها النسغ يجري في أغصان متفرعة عديدة.

* النظر من الداخل:
في "حكمة الأعمى" يتشذّر القول الشعري بين بنيتين: حكمة مبصرة وحكمة صائتة، مستفيدا من البناء العنواني "الحكمة"، يتوجه العنوان إلى دلالتين، دلالة القول النادر، ودلالة العمى/ أو اللامرئي. لكأن "أبوالعلاء المعري" يشغل فضاء هذه الشذرات على تنوّع فضاءاتها واختلافها.
أربع نقلات في النص "قول الغيمة"، "قول شاعر مغرور" (غاض بصره عن المتنبي)، "قول الأعمى"، "قول المتسول".. فأين يقيم الأعمى بحكمته؟!
هنا يتجلى السؤال في إتساع وضيق، وهنا يجلدنا السؤال بدمه:

"وحيدة
أسقط من شرفة الماء
يدثرني صوتي
قالت غيمة"

لكي نفهم مقالة الغيمة ينبغي معرفة "الصوت الذي يدثرها" وهي تتنزّل في رحلتها، هذا التّنزّل (الغيموي) مغادرة للشرف والرفعة. تلك المغادرة التي يكشفها لنا فعل "أسقط". مستقبل الغيمة هنا يتساءل: هل تضل الغيمة غيمة إذا غادرت "شرفة الماء"؟!
يقرن الشاعر الشرفة بالماء لمكانة الماء السامية. وهي بذلك، تكشف عن شرف الماء ورفعته، رغم سقوط "الغيمة"، وهي دلالة من دلالاته الصريحة التي تحدد عبر النص ما يتأهب وراء هذا السقوط "المدثر بصوته/ بصوتها". وإذا كان العماري يسمي نقلاته هذه بـ"حكمة الأعمى"، فإن مقالة الغيمة تتكفّل بهذا البناء الحكمي.
نأتي إلى النقلة الثانية، ولا مراء في أن يكون الشاعر مغرورا، طالما أنه "كوكب نفسه"، متفردا بأسره. فرغم حالة الإفصاح (الدال الخارج) فإن انكفاءً إلى الداخل تقرُّ به جملة "كوكب نفسي". وهذا الانكفاء لا تمليه حالة الغرور، بل يبلوره التجلي بالفرادة.
تفيض الذات وهي تتعلم الإصغاء إلى ذاتها، وهي تغتسل بضوء كوكبها، غاضة نظرها عن الغرور: "بغض النظر عن المتنبي.

قال شاعر مغرور:
"أنا
كوكب نفسي"

ثم... لماذا المتنبي تحديداً؟! وهل يمكننا الاستعاضة عنه بشاعر آخر هو في مكانة المتنبي الشعرية؟! إن ذلك يحدث خللاً في البناء النصّي، مثلما يزعزع البناء الدلالي الذي يتكشف في فضاءات النص موسعاً رقعته، معتمدا على المجاز وهو يفتح حقولا جديدة أمام التأويل الساعي إلى التخلص من المعنى الواحد.
غض النظر هنا تعمية وكفّ بصر. لكن النّقلة القادمة تتوقع غير هذا، خصوصا وأن "العين" تمارس فعلين: الاقتراح والاكتشاف. عين مثل هذه بوظيفة عيون عديدة. وقد تمنّى الأعمى في الموروث الشعبي الليبي "سلّة عيون" يبصر بها. حتى ينهض ببصره وبصيرته:

"العين التي تقترح السّواد
تكتشف الخارج
قال الأعمى"

ترى.. أي خارج هذا؟! خارج العين أم خارج السواد أم خارج كليهما؟! والنص هنا يتيح عيونا كثيرة: عين السواد، عين الخارج، وعين الأعمى.
جميعها يستبد بها الاكتشاف، إزاحة المستور، ذلك الذي ينسجم مع وظيفة الاقتراح، حيث "الخارج" يسيّج "السّواد". النقلة الرابعة تقول دلالتها في الكتابة وداخل الحياة:

"تنحي قليلا
أيتها الصور
أريد يدي
أيتها الشوارع
أريد صوتي
قال المتسوّل"

تتوجه هذه القراءة إلى الكثرة، فالكثرة مرآة- حسب تعبير المتصوفة، هذه المرآة التي تتغيأ الصفاء لنصاعة الرؤية /الرؤيا. يمكننا هنا تلمس فسحة سافحة للتأمل لا خارج لها بمعزل عن هذه الكثرة.

* تفضيض الجوّاني:
ضمن التحاور الجوّاني وإفشاءاته الباحثة لها عن سياق وسط تفجّع الذات وانشطارها داخل أفق لا يقول سوى فجائعها. ضمن هذا كله، تلعب "فضة الروح" وهي مثقلة بميراثها، وهي تستغور فضّتها المنهوبة.
كلمة "فضة" مقابل "بريق" ومقابل "انصفاء" أيضا. لن نشطح وراء اشتقاق المعاني أو نحفر عن دلالة عمياء. إلا أننا ندّعي في متابعة القراءة الإشارة إلى وقدات تضيء لنا الجوّاني وهو (يضم الحروف بعضها إلى بعض – كما يقول: ابن عربي).
في "فضّة الروح" تستوجب القراءة فرضيات أخرى. توحي بما في حوزة هذه القراءة من ثروة تأويلية مشحونة إلى أقصى درجة بالمعنى اللاهب ومعنى المعنى.
توصيف الروح بالفضة، إنما لتحديد مدى انسجام هاتين المفردتين وتميزاً لهذه الروح عن بقية العناصر والأشياء والمكوّنات التي تنضّد هذا النص. إنه توصيف تستقل به الروح وتستحوذ عليه. وهو تشبيه يثير إمكانية صدأ هذه الروح وغشاوتها.
وبنهب هذه الفضة، تحمل الصورة الشعرية دلالة قاسية يفصح عنها هذا الفعل القاسي "النّهب" بما يغمره من أفعال تبث في النفس حالة من الحزن والكآبة. وقد كثف الشاعر هذا وهو يتوجه إلى أمه بشهقة لها صيغها المتعددة، في مسعاه لتكثيف هذه الأفعال التي تكبر وهي تتوارى خلف لسانه. لنقرأ المعنى الدلالي وهو يتجاوز المعنى النصي:

"منذ أن نهب الرّعاة
فضّة روحي
وأنا يا أمِّي
أضيف عيني لرياحك العمياء
كي ترى خطيئتها"

نلاحظ هنا، أن ثمة تجاوزا غير مندغم ولا متجانس بين الجمل "نهب الرعاة" و"فضة روحي". غير أنه تجاوز يخلق رؤاه التي (لاندركها إلا بالرؤيا – كما يقول أدونيس). ونواصل ما أتاح الشاعر إضافته، إضافة/ إضافة:

"أضيف الشّك ليقيني
وأترك الطفل الصقيل
سليل الشوارع
مخفوراً بصرامته
أضيف وشماً لنسائي
وماءً لتهدأ خرافات عائلتي
ولقرية الملح
أسرِّب بكائي
وأترك قبر أبي"

نرى هنا تدفق هذه الإضافات وانسيابها مهيمنة على فضاء النص الذي يبدو فارغاً لا طريق إليه دون أن تتحدد معالمه. إنها تتدفق من بعضها في بعضها. العين لترى خطيئتها، الشك ليقينه، الماء لتهدأ خرافات عائلته، بكاؤه لقرية الملح (بنغازي التي علمتني الدمعة الأولى باتجاه قبر أبي – العماري في عتبة لنثر العالم). هذه جميعها شرايين النص في مواجهة مدهشة للنهب، وهو الضاري فرسية اللذة المتوجسة، الوفي للحياة، المنتسب ليديه، محور الإشارات ورمزها:

"أنا البكر
شقيق الضراوة
وصيد اللذة الخائفة
ألهو بنسغ الكلام الذي
ذوّبتُ مرارته في
كأسي
وانتسبت ليدي"

يبدو لنا أن انتساب الشاعر ليده يستفز كثيرا "يده الزمن" و"يده الجهة". يد لا يدركها سوى الانتساب إليها.
نقرأ في "رماد" بعض السمات التي تمتلكها "فضة الروح" حيث "الرياح العمياء/ تنمو بنباح مكسور". ولنا أن نقرن "الخطيئة" بـ"النباح"، هي مقارنة تجذر هذه السمات وتسمح بالتحرر من المعنى الواحد وكذلك الدلالة الواحدة. فـ"الريح-عمياء" و"الروح-فضة"، ونحن ندرك جيدا التقارب اللفظي بين المفردتين. هنا إعادة إنتاج الدلالة وتحويلها نحو وجهة أخرى ومسار جديد.
تعتبر قصيدة "فضة الروح" إدراكا لهذه الروح التي "نُهبت فضّتها"، وهو إدراك يضيء انطفاء الجسد. يقول الشاعر في "رماد":

"سأجعلك خيالي الأخير
ومسافتي اللامعة
سأعطيك صفة الموسيقا
ولغة الماء
ولعينيك أقترح طمأنينة ليل
حقوله مرحة"

* سيرة الشعر/ الشاعر مصاغاً في سيرة:
الكتابة السيروية هنا ليست تأريخا أو توثيقا لشخوص وأحداث وأمكنة، بل هي تفاعل كتابة وإثبات نص. الكتابة هنا تتعامل مع السيروي بوصفه يملك قيمة شعرية. والشاعر مفتاح العماري يتنقل في هذه القيظ، يهاجر في الهاجرة، منشغلا بالشعري في الحياة، تلك النار التي ورثها عن "بروميثيوس" أو الجمرة التي في الرأس.
يقول "باختين": "إن لغة الشاعر هي لغته هو، إنه يجد نفسه داخلها برمته، ودون شريك يقاسمه إياها".
في "مشية الآسر" القصيدة السيروية، ثمة احتفاء بالذات الشاعرة يعاضده احتفاء بالمتنبي تهجس به القصيدة، ولا يتكتم عنه الشاعر "اقترح سيف الشاعر" (السيف أصدق أنباء من الكتب –المتنبي)، وهو اقتراح لنص ولسيرة شاعر شغل الدنيا.
من هنا، يمكننا معرفة اعتمالات الذات الشاعرة واضطراماتها "إني أقترح الآن هدوئي"، حيث تتوجه هذه الذات إلى ما تتيحه اضراماتها من إفشاء مشحون بالألم والوجع ومؤاخاة الأذى.
قصيدة "مسافة الأذى" حتى وإن جاء مفتتحها مطمئنا "لابأس يافتى"، إلا أنها (الخصومة الدائمة مع المسافة – فوزية شلابي).
لنقرأ ضرم هذه الخصومة:

"لا بأس يافتى
إن بكيت
أو متّ على وجع، كثيرا
أو قليلا
لا بأس
إن تنام وتصحو على تيه
لا قبر لك
لكي تطمئن موتك
ولا حرب تشفي الغليلا
هكذا
يموت العليل عليلا"

قلنا أن الشاعر مصاغاً في سيرة لا يعني ذلك أن الفضاء الشعري لهذه النصوص هو فضاء سيروي يرصد تفاصيل حياة الشاعر والسياق الزماني والمكاني الذي تجري داخله أحداث هذه الحياة. أو أن هذا الفضاء قد اتكأ على ذاكرة سيروية (استرجاعية) تعمل على إعادة إنتاج الماضي. ولسنا نزعم أن هذه النصوص هي خلاصة حياة الشاعر أو جانب منها، غير أننا نتلمس "بأصابع لا يأكلها الصدأ" إشارات "تلمع كبريق مخيلة".
البناء الشعري الذي يقيم صروح أعمدته الشاعر: مفتاح العمّاري ينزع إلى ذروته في قصيدة "شهرزاد". هذا البناء النامي والمتنامي يصوغ صوره التي تتضافر بخصوصيتها وخصائصها المتنوعة. والقصيدة وهي تستدعي من جديد "شهرزاد" هذا المثال الحكائي الفخم، إنما يمزج في حالة شعرية راقية بين "شهرزاده" الشبيهة بـ"معجزة خجولة" وشهرزاد (ألف ليلة وليلة). هذا الامتزاج الواعي لا يخلو من تنهّدات الشاعر واستسلامه لشعرية السرد وسحرها لدى هذه المرأة "الأكثر من أنثى" التي تأخذ اللب وهي تقودنا إلى "متاهة اللذة السامقة".

* خروج/ دخول:
مغمارة العماري الشعرية هي مغامرة داخل الذات الضاجة بكل تجلياتها، والمحمومة بحروقات الأسئلة، وفي انهجاسه لنفح صوفي يضمخ نفسه مثل "قافية العطر".
وضمن هذه المغامرة يراهن الشاعر على تكرير بعض الجمل الشعرية، وبثها في مواضع عديدة: "تمهل الساقي-مرتين"، "أيها الرائي-مرتين"، "أنا نشوان من ولهي-مرتين"، وهو تكرار يخدم الإيقاع وينوّع الغنائية التي كما أطلق عليها الناقد "نوثروب فراي" في "تشريح النقد" بأنها "قصيدة الأذن" ضمن بناء إيقاعي هو "نسيج الأذن – كما يراه العماري في قراءته للشاعرة: "جنينة السوكني". ولعل قصيدته "قافية" تنحو برنيمها الموسيقي ورويها "للاندغام في الأذن". مما يؤسر المعنى الذي يتدفق حارقا الداخل فـ(الإيقاع: لص المعنى – إبراهيم الكوني).
والشاعر بهذه الشحنات الإيقاعية إنما يتيح المجال فسيحا أمام انتظام الكتابة الشعرية. لعل هذا التكرار يؤكد على أننا أمام كتابة ملحمية عبر تفعيل هذه الاستخدامات كلازمة هي مدخل لقراءة هذه المجموعة من منظور آخر.
في معظم قصائد المجموعة تتنوّع الأصوات، الأمر الذي يسمح بتنوع الفضاءات الشعرية. مما يتيح لهذه القصائد إمكانية أن تمارس فعل تكثيفين: تكثيف لغوي، آخر دلالي. وأمام هذا الفعل المتشظي تهفو الطاقات إلى خرق السائد وتفكيكه جماليا لبنائه بما يناسب وأنسجة التجلي والابتكار:

"في هذه القصيدة
الأشجار
والكلمات
والأصابع لها ظل
لأن الشمس
أرادت هذا المأوى..
أراد عين الشاعر"

الهوامش:
- مشية الآسر: مفتاح العماري- مجلس تنمية الإبداع الثقافي – طبعة أولى2004.
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
4 من 22
" نثر ُ المستيقظ " *
للشاعر - مفتاح العمَّاري..

شكل ُ القصيدة ِ هيَ القصيدة ُ كُلّها

بقلم : عذاب الركابي

"لا بُدَّ للكلمةِ في الشعرِ منْ أنْ تعلوَ  على ذاتِها ،  أنْ تزخرَ بأكثرَ ممَّا تعدُ بهِ ، وأنْ تشيرَ  إلى أكثرَ  ما نقول ُ .. -  أدونيس- " مجلة – شعر- العدد11-1959م


إنَّ الشعرَ لعبةُ كلماتٍ ، وأنَّ ملكةَ التعبيرِ صانعةُ الخيالِ ، وهوَ المسؤولُ عن تشظِّي الأصابع ِ ، بكلِّ جنون ٍ ، إلى  هذا النثارِ الرَّائعِ من كتلِ الضوءِ – الكلماتِ ، وهوَ الذي يوقظ ُ في أوتارِ القريحةِ هذهِ الدُّرر المتناغمة ، والتي تتحوَّلُ عند الشاعر ِ مفتاح العمّاري إلى لوحاتٍ تشكيليَّةٍ، لا يخفت ُ لونها ، وتظل ُ آيةُ التشكيل ِ فيها تُرَتَلُ في اللازمان ، وتضيءُ بسحرِ ألوانها في اللامكانِ ، حتَّى تعلنُ مملكةُ الجسدِ أنَّ الشعرَ لمْ  يعُدْ صنعةً كما رآهُ النقادُ والأكاديميونَ ، بلْ هوَ  خلاصةُ فتافيتِ الجسدِ المُشتعلِ عشقًا ، وصورة حياةٍ تظلُّ أبدًا نابضةً بالحياة :
أنتِ الصغيرة ُ
جمالُكِ
أكبرُ من خيالِ كهولتي
فيا لطغيانهِ ،
كائنُ الأرقِ
يستيقظ ُ بي – ص9.
 الشاعر مفتاح العمَّاري  لا يفيضُ شعرًا يُدمي القلبَ ، وصورًا تثقفُ العين َ ، وإيقاعاتٍ ترتِّبُ خطانا المرهونة َ بنبضِ الصباحِ ، وتعبيرات ٍ تجدِّدُ نسيج الذاكرة وهوَ يتجلَّى لُغة ً للوصولِ إلى لُغةِ اللغةِ ، دفء الدفء ِ ، وسحر السحرِفي فوضى شعريةٍ ضروريةٍ، عبرَ مفردةٍ موحيةٍ ، لا تخلو من مشاغبةٍ بلاغيةٍ مُمغنطة بحسِّ شاعرٍ يحيا على نيرانِ الكلماتِ أبدًاً ، زادهُ ، وشمسهُ ، ودليلهُ  ..، وعلى ذكرياتِ عشقهِ  القديمِ – الجديدِ  الممتدِّ حتّى آخرِ ضفة ِ من ضفاف ِ بحر ِ الهيام . يقولُ ميخائيل نعيمة : (  الشعرُ لغة ُ النفسِ ، والشاعرُ ترجمانُ النفسِ ، وكما أنَّ الله َ لا يحفلُ بالمعابدِ وزخرفتِها ، بلْ بالصلاة ِ الخارجةِ من أعماق ِ القلب ِ)- الغربال – ص84. وشعرُ العمَّاري لغةُ نفسهِ العاشقةِ الحائرةِ، وصلاة  ُقلبهِ التي لا تكون ُ قضاءً
:  أتشبَّث ُ بصحوك ِ ،
تستغيثينَ بنومي
جمالُكِ أكبرُ من  خيال ِ كهولتي-ص9
 الرملُ شراشفُ غافيةٌ  -ص13
الكلمة ُ المضروبة ُ على قفاها ، زهرة ُ عبَّاد الشمسِ  – ص19
هيَ زخاتُ لغةٍ مزمنةٍ  ..!! أهيَ وليمة ُخيالٍ جامحٍ ، أمْ أنها صورٌ تحرِّكُ جحافلَ جوعِ الذاكرة للثورةِ على السائدِ ، مستعينة ً بمدافعِ الأحلام اليقظة للحصول على رغيفِ التأملِ ، والدهشةِ ، والجذبِ عبرَ كلماتٍ فسفورُها ضوءُ قمرٍ لا يغيبُ ، وإيحاءات أفكارها  ومعانيها نهرُها لا ينضب .
" إنَّ الفنَّانين  لا  يتلقون َ الوحيَ إلاَّ من الأشياء ِ التي  تؤثر فيهم " - كروتشة . والشاعرُ :( مجموعة إحساساتٍ وأخيلةٍ ) – كما يعبِّرُ تيوفيل غوتييه ، وها هوَ  الشاعرُ العمَّاري حالةُ عشقٍ مكتوبٍ برمادِ الروحِ المعذَّبةِ ، وهيَ تتأمَّلُ كينونتها المتناثرة َفي دهاليزِ كونِها اللامرئي ، وطموحِها المُصادر ِ :
يا مفازة َ النور ِ
لذا ظلت عتمتُكِ تغسلنا ،
فحلمْنا بقمرِ الخرافاتِ،
واقتفينا أصابعكِ
وهيَ تتسللُ صاعدةً
ذرى الكلماتِ الحارةِ
لكيْ تضاءُ المسافةُ
بوميض ِ فتنتك ْ-ص33.
ودفء ٍ ورقّة ٍ ، تتفوَّقُ على كيمياءِ وردةٍ  تزهو بمفاتنها العطرية ، أوْ عاشقةٍ
ظامئةٍ للموعدِ المُنتظرِ ، والقبلةِ المُؤجَّلة:
هكذا هيَ  قامتُكِ الأنعمُ  منْ
هفهفةِ العطرِ ،
ترسم ُ يقينَ وجهتنا،
لهذا تقدمنا بكِ ،
حينَ استسلمَ سادنُ البياضِ
لعناصرِ ظلمتِكِ
فتبعناكِ طائعينْ – ص34.
وحالة  توحُّدٍ مع الآخرِ ،  عبرَ لغةِ تجدُّدُ أبجديتها ،  وتاريخٍ نزيهٍ ، يستبدلُ صفحاته الصفراء بأوراقِالشجر ِالأخضرِ ، وحلمٍ فتيّ  يُداهمُ نومَنا  بحرابِ الحقيقةِ ، ولقاءٍ تحت وابلِ مطرٍ ليلكيّ  مُفاجيء :
كأنَّكِ خلاصةُ حروبٍ
ولغاتٍ وحرائقْ ،
لأجلكِ تتأجلُ المداراتُ
ويسبقُ بريق ُ نحاسكِ
ذخيرةَ غزونِا لممالكِ النظرْ – ص35
        **
يستعيرك الواحدُ
فيتعدَّد بكِ / تحبسكِ العبارة ُ
لتعتقَ غموضَها / تذهب إليكِ المحطات ُ
فتلتبسُ العناوينُ/ ولا أحد يصلُ –ص37.
وإصغاءة هادئة ، ترتبّها الكلماتُ ، وتهيَّا طقوسَها القصيدة ُ ، للحصولِ على إذنِ التجوُّلِ في أخيلةِ .. وتأملاتِ عاشقٍ حتَّى العظمِ ..، وعلى آهاتِ ليلهِ الطويلِ ، ترتب ُ تفاصيلَ حياتهِ ، ومواعيدَ عشقهِ ، وعلاقاتِهِ الموصولةَ بذاكرةِ الصباحاتِ الجديدةِ:
حواسنا كلُّها
تصغي إليكِ ،
حينَ تقودينَ  روحَ العالم ِ ،
رشيقةً ،
كنغمِ صنفرةِ الأسى /
تطلقينَ جوارحَ المعدنِ ،
حرَّة ً في سماءٍ سكرانة ْ – ص37
     **
من ياسمين عنقِك ِ
يتشتّتُ العطر ُ / ضائعا ً ،
بين َ عبَّادهِ الخاشعين – ص38
وصوفيَّة مُختزنة ، جادت بعرضِها الأقمارُ التي كانت ْ تضيءُ سماءَ أنبياءِالعشقِ ، وروَّاد قصيدة النثر ، فريد الدين العطار ، وجلال الدين الرومي ، والنّفّري  ، وذواتهم  وهيَ تتماهى مع المعشوقِ – الفرد ِ:
تشظَّت مغاليقُ المتع ِ ،
فاستبانَ السترُ
وتعرَّى الرخام ُ محمومًاً
من وهجِ الصَّبْ !!
 **
هتفتِ الدلالات ُ :
المجدُ للحكمةِ المُشرَّدةْ / للنسيجِ الممزقِ /
للكلماتِ المنحرفةِ /  عن مداراتِ النحات /
للكلماتِ .. خالقة السماء الأولى
للسرِّ الفاقع ِ ،
وهوَ يعلو فوقَ العلو ِ
تأخذهُ نشوةُ الرائي – ص41.
وكيمياءُ كلمةٍ شعريةٍ ، عناصرُها الاحتراقُ ، واللذةُ ، وهمسُ الفكرةِ ، والخيالُ المُنتج في مُختبرِ الروحِ المتوجةِ بآلامِ الوحي الشعريّ .. الحاضرِ بلا انتهاء :
أحِبُّ يا ربي بارقة الخدّ
وما تقترحهُ الجنّة ُ
من لذائذِ أكبر من خيالِ الشعراءْ
لهذا أهجرُ اليقينَ
صوبَ مواطنِ الشكِ
لكيْ تتأهبَ الألفاظ ُ للنفيرْ – ص43.
" الشاعرُ كاهنٌ لأنَّه ُ يخدمُ إلهًا هوَ الحقيقةُ والجمال.." - ميخائيل نعيمة !!
وهذا ما رأيته ، وما يلمسهُ القاريء ، في قصائدِ العمَّاري ، فلمْ يعُدِ الشعرُ حلمًا مختزنًا لذكريات ِ عشقٍ قديم ٍ ، بلْ هوَ صورة للجمالِ ، وواقعة لعشقٍ متجدِّد ، تبدو الحياة ُ بدونهِ مستحيلة  ، والعمر ُ يشكو تبدُّد ساعاتِه الحرجة في حدائق غادرتها ورودها وفراشاتها في مركبِ شمسٍ ضجرة :
لقدْ ذبُلتِ العناوينُ
فوقَ منضدةِ الزينةِ
وأحجمتِ الزهور ُ
عنِ الذهابِ إلى غرفةِ النومِ ،
وغدا المطافُ إلى قلبكِ
مكسوًّا بالرماد ِ
والصعود إلى فمِكِ
محفوفًا بالحرائقِ – ص49.
الشعرُ دواءُ الضجر ِ ، حالة ُ هروب ٍ مُتقنة ٍ من رتابة ِ الوقت ِ ، وبلادة الأمكنة ، ومن صدأ العلاقات ِ ، .حالة ُ علوٍّ بالذات ِ الشاعرة ِ التي ترفضُ الاستسلامَ لموتٍ مُبرمج ٍ ، أو ( الهروب  منها  ، ليحولَ آلامَه الذاتية الخاصَّة إلى شيءٍ خصبٍ ) – حسب تعبير إليوت .. لحظة ُ انتفاضةِ كائناتِ الضوءِ  على حكم ِ ظلم ِ حالكة ٍ يحلو لها أنْ تستبدَّ ..، لحظة صدق ٍ تضيء دهاليزَ الروح ِ التي بدت مُحاصرةً بالكسلِ..، ثورة تقودها إيقاعاتُ الإبداع ِ ، بكلّ أدواتِ اللغة ِ والبلاغة ِ ، وهي تؤكِّدُ خلودَ الكلماتِ ، بلغةٍ بلا كلمات ، ليسَ إلاَّ كسوف أبيض يعلنُ عن وجودهِ عبرَ قصائد فوتوغرافية ، تؤسِّسُ لمدنٍ من خيالٍ راقٍ :
ثمة ُ كسوف جبان ..
يكشِّرُ عن أنيابِهِ ويهز ُّ ذيلَه ُ جهارًا نهارًا
كسوف ٌ مُبجَّلٌ .. نصفِّق ُ لهُ ،
كسوفٌ سعيدُ الحظِّ،
نهديه صمتنا ..،
كسوفٌ مُدلل ..،
يتبوَّلُ على ركبةِ الوقتِ..
كسوف ٌ مُهذَّب ُ /
يلعبُ الشطرنج ،
كسوفٌ مُؤبَّدٌ..
مُوسوسٌ .. ومُحتال
كسوف ٌ نكرة ٌ ،
كسوف ٌمُخل
كسوف ٌ بلا معنى ،
هذا كلُّ شيء ..!! – ص82.
" إنَّ الشِّعرَ نوعٌ منَ الرياضةِ المُلهمةِ التي نقفُ منها على معادلاتٍ .." - إزرا باوند .
و(( نثرُ المستيقظ)).. رياضةٌ مُلهمة  ، لغةُ اللغةِ ، خيالُ الخيالِ ، أوْ بعده ، استفزازُ المُستفِز ، وإثارة ُ المثير ، " معادلات لانفعالاتٍ إنسانيَّة " ..، للصياغاتِ التي أثقلت براكين اللغة ..، لجسارة وجرأة الهواجسِ ..، للخشوعِ في الصَّلاةِ إلى معنى المعنى  .. تعالوْا نقرأ  مُعادلات ِ – العمَّاري الشعرية:

" كُنْ أحمقَ ، تأتي الحقيقةُ إليك "-ص94
قفْ بسيطًا خجولاًً إزاء المتغطرسِ ، تغدو عظيمًاً
كُنْ لا شيءَ ، تملكْ كلَّ شيء
انظرْ إلى قدميك ، تفقدْ النجومُ بريقَها
انظرْ إلى السحبِ ،  تختفِ الأرضُ -ص95.
دعِ المُهرج َ يثيرُ ضجيجًا ، لكيْ تمتلكَ صولجانَ الصمتِ - ص96
إذا علوتَ خذ ْ قطعةً من السماءِ تكفي لقبرٍ صغيرٍ
أنْ تتضاءلَ جاعلا ً من الثقلِ خفَّةً - ص97.
. في نصائحهِ ، وفي نظراتهِ النقدية الهامةِ ، يدعو الشاعرُ والناقدُ – إليوت الشعراء إلى استخدامِ اللغة اليوميّة ، منبِّهًا من خطرِ ما يُسمِّيهِ  إعلاء الذات ، ودعوته  إلى تقديس :

"الأشياء التي يستعلي عليها الناس ، أوْ يهملونها عامدينَ.."، في قصيدة "قبعة أبي."
كانَ العمَّاري  تلميذًا مُطيعًا في حضرةِ الشاعر- المعلم  ِإليوت وكأنَّهُ ( يقيمُ بيتَهُ في قلبِ الجمهورِ المتزاحمِ ) – كما يعبِّرُ بودلير ، وهوَ يرى في  البساطة ِ  عطر َ الجذبِ ، والتلقائية طريقه للوصولِ بحميميَّةِ إلى الآخرين ..، منَ الأمِّ الحبيبة ِ، إلى الوطنِ ، إلى الأصدقاء :
أحِبُّ أمّي وأطفالي وزوجتي وإخوتي وجيراني
أحِبُّ طرابلسَ والجبلَ الأخضرَ ،
أحِبُّ زنقة القزدارة   والماجوري وخبز تنور جارتنا الحاجة شميسة ،
أحبُّ أصدقائي الحالمين والميتين والعربيدين والحمقى ،
أحِبُّ السفرَ والكتبَ والموسيقا والكسل َ أحيانًا ،
أحِبُّ الهدوءَ والضحكَ ورائحةَالقهوةِ في الصباح ِ الباكرِ ،
أحبُّ النجومَ والغناءَ في الحمَّام ِ والنظرَ عبرَ النافذةِ – ص112.
" نثر ُ المُستيقظ".. قصائدُ فوتغرافية !!
ذاكرة ُ الحاضر المتمرِّد ِ والجسور ..، زادُ الزمنِ القادم ،  شهادة ُ الشاعرِ في عصرٍ يمقت ُ خطوته ، ويُسفِّه  دموعَه الحارقة ..، عبرَ لُغةٍ  تقاتلُ مفرداتها ..، ولا تخجلُ من بلاغتها المشاغبة ..، وتدافع ُ بكلِّ ألوانِ .. ورموز ِ أبجديتها  عن شاعريتها الخالدة .. ، وعن جسارة ذاكرة الشاعر التي  يصعب ُ أنْ يطالها الصدأ ُ والذبولُ والموتُ.
• كاتب وشاعر عراقي ، مقيم بليبيا.
Athabalrekabi22@yahoo
* نثر المُستيقظ - نصوص - مفتاح العمّاري – منشورات /مجلس الثقافة العام 2008م.
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
5 من 22
البنية الفنية في قصيدة النثر
جنازة باذخة - تقنيات البنية الفنية في قصيدة النثر
الاثنين, 25 مايو 2009 01:17 محمد سليمان الزيات مقالات - مقالات
يطل علينا الشاعر مفتاح العماري بديوانه الجديد " جنازة باذخة " والذي يضم باقة من روائعه الشعرية المفعمة بالأسى الرقيق ، والحزن الممزوج بالغضب والتمرد ، واعدا المستحيل بجنازة باذخة .

حيث تستقبلنا قصيدته المرهفة " عناوين خجولة " . والتي لم يكن اختيارها لتتصدر قصائد الديوان ، آتيا عن طريق الصدفة ، ولكن الظن الراجح بأن تلك الشحنة الإنسانية الدافئة والشعرية الأسيانة التي تتوفر عليها القصيدة ، كانت وراء هذا الترشيح الدبلوماسي ، حيث استقبال القارئ في أجواء حميمية ، كفيلة بأن تجعله يعانق تلك الروح التي نشأت عنها القصيدة . لتصطحبه إلى ضوء اللغات ، بأحلام تنمو بصلابة الحليب ، وبأصابع نساجة ألفة ، وخزافة متع .
" عناوين خجولة " تفتح اذاً منعطفا للقارئ نحو حساسية فائقة توفرة جملة متموجة مثل حلم يقظة – بتعبير " بود لير " –" الشتاء يحمل معاطفه ويغادر بلا جدوى " وهي ليست غريبة على المأثور الشعبي " حمل عصاه ورحل " ولكن تركيب الجملة يلعب على شحنها بدلالة مختلفة . ففي الوقت الذي تحيل جملة " المأثور إلى دلالة اليأس والانهزام ، تكون جملة الشاعر قد أثثت نفسها على دلالة مكر الشتاء وخبثه ، حيث يغادر " بلا جدوى " – بدون مطر – مخلفا وراءه من أثر برده القارس المؤذي أثره الماكر والخبيث : " أصابعك باردة وزرقاء " . وهكذا بينما تنزرع الجملة الشعرية في قلب جملة المأثور الشعبي تكون قد ابتنت لذاتها ودلالتها الخاصة .فيكون تلاقيها معه هو تلاقي الذي يجمع بين التشابه والاختلاف .
وهذا التعميق لمستوى التناول الشعري للغة المأثورة سوف نرى انتشاره الفاعل على مستوى بنية القصيدة .فدوالها تثير مجموعة من التوترات على مستوى التتابع حيث تستجيب وكلها انعال تتناسب وتفعيل الاستعارات المكنية وتزيد من قوة تأثيرها .
وجه الزوابع – صوت المساء – حقولنا البريئة – حقائب الوجد - .
وسوف نرى هذا التضافر لمحوري الاختيار والتجاور متجليا في ثنائية " البصري " و – " الصوتي " للدوال التي تقع على محور الاختيار .فالأول : يحتشد بدوال مثل :
ضوء – وجه – المساء – حقولنا – بكائنات – حقائب – مدن – منعطف – مطر – شجرة .
مساهما بذلك في احتشاد الصورة الشعرية بسديم ممزوج بالدوال الصوتية حيث .
الثاني : يتعشق مع الأول محدثا هذا التجاور المتشابك مثل :
-اللغات – الزوابع – صوت – ثرثارة –
ويحدث هذا الازدواج انعطافات في المعنى عند كل كلمة وكل جملة ليؤدي ذلك إلى انعطاف على مستوى الدلالة . وهي مساهمة أخرى في تخليق نسق القصيدة وترابط أجزاء بنيتها .

*التكرار والزمن
تلعب خاصية التكرار على أكثر من محور ، لعل أهمها هو محور " الزمن " فالتكرار يعمل على فتح سبيل للهروب من خطبة زمن السرد . والذي بحكم قانونه يفضي إلى نهاية محتومة. فيكون التكرار هو أداة لاعادة القصيدة إلى داخلها ، حيث غايتها . فلا غاية لها خارجها . وكل ما تستدعيه من أشياء لا يعدو أن يكون في علاقة بالانفعال الداخلي للشاعر .
كما أنه يضفي شاعرية على القصيدة بكسره للسرد . ويتضح ذلك في تحويله ما هو يومي وراهني إلى سديم حلمي . فالوجود ليس معنيا بذاته ، إنما بما يثيره من روح التمرد ومشاعر الغضب ، أو حتى الأحاسيس السعيدة أو الأليمة . وهذه الإثارة هي المدعوة هنا ولاشيء سواها .
وعلى سبيل المثال نلتقي بخاصية التكرار في قصيدة " جنازة باذخة " مثل : " حكاية من " التي تتكرر أربع مرات مفتتحة بداية كل مقطع ترد فيه . وكذلك جملة " وان يكن وقفي بلا ظل وماء " التي تتكرر مرتين في القصيدة . كما نرى تكرار فعل الأمر المشحون بالدلالة " أعطوني " ثلاث مرات .
الدوال المتشابكة بالتقابل كما نراها في " علب الدواء وحدها " تنمو " حول سريرك " فتكون هذه الاستجابة بالاختلاف بين دال " الشتاء " ودال " تنمو " بينما يكون ذلك التشابك بالتلاقي في أقمار ضحكتك تذبل " حيث يتلاقى الذبول مع الشتاء وكلاهما يجد تشابكة مع " يداك ربيع… " والتشابكات التي تراها تلك الدوال المنتثرة والموزعة في بنية القصيدة يجملها المكثفة . تلعب على منعطفات المعنى الذي بدوره يلعب على منعطفات الدلالة . وهي تقنية تساهم في خلق روابط الوحدة العضوية للقصيدة .
ولاشك أنها تعود إلى محور الاختيار ، في تلاقيه مع محور التحاور . حيث تهيمن الفكرة خالقة تلك الشعرية التي تميز كل بنية فنية وأدبية . بينما تلفت نظرنا جملة النهاية في كل مقطع التي توحي بانتهاء القصيدة ولكنها لا تلبث أن تستأنف تدفقها من جديد . كأنها توقفات لغدير ما يلبث أن يفيض متدفقا متتبعا تعرجات سهول ووديان المعنى . مثلما في المقطع الأول " وقلبك وطن للشاعر ورحلته الآمنة "
كما في المقطع الثاني : " وهم يحملون الحدائق / في حقائبهم المدرسية " وفي الثالث : " طالما الكلمة الوحيدة / التي يبحث عنها الأنبياء / تستيقظ هنا " ولكن هذه النهايات الخادعة ، هي نفسها التي تسمح بتعرج السيل وانفتاح مسارب جديدة لاستيفاء دفق الانفعالات المحتقنة .
وسوف نبين عمل هذه الخاصية متخذين من نهاية المقطع الأول مثالا ، مكتفين به ، لنعطي فرصة لأنفسنا ، لتناول خواص أخرى تحفل بها قصائد الديوان . فبينما نستشعر الوقفة ، إذ الجملة التي تليها تفاجئنا بذلك الدفق الشعري المحلق في أجواء حلمية والذي ساهم في تخليفة افتتاح الجملة بالفعل الماضي الناقص – كنت – بما يتيحه من مسافة زمنية ، بيننا وبين الأحداث المستدعاة من الذاكرة . تلك المسافة التي تسمح للمتخيل بأن يزاول نشاطه التجسيدي " كنت قبل أن يجف ضوء الغابات " هكذا تنغمس الجملة في الحلم. بينما تتدفق الأفعال المستدعاة في صيغة المضارع ، مؤكدة الحضور القوى للفاعل المضمر المتسم بالحركية الإيجابية والنشيطة .
تغيرين – تبددين – يزحف – تائهين – تحملين - .

*خصائص موسيقية :
لعل نزوع القصيدة النثرية لإدخال اليومي ولغة الراهن المعيش إلى جوقة القصيدة ، هو الملمح الإشكالي في بنائية هذا الشكل الفني حيث هذا الازدواج الذي ميزها عن غيرها من الأشكال الأخرى أتاح لها الاستجابة لنزع التمرد على الانسجام الموزون والمقفى ، متخذة من الكلام في شكله النثري مادة لها تعيد تركيبه أحيانا موقعا ، و أحينا أخرى غير موقع . وهذا التركيب النثري غير الموقع يظهر في القصيدة كانتفاضة الوعي المستيقظ من الحلم . والذي يعمل على عدم الانصياع للغنائية – مثلما نراها في " أصابعك باردة وزرقاء " – " علب الدواء وحدها تنمو حول سريرك " – لكن لا بأس "
بينما يعمد الشاعر إلى تقنيات تعويضية تموسق النثري مثل : المحارفات أي اشتراك كلمات متتابعة في حرف أو اكثر مثل حرف " السين " في " لا شيء الآن باسمى يسمى سيظل كل ذئب تاه في لغة كنز عواء "
كما يصادفنا حرف السين بوضوح في قصيدة " حطاب الأرض الوعرة " – سأعتق – حدسي – كأسى – فيسكر – جلاّسى – تسهو – اسبر – حراسي - .
في :- هنا سأعتق خمرة حدسي // وأشرب كأسي // فيسكر قمري // ويرقص ظل جلاسي [ لاحظ أيضا التشابه التصويتي بين الصاد والسين ] // وحين تسهو أذن الليل // أسبر غور جدراني // وأغافل غفوة حراسي "
كما يلعب التقابل بين الاختلافات على أحداث ترددات مموسقة وحائمة مع تردد المعنى ، بين المتقابلات ، مثل ما نراه في قصيدة " الميراث " – زئير السبع / وقامة الجندب – ضراوة البؤس / وفخامة الأسى – ولاحظ أيضا التلاقي بين البؤس والأسى فضلا عن التشابك بين ضراوة / فخامة ، قاحلة / منارات / عيوننا المبللة بالهوان / عمياء بلا ظلال أو حدائق / ثراء / أحلام
فنلاحظ التشابه والاختلاف الذي يبين مدى الاشتباك الدلالي ومنعطفات المعنى . فضلا عن دورة في موسيقية القصيدة . مثل :- قاحلة – المتقابلة مع – مبللة – ومنارات – المتقابلة مع – عمياء بلا ظلال – واشتباك كل ذلك مع – ثراء – من ناحية ، وأحلام من ناحية أخرى .
ولاحظ أيضا هذا الاشتباك بين المتلاقيات في : " … مدافن التوق / وأكفان المباهج والمسرات
فهذه المحارفات وتلاقي المتشابهات والاختلافات تعمل على موسيقية المنتخبات النثرية ، مع أجزاء من تفعيلات مجلوبة من عناصر البحور فتكون قصيدة النثر هنا مقيمة بناءها على عناصر مفككة من القديم ومادة نثرية أدخلت إلى عملية النظم بتراكيب لغوية مموسقة أو موقعة ، سواء بالمحارفات أو الجناس أو حتى التطابق . وتكون هذه العملية خاضعة دائما للاستجابة للتحويم الدائم فوق الكلمات والجمل لنستشعر البخار المتصاعد من دفق الانفعالات والأحاسيس ، الذي يحيلها إلى لغة الحلم ، ويؤبد الزمن في الاستعادة الدائمة التي لا تصل أبدا إلى النهاية الحتمية التي يفرضها قانون السرد .
ونستطيع أن نجزم بأن هذه الخاصية هي الأهم من بين الخصائص التي تشتمل عليها قصيدة النثر . والتي تميزها عن غيرها من الأشكال الفنية الأخرى . فهذه المناوشات الدائمة في القصيدة بين ما هو شعر وما هو نثر تسجل أهم ملامح هذا الشكل وهي ازدواجية الشعر النثر مضمرة على المحور الأول الرغبة المستحكمة في التمرد على الشكل القديم ، وعلى المحور الثاني الرغبة في الانغماس في لغة اليومى والراهن لغة عالمنا الذي نعيشه . لغة النثر المروض بإعادة تركيبة لغويا وتصويتيا . خالقة بذلك كوكبة من التقنيات المموسقة .
وجدير هنا أن نرد تمرد القصيدة النثرية إلى مسبباته الموضوعية التي تجد جذورها في زحف المتغيرات من حولنا ، وتلك السمة المميزة لعالمنا بالاضطراب والتشوش والفوضى . بحيث أصبح عالمنا غير قابل للفهم . مزيحا ذلك الانسجام الكوني الذي كان يحياه الإنسان . فينعكس على إبداعه في شكل نظام وتوازن ، في انضباط قياسي . أصبح الآن متناقضا مع ما يعكسه عالمنا علينا من تشوش وفوضى تتناقض مع هذا الانضباط والتوازن .
فكان لابد من تفكيك هذا البناء المنسجم في توازنه ، وإحداث شكل يستجيب لكل منعطفات الفكرة ودفق الانفعالات الناجمة عن اضطراب عالمنا المنفلت دوما من بين أيدينا والمستعصي على التقديم .
فالتمرد خاصة أساسية في قصيدة النثر تجد مشروعيتها في واقع مثير لانفعالات الغضب ، وما يتولد عنه من حزن وأسى يدفع الشاعر إلى تفكيك الأنساق الفنية التي تعوق عملية إعادة بناء العالم . ليعيد للإنسان اتزانه ، عبر رؤيته الخاصة . التي تشع من خلالها آفاق الأمل والمسرة.
مما جعل الشاعر يصرخ صرخته الغاضبة و المستغيثة في آن : " أعطيتني اللسان المعتقل بفصاحة العي وتأتأة الغرقى كأنني من هدر اللحظة الفاسقة ونطفة الخلاعة رهينة السر وأن فيضي هوس الصعاليك ولوثة العيارين "مشيرا إلى تهميش لغة التمرد والغضب والتهكم على مر التاريخ في تراثنا . بينما يمتلئ المتن ويعج " بمناجم الجهل "حيث " لم يبق منك أيها الغابر إلا خلّب الصخب وأصداء حروب العشائر "

*تنويعات الجملة في قصيدة النثر
لعل الجملة المتموجة ذات التعرجات الحلمية والطويلة نسبيا ( 2 ) تشكل ملمحا هاما في شكل وتركيب الجملة في " قصيدة النثر " فتركيبها يعتمد انعطاف الكلمات ، التي تنتقل بالجملة من أجواء السرد المنطقي إلى أجواء الحلم .ثم " الجملة الغنائية " المستجيبة لارتفاع مستوى اندفاقات المشاعر الحادة السعيدة أو الأليمة . التي تميز التصاعد الدينامي للجملة الغنائية .بينما تأتي " الجملة التنافرية " شديدة الإيجاز لتقطع استرسال النغمة . فيبدو التنافر الصوتي المصحوب – غالبا – بنغمة سخرية أو تهكم ما ملازما لانتفاضات الوعي ومعبرا عن اليقظة . تلك التي تقطع الحلم .والتي تستعاد مروضة . ليبدو الحلم لم يعد ممكنا إنهاؤه. وهي تركيبات لغوية للجمل تميز " قصيدة النثر " كإنجاز يقف بجانب الخصائص الأخرى . كشاهد على حضور شكل فني جديد . يتمحور حول موقف إستراتيجي مغاير . هو الموقف الرؤيوي من العالم والرغبة المستحكمة لانتزاع لغته الخاصة ، وإزاحة تسمح بالتعبير عن عالم ندركه ومستعص على التقديم
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
6 من 22
حياة الظلّ

مفتاح العمّاري
- 1 -
إذا وصّف الضوء روحا..  قال الظل :  أنا الجسد .
أنا النصف الفاتن ، لا وجود من دوني ....
ولا بياض خارج الأسود الذي أنا ،
يتحقّق بي وأعرف به ،
كلانا يبعث الآخر من برزخه  ويخرج من لدنّه .
لا أين له في بعدي  ، ولا في قربه أيني ،
هو بصيرتي وعماي ،  وأنا   له الوطن والمنفى ،
إذا خفّ ،كلانا  يفقد الآخر ،
وإذا ثقل أسبقه على خطف البراهين .
هو سقف من نار وريح ، وأنا  لغتي ماء وطين .
يغيب فيّ إذا حضر ت  ،وفي برقه يشعّ غيابي ،
كلما حلمت بجزيرة أو مدينة أخرى ، يلتفّ عليها .
وكلما أشعلت  حربا  يستأثر بالغنائم
فأتورط وحدي في  دفن العواصف  وجثث الغيوم
تكمن مسافتي في خيالي
 بينما لا يرى الأبيض إلا  فراغا يحميه من نفسه .
يولد  من شغف بي،
وأولد منّي حيث لا بياض يحجب صوتي ..
بدايتي تعلو ، فيما السقوط جريرته .
تصعد الأشجار من نطفة في الظلام .
أنا حياة الظل  .. رحمه و غلافه .
لا يهبط النور من دون سعتي .
الداخل صوتي والخارج صداي .
أنا سرّة الألوان  ومحيطها ،
لا مكان خارج  ظلامي،
ولا مسافة غير سفري ،
أينما أذهب ، الكائنات تذهب ،
أنا الأصل و العناصر أنفاسي وعشبي
تذوب في نسغي  وتختلط بي .

- 2 -
في ما مضى كنت مجرد تابع للشبح الذي يتركني قفي لهاث   ،  أعني المخلوق الضئيل  بمشيته الخائفة من شيء   لن يتحقق إلا  بإعلان  ولائي له ووفائي المنقطع النظير لنسبه . قد تظنونني كلبا كما تعلن زوبعة الذباب التي حطّت  على قفير عسلي ، تلك الريح الموسوسة التي ما تفتأ في كل صراخ عابر إلا  وتمعن في نعتي بهذه الصفة المقيتة . حتى كدت أظنني كلبا ، لكنني - وهذه حقيقة لا تقبل الجدل – أقسم بأنني لست كلبا ولا أشبه الكلاب في شيء . نشأ هذا الخاطر القلق بعد ثلاثين صيفا من عبوري الخارق  لتلك  الصحراء اللاهبة التي كنت فيما مضى حزينا ،أقف عندها بهياج وحيرة . أما قبل قليل -وهنا أشير بإنصاف إلى أيام خنوعي وذلّي - كنت مستسلما لمشيئة عبوديتي،  دونما إضمار أو ترميز  معبرا في الوقت نفسه عن ولائي لولادات باهرة ما فتئت تكمّلني  ، مدينا للصدف الصلبة ، لحكاية مشرّدة ، لامرأة ما في  مدينتكم ، والتي في ما بعد هي مدينتي أيضا ، ملمحا  إلى  رفقة غامضة   ما برحت تأسرني بمعجزتها ، تعيد تكويني وتخرّط صبابتي  بعد لأي ومتاه ،كأني أشهد إعادة خلقي  وأبعث من عدم ،  طالعا من جديد .. من بضعة حروف شاردة  لملمتها بلهفة من رماد الفاقة . أنا فقط أشبه  سحنة قدري المظلم الذي كابدت عشق بداوته وجماله   ، أقولها بثقة صلبة بعد أن  تنصّلت من تبعية صاحبي متمردا على سلطة جسده ،  طليقا أجوب الجهات وحدي ، ولم أحمل معي من ذكريات غريمي  سوى  أحدى أسمائه المهملة ، أعني اسمه المنسي الذي  لم يعد ينادى به ، وهو ذات الاسم  الموثّق في سجلات النفوس ،لأغدو أول ظلّ ضليل يحمل اسما آدميا صريحا . حدث ذلك في صيف يبعد  بحجم أسطورة أو متاه ، سلخ عمري وقتها عشرين سنة شمسية. لأن صاحبي قد تواطأ مع جموح الجندي وانغمس كلية في ترهات الثكنات التي كنت أمقتها ، لذا عزمت على الهرب مكتفيا بشغف الرائي .. فأنا كما يقال في عبارات الغزل قد أحببت الشعر من أول نظرة ، أغرمت  به ، كما لو أنه معشوقتي ،  فأصبح  شاغلي الوحيد الذي أكرّس له رئتي وكل ما ادخرت  من خيال  . لهذا  أظهرت تمردي بعناد على من كان سيدي وجلادي ومولاي ، أي على نصفي الآخر الذي بهيئة ألوان مهملة تعربد في فراغ العالم ،   غير نادم  حين غدوت طليقا أعبر عن حواسي دونما حاجة لأن أكون خاضعا لنزوات جسده  ،أو جسدي  ، فيما ظل هو شديد التبرم من مواهبي ، ساخطا ومبغضا يعلن دون مواربة  أو حياء عن  حسده ومقته لي ، مستاء إلى حدّ التقزّز كما يقول من عاداتي الغريبة ومزاجي المتقلّب واصفا أياي  بالشاعر التافه ، وأن ما أهذي به أو أسمّيه خلقا شعريا بارعا ، هو محض ترهات قصائد ركيكة، لا تعدو عن كونها مجرد عناوين متذاكية تتوهم  أن لغوها السمج سيهبها موقعا بين معلّقات القصائد .. وهكذا انبرى غريمي  ذات مساء وهو يلمّع بمهارة حذاءه الأسود الثقيل، يكلمني في تهكّم دونما هوادة  ناعتا إياي بالدعيّ الأرعن ، وأنني تبعا لوصفه الحقود لست سوى كلب مخبول ، بل محض ذيل هزيل يتبختر بزهو مغرور ، صارخا بتهكم فج : كأنك تحسب نفسك بأنك أنت  لا أحد سواك من خلق الكون في ستة أيام؟ . لا شكّ ، قد جرحني هذا السيل من الشتائم ،  والنعوت المخلةّ بما تمليه العشرة من عبارات التهذيب ، وتألمت ليلتها  كثيرا ، ولم أنم .. شربت ما لا يحصى من فناجين القهوة وأحرقت علبتين من السجائر الرديئة . وبكيت وحدي ، بكيت كما لم يبك أي ظل من قبل . وهكذا قررت ليلتها  المصير الذي ينقذ ما تبقّى من حياتي القصيرة ، لأعيش حرا طليقا بعيدا عن شرور شريكي وأطماعه وبغضه . أظن أيها القارئ الذي آزرته الصدفة لتصفّح هذه الترهات ،  بأنني عبر هذه التوطئة أكون  قد كشفت نقابا  عن خلل رافق ميلادي  ونشأتي ، و حاولت توظيف ما استطعت من عناصر مهملة قد تسهم في إزاحة النقاب عن ما غمض من سيرة لوني ، مستهدفا  إبراز هويتي للذي يودّ  معرفة طبائع الظلال وأصولها وأنسابها ، ولكي أكون صادقا معك ، ومع نفسي ،قد  تعمّدت هنا استدراج المفردات الأكثر  سلاسة وليونة ووضوحا لخدمة العبارات التي تمليها اللحظة علي ، حيث يلزمني هنا ضرورة الإشارة مرة أخرى  إلى فضل العناصر التي تتضافر في تشكيل خاماتي كمخلوق عبقري ، والتي  هي دونما ريب  من لدن  الظلمة المباركة التي أحمل نسغها أينما ذهبت بعد أن تكوّنت في رحمها وتشكّلت من عذوبة قتامتها حتى صرت أنا كما أنا ، ظلا مباركا لا أتبع أحدا سوى نفسي  . ولدت ونشأت ظلا ، وسأبقى حيث ما وطأت أطياف مشيئتي ، ظلا وكائن ظل ، لا تقف ضآلتي الظاهرة حائلا بيني وبين رسم ملامح الأشياء ، فلا يخدعنكم مظهري الحقير ،ولا قامتي الخجول ، ولا انزوائي وعزلتي وكموني خلف الأجسام . لأنكم بذلك ستغفلون عن أعز شيء  يحقّق وجودكم ، وتخسرون أنفسكم أيها التبّع حين تغفلون  جوهر حقيقتكم بجريرة جهلكم لنسبي . وسوف تندمون يوما لأنكم لم ترونني كما ينبغي . وتكتشفون بعد فوات الأوان بأنكم كنتم مصابون بعمى البصيرة . هكذا تركت صاحبي بلا ظل . تركته عربيدا وشرسا ، وربما يائسا من حياته الفارغة .. يتخبّط  غالبا بين براثن نبذه ، ضحية أوهام  غريبة كالهجرة  أو الانتحار  ، لا هم له سوى السكر والعربدة ومطاردة الأهواء الخسيسة . جارا على نفسه المهالك التي تقوده في معظم الأوقات إلى الامتثال لعقوبة الحبس في سجون الثكنات العسكرية . ليغدو محض رقم تافه في قائمة المحقرين الذين لا شغف لهم سوى الصخب الغبي ، لتمضي أوقاتهم مملة ورتيبة وبائسة لا دفء يغذي برودة نخاعها . هربت فارا بما تبقّى لي  من توق جميل كظلّ لا يتعثر أبدا ، وكشاعر  يهزّ الوجدان ، منضّدا الكلمات التي تتسع لإيواء البهاء  المقدس . ورغم ذلك ظل اسمي  الذي قدّر لي رغما عني التلبية  كلما نوديت به ، يحمل  مفارقة طريفة ،لأنه لا يدلّ علي .. كيف أكون ظلاما صريحا واسمي عبد النور ، وهذا يزعجني في البيت ، وفي المقهى ،  وفي همس حبيبتي ورسائلها القصيرة ..  أنا عبد النور ، في الليل والنهار ،في السلم والحرب .. وفي نومي ويقظتي   يجثم  هذا الاسم النكرة على أنفاسي ، هذا الاسم الذي ليس لي ،ولا يشبه سوادي في شيء ، بل هو نقيض لوني ، فكيف أخضع لصلابته  وأكون أسير ندائه حين يسقط من عل فأقف مذعورا مثل لص متلبس . كأني أحمل ورما يقتلع صورتي من ذاكرة  الجدران والغرف  والقصائد التي أرسمها على فم ملهمتي  ، وهي تهمس : يا جبل ما يهزك  ريح . ثلاثون سفرا والصيف صيفا لا غير وأنا يطاردني  قريني من قصيدة إلى أخرى ، فأهرب خارج أسواره ، مدركا  الحقيقة المرة التي كان علي منذ البدء التوقف عندها .. لأن هروبي بقدر ما كان محرّضا على إيقاظ الحواس النائمة  وخلخلة العواطف وتفخيخ  الغوايات  ، قد جعلني في الوقت عينه نصف كائن مخبول يتمزّق دونما هوادة بين ذاكرتين  ومدينتين وخيالين وامرأتين وقصيدتين ..  حتى أنني لم أعد موقنا : هل أنا قامة الرائي ،  أم  ظلّ الجندي .

- 3 -
أجمل ما في هذه القصيدة هو أسوأ ما فيها .
أسوأ ما في هذه القصيدة  أن أموت
وأنا أحبّك  ......
أجمل ما في هذه القصيدة  ،
قدرتها على السفر والضحك والنوم والصمت والرقص والبكاء
أجمل ما في هذه القصيدة أيضا ،
القصيدة التي لم أكتبها بعد ،
أسوأ ما فيها
يشير إلى خراب جسدي
وطفولتي الغافلة
أجمل ما في هذه القصيدة
تهافت الغاويات ،
وإصغاء سدنتها المخلصين
وهذا الزعل الحميم الذي يلمع في عينيك ،
وهوسي بك ،
و............ أجمل ما فيها أيضا
ما يتخفّى من خيال صاخب خلف الكلمات ...
كذلك السرير وما يختزنه من روائح وأحلام
وعناوين وبقع حارة
لكن الأسوأ ....
أن كل هذه الأوطان التي رفعنا أعلامها وبنادقها
ورسمنا خرائطها في أحلامنا ودفاترنا
بكل ما فيها من هتاف وأناشيد وصحف ومستشفيات وعناوين وبحار
وأفران وأمنيات  وحدائق ...................
لا تتسع لإيواء قصيدة واحدة  أحبك فيها .

- 4 -
الذي الآن طرقة ريح
صدى الباب الذي قبل قليل كان  بابي
الأصابع الباردة أمست بعد فطنتها في الليل تسهو
لتختفي فجأة مفاتيح بابي .
لذا لن يحيطك يا مولاتي بعد هذه القصيدة ظلّ  
ولن يملؤك غياب ......
سوى غيابي.

- 5 –
-
لا بأس ... قال الظل :
إكراما للعيد ،أترك الآن هذه القصيدة التي ريثما أغادر سريري
سأكتب قصيدة أجمل منها .
مفتاح العمّاري
برلين 24/11/2009
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
7 من 22
شاعرٌ بأسرِهِ يمشي على القلبِ..

الكاتب : جمعة الفاخري

إلى مفتاح العمَّاري .. شاعرٍ يفرِّقُ بأصابِعِه غيومَ الكآبَةِ .. ويرسمُ بحبرِ قلبِهِ بيتًا للفرحِ.
أَيُّهَا الشَّاعِرُ الطَّاعِنُ في غَيَابَاتِ الوجِعِ لحنًا ظامئًا .. الغائبُ في الحضورِ البليدِ ملاكًا .. المسافرُ في كلِّ اتجاهٍ ولا اتِّجاهٍ ..
أّيُّهَا المنبثُّ في ليلِ النُّكرانِ البذيءِ قمرًا ريفيًّا لا يسألُ الغرباءَ عن أحلامِهِم المخبَّأةِ .. ولا يحرجُ العاشقينَ بسؤالِهِم عن تأشيراتٍ لنبضِهِم المهرَّبِ .. أَيُّهَا المنبثقُ من صَحْوِ الأمنيَاتِ فجرًا ذهبيًّا .. المنشقُّ عن صمتِ السَّادِرِيْنَ في عجزِهِم بصخبِ القصَائدِ ، وثوراتِ البراكينِ ..
هل تسمحُ لإدَّعائِنَا الصَّفيقِ أنْ يقفَ لحضورِكَ الجميلِ إِكبارًا .. وأن نصفِّقَ للقصيدَةِ الحسناءِ حينَ تهبُكَ بحرًا ذلولاً تخطرُ عليهِ دونَ زحافٍ .. دونَ نشازٍ .. دونَ عناءٍ .. للمعاني الموقَّرَةِ حينَ تزوِّجُكَ بنتَهَا البكرَ .. وللمحبَّةِ حينَ تهبكُ وطنًا من ضوءٍ ، وأكوانًا من عطرٍ وشعرٍ ونوارسَ ..!؟
لا أحدَ سيسألُكَ لماذا تأخَّرْتَ عن موعدِ الفرحِ .. ولا لماذا أجَّلت عرسَ القصيدةِ الكبيرَ .. ولا أحدَ سيزعمُ أنَّهُ نَازَعَكَ حبَّ الوطنِ .. لا أحدَ سيسألُكَ لماذا تلطمُ خَدَّ بلاهَتِنَا ونحنُ نُصَدِّقُ دعاوى المرضِ بالغيابِ الكذوبِ .. ونؤمنُ أنَّ بإمكانِ الشَّاعِرِ أن يتقاعدَ .. ونزعمُ ببجاحَةِ الظنِّ الأثيمِ أنَّ قلبَهُ يمكنُ أن يشيخَ ..!؟
أَيُّهَا الشَّاعِرُ ، أَيُّهَا المتسكِّعُ في باحةِ القلبِ رسولاً .. ووجهَ حبيبٍ .. وداعيةَ محبَّةِ .. أَيُّهَا المسَافِرُ في خَاصِرَةِ القصيدَةِ لحنًا .. ومعنًى ذهبيًّا .. وبيتًا عصيًّا نافِرًا ..
أَيُّهَا المنحوتُ في رائعةِ العشقِ وشمًا مقدَّسًا .. وترتيلَةَ عشقٍ مُهرَّبةً .. وأيقونَةً سحريَّةً نستدني بها فرحًا كذوبًا لا يجيءُ..!
بأيِّ شيءٍ سُنغرِي قلبَكَ الجرئَ ليعودَ إلى غيِّهِ الطهورِ .. بذكرى أصدقاءٍ لم يعودوا .. أم بحبَّةِ شعرٍ .. أم بنفثةِ عطرٍ ، أم بوجْهِ قصيدةٍ ..!؟
لا شيءَ هنا بإمكانِهِ أن يُغرِي قلبَكَ العزيزَ بالمجيءِ .. ويجرَّ أَنَفَتَهُ البتولَ للذُّوْبَانِ على مصاطبِ البرودِ .. لا شيءَ هنا ، والشِّعْرُ يُغْلِقُ مدائنَ الدَّهْشَةِ على فرحٍ مُصادرٍ ، وَيُلْغِي آخرَ مراسِمِ اللَّهْفَةِ في قلوبِ العاشقينَ ..!؟
كانَ بإمكانِنَا أن نلبسَ للعيدِ أثوابَ اللَّهْفَةِ .. وأن نوهمَ قلوبَنَا الغبيَّةَ بأنَّ ثمَّةَ فرحًا مُرَاودًا ينتظرُ على مداخِلِهَا إذنًا بالوصولِ..
كان بإمكانِنَا أَنْ نرشَّ عطرًا مزيَّفًا على أجسادٍ مهترئةٍ .. وُنَلْصِقَ ابتساماتٍ باهتةً على شَفَاهِ جفَّفَهَا كَذِبُ الأمنياتِ .. وكمَّمَهَا وَجَعُ الحقيقَةِ السَّافِرَةِ .. وأوصدَ أبوابَ حدائقِهَا زيفُ الكلامِ ... كان بإمكانِنَا أنْ نلوِّنَ بالبياضِ المرَاوِغِ بهاتةَ ابتسَامَاتٍ سوَّسَهَا النِّفَاقُ المقيمُ ، ونخرَ أرواحَها سُوْسُ الخداعِ ..
أَيُّهَا الوالجُ إلى تاريخِ الهوى قمرًا وعصفورًا وشاطئَ أحلامٍ .. سندَّعي أننا اشتقْنَا إليكَ .. وإننا منحنَاكَ قلوبَنَا لتحتملَ بها وجعَكَ الجبَّارَ .. وأننا وَقَفْنَا حَياتَنَا الفارِغَةَ على عمرِكَ المباركِ فَوَهَبْنَا لكَ تلكمُ الأعمارَ الخاويَةَ الآيلَةَ أبدًا للانكفاءِ والانطفاءِ .. وَهَبْنَا لكَ هذهِ الأعمارَ الهشَّةَ الجانحةَ أبدًا للخيانةِ لترتِّقَ بها عمرًا يَلِيْقُ بكَ .. عمرًا يستحقُّهُ شَاعِرٌ بحجمِكَ .. وبمزايا قلبِكَ الأمينِ الحزينِ..
سنزعمُ أّنَّنَا قد وهبناكَ أصابِعَنَا المرتعشَةَ ، وأقلامَنَا الكسلى .. وأوراقَنَا التي أقحطَهَا جدبُ الفراغِ لترصُفَ بها دَربًا آمنًا نحوَ السَّماءِ .. وطريقًا مزهرًا إلى الرَّبيعِ .. ومسلكًا سِرِّيَّا إلى قلوبِ العاشقينَ .. ومسربًا مونقًا إلى قلوبِنَا الجوعى للحبِّ والعطرِ والشعرِ والسلامِ..
سنزعمُ أننا رفضْنَا قُبلاتِ حبيباتِنَا .. وأضرْبَنَا عنِ العشقِ المباحِ.. وأحلْنَا أعيادَنَا السَّمِجَةَ المكرَّرَةَ على التَّقَاعِدِ الإِجبارِيِّ المبكِّرِ.. فقد تأخَّرْنا بِقدرِ مليونِ نبضةِ عشقٍ عن رَكبِ الحبِّ المبجَّلِ .. وَسَقَطْنَا لوحدِنَا في هُوَّةِ عَمَى الجمالِ ..!!
سنتوَّهمُ أننا أمسكْنَا عن تعاطي الفرحِ المغشوشِ لمجرِّدِ أنَّةِ شاعرٍ .. وأننا حَبَسْنَا أنفاسَنَا المجَّانيَّةَ تَضَامُنًا معَ قلبِ شاعرٍ عفيفٍ يتوجَّعُ ..
سنزعمُ أننا أطعَمْنَا الحمَامَاتِ النَّائِحَةَ على شبَّاكِنَا قمحَ قلوبِنا .. وأذكينا غناءَهَا بموسيقا أرواحِنَا الدَّافِقَةِ .. فيما كانت تناشدُنا قلبًا شاعرًا بإمكانِهِ أن يترجمَ نواحَهَا إلى هديلٍ..
سندَّعي أَنَّنَا كلُّنَا أصدقاؤكَ الأوفياءُ الأنقياءُ .. وأننا قرأناكَ ونقرؤكَ بذاتِ الحبِّ الذي تكتبُ بِهِ قصائدَكَ الضوئيَّةَ .. ونتلقَّفُهَا بنفسِ الدِّفْءِ الذي تشحنُ بِهِ تفاصيلَهَا .. وبنفسِ العطرِ الذي يزكمُ أرواحَنَا حينَ نتنفَّسُهَا بهِ فجرَ اللَّهَفِ الجميلِ ..
بأن قلوبَنَا تستوعِبُ موسيقَاكَ الفارِهَةَ .. تغويها موسيقا روحِكَ .. وأنَّ كلماتِكَ المبصرَةَ قد أثَّثتْ جدبَ قلوبِنَا بنجوى بوحِهَا المعطَّرِ .. وأننا استوعبنا وجعَكَ .. وخلعْنَا سرابيلَ فرحِنَا عطفًا على قلبِكَ المحبِّ الكبيرِ ..
من يرتِّبُ وجهَ الحلمِ .. ويلقِّنُ صبواتِنا طَرَائِقَ اليقينِ .. ويشفعُ صلواتِنا بنورِ القبولِ .. وسكينةِ القنوتِ.. ورجاحةِ الدعاءِ المقبولِ..
من يدرِّبُ أذواقَنَا الأميَّةَ على فنِّ التلقِّي .. ويُبَلْسِمُ الجراحَ الصَّارِخَةَ الوجعُ .. وَيُهَدِّئُ من رَوْعِ آلامِنَا المستعرَةِ .. من يستعمرُ قلوبَنَا المتوَاطِئَةَ مَعَ الضَّجَرِ الجسوْرِ .. من يرسمُ للوعدِ المتمنِّعِ وَجهَ التحقِّقِ السَّعِيْدِ .. وَيُنْصِتُ لِنَهْنَهَةِ أعمَاقِنَا تتمارى فيها مَوَاجدُ الأسى العميقِ ..!؟ من يُرَبِّتُ على طفلِ أرواحِنَا حينَ يفزعُ ضَجَرًا من وسوسَةِ القنوطِ الكفورِ .. !؟
من يُهَيِّئُ المساءَ الصَّدِيقَ لجلسَةِ سمرٍ بريئةٍ ، وَيُشْعِلُ لِلْمَوَاعِدِ الزَّاهِيَةِ أَصَابِعَ الدَّهْشَةِ الرؤومِ ..
من يَعِدُ ذَاكِرَةَ النَّهَارِ بِشَمْسٍ مُسَالَمَةٍ تغطِّي سَوْءَةَ اللَّيْلِ الفاجرِ بتوتِ أشعتِهَا الذَّهبيَّةِ .. من غيرُكَ أَيُّهَا الشَّاعِرٌ يتسلَّلُ إلى قلوبِنَا شَاعرًا بأسرِهِ يحبو على القلبِ .. يسري إلى القلوبِ كنسمةِ فرحٍ .. كسهم شوقٍ مخاتلٍ فيُسْدِي إليها قَصَائِدَ النَّهَارِ.. يُعيدُ لقوسِ قزحٍ وَجْهَهُ الملوَّنَ ، وللفراشاتِ رفيفَ أجنحَتِهَا السَّاحِرَ .. وْلِلْمَدَى الباهِتِ لونَهُ القرمزيَّ .. وينسبُ الرَّبِيْعَ الصبيَِّ إلى أَحبَّائِهِ العاشقينَ .. يُوبِّنُ قوافلَ الأسى الدَّاهِمِ بنثارِ حنينٍ عسجديٍّ ، وينعى لِلجراحِ أوجاعَهَا الكَافِرَةَ بأغنيَةٍ جهورٍ .. وللنكرانِ وَجْهَ خَيبتِهِ الآبقَةِ .. ويلطمُ خدَّ الكفرِ السَّادِرِ بغشَاوَةِ الْغِوَايَةِ .. وَيَنْسِفُ ليلَ الغيابِ القمئِ بيقينِ الحضورِ المبجَّلِ.. ويعلنُ بيانَ الفرحِ المستديمِ .. يُعِيْدُ منطقةَ الأَشْيَاءِ .. وَيَسْمَحُ للسَّمَاءِ الصَّدِيقةِ أن تتزنَّرَ كلَّ نبضٍ بحزامِ فتنتِهَا القزحيِّ .. وترذِّذُ الأرضَ بريقِ شهوتِها المقدِّسِ .. ويزوِّجُ المواسِمَ المطيرةَ قلوبَ الشُّعَرَاءِ .. ونزواتِ العاشقين.. وأحلامِ الفراشاتِ ..!
ما أحوجَنَا .. ما أحوجَ الحياةَ والقصائدَ لشاعِرٍ مهيبٍ ينسفُ برؤاهُ غشامَةَ الوجعِ .. ويزجرُ بقلبِهِ الكبيرِ دعاياتِ الذهابِ المضبَّبِ ..
شاعرٍ ينبضُ في قلبهِ ألفُ ربيعٍ .. ويتمرجحُ فيهِ موجٌ جسورٌ وشموسٌ وشطآنٌ .. ينصِّبُ في ساريةِ القلبِ وطنًا من حبٍّ .. من ضوءٍ وعطرٍ وأمنياتٍ ، ويرتدي أسماءَنا جميعًا حينَ ندَّعي أننا نحبُّهُ .. ويصدَّقنا على حينِ كذبةٍ من نيَّاتِنَا المراوغَةِ .. وينسى أن يوشوَشَ نفاقَنَا ببعضِ عتابٍ خجولٍ .. وأن يرشَّ على قلوبِنَا المعطَّلةَ قبسًا من روحِ الياسمينِ .. وجدولاً من ضوءِ الأناشيدِ المقدَّسَةِ ..
شاعرٌ يأتي بفرَاهةِ الحلمِ .. وشساعةِ الوطنِ .. وطراوةِ الأحلامِ الورديَّةِ .. في انتظارِهِ سَنُعِيدُ تأهيلَ قلوبِنَا لتليقَ بفرحَةِ عودَتِهِ .. وسنعدِّلُ ساعاتِنَا المتوقِّفةَ على توقيتِ قلبِهِ الدقيقِ .. قبلَ موعدٍ جِدِّيٍّ للخياناتٍ .. قبل مدَّخرٍ مؤجَّلٍ للفواجعِ .. قبلَ قيامةِ الرملِ .. قيامةِ الحياةِ .. قيامةِ القصيدةِ..!
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
8 من 22
مفتاح العماري

بطاقة تعريف..

الاسم: مفتاح أحمد العماري
تاريخ الميلاد: 16/7/1956
مجالات الكتابة: الشعر- النقد – المقالة.

تعريف قصير: من الشعراء الفاعلين في الحركة الثقافية في ليبيا، تولى العديد من المهام في الصحافة، منها: عضو هيئة تحرير بصحيفة الشمس، المشرف على الملحق الثقافي لصحيفة الجماهيرية.. وهو حالياً المشرف على الملف الثقافي بمجلة المؤتمر، وفضاءات بصحيفة الجماهيرية.
* من شعراء ليبيا المتميزين، خاصة وأنه تجربة خاصة، قدمت نصاً صار علامة مسجلة باسمه.

إصدارات:
- 9 قصص قصيرة- قصة (مشتركة)/83
- قيامة الرمل – شعر/92
- كتاب المقامات – شعر/92
- رجل بأسره يمشي وحيداً – شعر/93
- منازل الريح والشوارع والأوتاد – شعر/95
- فصل القراءة والتأويل – نقد/96
- السور-مسرحية (مشتركة)/97
- رحلة الشنفري-شعر/ 2000
- ديك الجن الطرابلسي-شعر/2000
- جنازة باذخة/2002
- مشية الغزال/2004




نماذج من إبداعه..

رحلة الشنفري

لأي شيء يا أرض الحواس
وأنت الكريمة، أم الينابيع وبلاد القوافل
تتركين الذئب الذي علمك مغزى العواء
وحيداً ينهش أحشاءه
ويلوك عظام المخيلة
تتركين الجواد الجامح يكبو بوقار حزين،
في حجارة نزوتك الغاشمة
تأخذين صدرك
وتتركين شعبي يتسكع شريداً بلا مأوى
تأخذين اللوامس والأسماء
وتتركين المتاهات لرحلة عاشق أعمى.

لأي شيءْ
وأنت الجليلة صاحبة السمو
تخطفك فتنة الزهو
وتبتعدين خارج الغيات
بنوازع مسٍ تملئين مخابئ غيرنا
تملئين البياض الآخر
وليل الخرائط
قامتك ألسنة نار مبروكة لشغف الهشيم
بعلو تـقترف رياحها
كأنها وعول هاربة من أبراج الرمل
وآذن الزيت
نار تحرقنا وتضيء نفسها.

لأي شيء
يا ابنة الطيبين
تتركين الجواد الغافل
يكبو بلا أين
والذئب الخائف، يرى فخاخاً لا ترى.

لأي شيء يا فقيدة فمي
يخفك السهو مني
فتأخذين شعرك الثري
مترعاً بفضة البحر
وأنفاس الحدائق
تأخذين البصر
وتتركين الجدران تنمو بحراسها
تتركين صوتي النظيف
يسقط مهزوماً في فراغ ثقيل
يتكاثر بذريته الآبقة
تتركين الأيام الغشيمة مشغولة بأسبابها
عن توق ركابها الضائعين
تتركين الأطفال بلا أم
ترفو مزق الروح
وتطرز للعيد أهلة المباهج
وتخسفين خارج المرافئ
مفتونة برطانة المهرجين
وعادات القراصنة
محاطة بخدمٍ أوفياء
يطعمونك صيد المواسم
ويهشّون عنك ذباب المحطات.

لماذا تأخذين يديك
وتتركين وجهي
وأنا من شدة ولهي بك
صرت عن سواك أعمى
أكتبك بعيون الحكمة الضالة
بلغة مكسورة المقابض
كلماتها سخية بألوان لم توجد
يطوقها حبل معلق
تقرضه فئران الندامات
من ضفة لغمٍ أناديك
يا بلاد الولائم
التي واحاتها مسقط حلم
ومرمى خيال
من وراء نافذة ضيقة
غادرتها طيورها
أرنو بلا جدوى
إلى البواخر وهي من دونك ترسو
بيد مضاءة أطيل النظر من بعيد إليك
وأطلق سراح عبيدي
يهيمون خلفك بمشيئتهم دون سياط
أنت مرضعتهم الأولى
أوصافك تثقل أحلامهم الصغيرة
وأكوابك تفيض بعصير التجارب
وشدو البساتين
من تخوم قري نائية
حيث لا شيء يؤنث
لا شيء اسمه نساء أو حدائق
مشفوعة برعشة الترقب
ودهشة الحقائب الساخنة
مشغول أنا يا حبيبتي بالنظر
من بعيد إليك
أحرس فمك الصغير
مأخوذ بطقس أمومته
أحرس خيالك من عثرات المحبين
وكتابك من تحريف الزنادقة
مشغول بك
أشتهيك منزوعة من المسامير
ليتبدد شعرك المتروك لمشط البراري
وحرة من قضبان الدفاتر
ليغدو جسدك على فطرته
بريئاً من وشاية الخدم
ونزق المراهقين
أريدك قريبة من لهفة كائناتي
من فتية شياطين يتحدون على هيئة فم واحد
وينتشرون عبر المسالك
يقطفون القصائد ناضجة من عناقيدها الصاخبة
ويدحرجون الثمار إلى المخازن
ويغرفون من سرتك ضوء الينابيع
فتية شياطين
ثملوا بخمور الجنة قبل ذويهم
وتعلموا الأسماء قبل اختراع المدارس
دائماً يستيقظون بسكر الحداثة
يحملون في رسائلهم المطر والشرفات
ويتيهون في حكايات بعيدة
بلا أبواب.

فهنيئاً لبلادي التي تنأى
لصاحبة السمو التي وجهها
نزاع بين الرماد والزوبعة
فأنا سأشرب الآن كأسي
وفي الصبح الذي يأتي
أكنس ما تراكم من روث القوافل
وضجيج الرحلة الغابرة.
10‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالجليل.
9 من 22
نصف الجسد ..
نصف الموسيقى

مفتاح العمّاري

(1)
لا بأس يا أمّي  ، أنا بخير  ، وما من شيء يزعجني ،غرفتي دافئة ،والطبيب حاذق والممرضة حنونة .ما من شيء ، فقط سهوت الليلة عن تنظيف  أسناني من نتف الحروف الكسولة ، كأنّي سأدع العبارة التائهة رهنا بمخالب لهفتها، وكلّما وخز الجوع مخيّلتي سألتهم الصور الضالة التي غفل عنها الصيّادون ، ،ثم سأفكّر في إيجاد مخرج من هذا القتام الذي يجثم على صدري/ لعلّي أنقذ ما تبقى من كلمات  ، بلا  أثر  لهروبي /سيبحثون عني تحت سجف الأشعار الغامضة وأقبية المجاز كأجمل أسير لتيه البلاغات وخيانة المعنى  /سيفتّشون في قوائم الموتى و المعاجم والموسوعات  وسجلات الشرطة والسجون والمستشفيات ،
وفي جميع محركات البحث التي في مواقع السماء / لكنهم لن يحصدوا سوى المزيد من  السراب ولن يعرفوا ما إذا كنت من الشهداء أو المفقودين أو في عداد الأسرى /
سأنقرض تماما كأي دينا صور أو خرافة تفسخت أجساد قاطنيها ، وغدت محض غبار من رفات لا اسم له ، غبار  يتطاير حزنا كلما  خدشت مشاعره معاول الأثريين / سأحرّض فاتنات قصيدتي على غواية الجزر المجهولة ..  في كل جزيرة أرسم مملكة جديدة للخيال والمطر / وفي كل غيمة أعتق الأعشاب والأرانب  والقصائد لتصلي على طريقتها / سأترك  أصابعي حرّة  ترقن زغب الفكرة دونما رقيب / أترك ظلالي كلما خفقت أجنحة الرغبة تحلّق لاهبة ، إلى أن يحطّ بها التعب  فتغفو على صدر شرفة  يحرسها قمر وفيّ  . لهذا أكتب الآن ما يتبادر لذاكرة أصابعي من حمّى الساعة /  لم يبق لي غير القصيدة أغوي  بناتها  بعد أن  قفلت جميع  أبوابي التي طالما استقبلت الضيوف والعابرين وأبناء السبيل ،  أبناء الصدف / أخوة الرماد الذين  أطعمتهم ثريد طوافي / لم يبق  غير هذا الرعيل من الأسرى الفارين خارج جحيمهم ، وهم يقفون على عتبة خروجي /   لم يبق سوى أن أهديكم هذا النثر الذي كتبته كيفما يريد / حادسا بأنّي سأتماثل قريبا لهزيمة أورامي/  فلم يبق  شيء أربّيه سوى النسيان / أريد أن أمحو الكثير من الأنين ، وما فاض من عناوين الألم / لاشيء يخيفني الآن كما يخيفني نصفي .لم يبق لي إلا  الوقوف بكبرياء نافضا ما يغزو شراييني من حقن وشكّ وصراخ .و إن يكن ما تبقى : نصف ظلّ يترنح .
يكفي نصف الجسد ، نصف الموسيقى  .

(2)
لم يبق لي إلا ّ أن أعلّق سترتي على مسمار القصيدة ،
وأجلس متـأهبا ألف ليلة وليلة أخرى بلا نوم ،
فقط أفكّر كيف أبرهن لسنة36 20  بأنني أكثر عنادا مما يتوقع الأطباء /
ولن ألتفت  للخمسين صيفا الماضية /
سأبدأ من صفر الحكاية أو من حكاية الصفر /
من طق ، طق .. حيث لا أحد غير مفتاح العماّري داخل  هذا النصف النادر
من الجندي المتروك على حافة منفى/
داخل ثيابي الوحيدة التي  تتّسع  لفخامة الضحك  /
سأحشد كل أسناني لرقن الحروف المنتظرة
لرقن الليل مخلوطا حتى حافته بلغة الحليب ...
لم يبق  إلا أن أرفع قصيدتي عاليا ، لتظلّ مغوية مثل  عاشقين في قارب ثمل ،
وبسيطة وحنونة مثل أمّي
بغض النظر عن هشاشة الضوء ،أو غشاوة البياض الذي يترصد  ظلمة الحكمة
سأتقدّم حاشدا  الجوع  في مقدمة جيشي /
أطلق  النار على  العروض دونما اكتراث بثرثرة الحمقى .
وكلغم من الأظافر الذكية ، أمزّق جلد  المعرفة/

(3)  
تستيقظ امرأتي أو تنام ، هذا شأنها  ،
فسيان عندي أن تضأ نافذة في هذه الحكاية أو تلك/
أن تبتلّ سرّة شهرزاد أو تجفّ /
أن تترهل مخدتها بالدموع  أو تتنفّج بالآهات  /
أن تعطش أوردة ليلها أو تغرق في انهار من العسل
والمنّ والسلوى ..
أن تنصفني حمّالة صدرها أو تشطر غيابي  .
أن تمتلئ قربة شهوتها أو تظمأ قريحة بريدها الالكتروني /
أن تنشر غسيلها على شبكة الأنترنت أو في  كراريس رسم الأطفال .
أن أجد امرأة تصلي لأجلي أو تمطرني باللعنات /
سيان عندي أن يطلق عليّ النقّاد : شاعر حداثة ، أو حذلقة
أن تكتب القصيدة على طريقة الهايكو  أو صوب خليل /
أن تمدح الكلمات صمتها ، أو تنعي خيالها ،
فما من أحد سيلتفت لعبوري
سواء ثرثرت في المقهى أو  ابتهلت مع المصلين في صحن الجامع /
 أن ينادى على اسمي في محافل النجوم  أو في أقبية المرضى /
أن أقف على أقدامي مجددا، أو أسجى في تابوت الخواتم /
أن أجد غيمة مقرورة في جيبي أو حمامة تنوح بين أوراقي
أن استقبل التعازي في موت الشعر أو موت الغابات /
أن أكون مليونيرا أو شحاذا  
أن تعلن حالة الطوارئ  ويحضر التجول في شوارع النت
أو في  بريد المراهقات /
أن يستغفل اللصوص حراس السماء ويسرقون الأمطار
والمجرات وقوس قزح ،
أن يكمن العيارون لقافلتي  وينهبون الحلم والقطن والملح
والأوكسجين وطائرات الورق /
أن يعترض قراصنة  الأثير  شاحنات المعنى /
أن تنتشر الفضائيات أو تختفي  البحار من خارطة الشعر فجأة لتظل النوارس والعصافير والأحلام  عالقة في الفراغ
أن أكون  أو لا أكون في معاجم الشعراء والعشاق
أو حتى في معاجم الصعاليك و سجلات المواليد ...
أن أقيم  في قاع بئر ،  أو على فوهة بركان  /
لا بأس  ..
عندي ما يكفي من السديم  و خزائن الثريا .

(4)
لم يبق  شيء يمكنه أن يكون  صفة أو شطيرة خيال
أو قبلة تحتفظ برحيق مودّتها /
لا شيء في السرير يزعجني غير نصفي.
لن أحتفظ بعد الآن بتفاحة  في القصيدة أو وردة في كتاب مندّى /
ساترك أنامل حبيبتي لحبيبتي  /
وفم عشقي للغبار  .
لأنّي قررت طرد نصفي  من نصفي
فاصدا كل أوردته وحباله الصوتية من شعري  وتاريخي  /
سأكون العارف الذي لا يعرف الموت حياتي .
..................................
هذه القصيدة لك يا شقيقة نومي ،
خذيها كي تطير  .

(5)
لم يبق سوى أن أبقى نبيذا لا أحد  /  
لست أدري ،  تاه  يساري  ،
أو ضلّ يميني يا فقيدي لا  احد /
لا ، لن أطرق الباب مرة أخرى ،
ودعني ، فلا أرى  في ما أرى ، شرق ظلي /
تاه التفاح عن تيهي  
وهذه الصحراء أضحت ضيقة على حلمي النحيل ،
وقصيدتي ، لا  .........  
لا تحتمل قصيدتي جراحة  أخرى ،
تبدّد نصف توقي  ونصف تاريخي بين طرابلس وروما .
لم يبق شيء في ما  تبقّى
غير هذا النثر من نصف الجسد .
18‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
10 من 22
http://images.google.com/images?q=tbn:-YDyVSeIepVXyM:blogs-static.maktoob.com/userFiles/m/o/moghrabi/images/204image.jpeg
18‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
11 من 22
وَهْمُ الْخَيَاْلِ فِيْ شِعْرِ مِفْتَاْحِ الْعَمَّاْرِي




محمد عبد الرضا شياع
m_sheaah@yahoo.com  
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      
لقد ظلّ الخيال بعيداً عن قبضة اليد الباحثة عن إضاءة محجّات الوصول إليه، ووضع العلامات البانية لماهيّته، وظلّت – كذلك - زحزحة الحدود بين الخيال والتّخييل والتّخيّل تعيش لذّة العتمة الّتي تنشر بهاءها بين المبدع والمتلقّي اللذين يمارسان لعبة الاتّصال والانفصال في بناء النّصّ الإبداعيّ وفي إنتاج دلالته. ولعلّ الانتقال من وضعيّة الحديث عن المعطيات النّظريّة إلى قراءة النّصوص الإبداعيّة يضع المتلقّي في مشهد القراءة منقاداً بوهم الخيال حيث تنكتب نصوص الشّعراء، كون النّصوص الإبداعيّة لا تقول ما يجب أن ينقال، وبذلك تجعل مهمّة القارئ ماثلة في قراءة مالم يُقرأ، على اعتبار أنّ الكتابة والقراءة صنوان لعنوان واحد هو الكتابة المنجزة بفعل القراءة، والقراءة المنجزة بفعل الكتابة، فقد يجري هذا كلّه في منطقة الفراغ الّتي تغيب فيها الدّلالة ما لم يقد إليها الوهم المتّشح بثوب الخيال.
هكذا نجد الشّاعر مفتاح العمّاري مبحراً عبر الخيال، وهو يحاول الإفلات من سلطة العقل؛ ليشاطر الذّات رغبتها في البوح عن فعل ولادة الكتابة الشّعريّة من خلال القصيدة الموسومة بـ (( مسامير ))(1) والّتي تتقاسمها أربعة مقاطع شعريّة تتّسم بالاستقلاليّة والتّفاعل في آن، معربة عن قدرتها الفرديّة في تحقيق التّطلّع الشّعريّ، وفي تفاعلها الكلّيّ تجسيداً لكيان إبداعيّ يعلن عن صيرورة انبناء القصيدة وإنجاز فعلها الدّلاليّ الّذي يأخذ عمقه وامتداده من سلطة العنوان المحمّل بإرث معرفيّ قد يمتدّ في معناه إلى أوّل إنجاز حقّقه الإنسان بملامسة وعي الكتابة يوم اكتشف حرفها الأوّل.
تنمّ هاته القصيدة في مقاطعها الأربعة بأنّ هناك برزخاً شفيفاً بين الواقع والمتخيّل، بينهما فقط تولد هاته القصيدة الّتي تترقّب نموَّها الذّاتُ الكاتبةُ، متطلّعة إلى الإخبار عن هذا النّموّ بلغة الشّعر لا بسواها. وهذا لا يعني أنّ العمّاري يطمح لأن يقدّم بياناً لوظيفة الشّعر، إنّما هو منغرس في وعي القصيدة ومنابتها البعيدة الّتي لا يمكن ملامسة أهدابها الحالمة بعيداً عن التّخيّل الّذي يبقى فيه تكثيف حضور الذّات الكاتبة سرّاً من أسرار حركة النّصّ الشّعريّ وتعاقب دلالاته الملتفّة حول شجرة نسبها: القصيدة.
هنا والآن يمكن الاقتراب من مشهد الفتنة الجماليّة الّتي بذرها العمّاري ببذور اللذّة النّصّيّة المتطلّعة إلى بناء سحر المشهد الشّعريّ في الومضات البانية لهيكل القصيدة وروحها، منتظرة إعادة إنتاج ممّا هو آت لمصاحبة سيمفونيّة فتنة الخيال الّتي خطّ العمّاري حدودها بالكلمات:

1

هُنَا علّمني الشِّعر
السّفرَ داخل الغرفة
فصار وطني في لُغتي
كلّ يوم أرتِّبُ خيالَهُ
وأعالجُ مساميرَه الصّدئة.(2)
إنّ انكشاف الصّورة في هذا المشهد لا يقدّم قراءة ناقصة وإن كانت هاته الصّورة عبوراً نافذاً للصّور الأخرى الّتي انبنت القصيدة بها. إذ إنّ التّصوّر الشّعريّ هنا يفضي بلذّة المشاركة بين الذّات الكاتبة وكتابتها المشيَّدة بالكلمات البانية لشكل النّصّ الخارجيّ، وبدلالاتها المنبثقة من داخل النّصّ، معلنة عن أسرار الارتباط بين الواقع والمتخيّل، ومن ثَمَّ بين النّصّيّ والخارج النّصّيّ، وأخيراً بين الوعي واللاوعي الممتدّين بين القصيدة وكاتبها.
هكذا تعرب هاته الومضة عن زمن الكتابة الّذي يقدّم دعوة الرّحيل للذّات الكاتبة إلى الكهوف السّرّيّة للقصيدة، حيث الكلّ ينبني بالكلّ، وإنّ النّظرة الجزئيّة لهاته الومضة لا تعني الانفصال، وإنّما هي تجسير لأفق الانتظار وامتداد له، فينبثق المعنى من بين أحضان الكتابة؛ لتنوجد الدّلالة في عناق قراءة النّصّ، إذ إنّ هاته الومضة تنتج معناها الخاصّ في بنائها، فتولد الدّلالة في أحداق الآخر الّذي يعيش شغب الانتظار المُنْتَجِ بفعل الكتابة ليتعلّم درس الكتابة الشّعريّة، وكيف عبّر عنه العمّاري بألفة المعاشرة وصخبها حين أفصح عن وظيفة الشّعر المجازيّة في هذا الانبناء وكيف أنّ ( السّفرَ داخل الغرفة ) يعني الرّحيل داخل الذّات الكاتبة، ليكون وطن الشّاعر مصوغاً بشغف التّحوّل حين تغدو اللغة وطناً، ويصير الوطن لغة:( فصار وطني في لُغتي ) فيعود الشّاعر إلى ذاته ليتأمّل بعينين مغمضتين باطنه الشّعريّ؛ ليتمكّن من الإمساك بأهداب الخيال المهاجر بعيداً في لغة الشّعر:( كلّ يوم أرتِّبُ خيالَهُ ) حيث المنبع الأوّل للغة الكتابة:( وأعالجُ مساميرَه الصّدئة ) معلناً أنّ هناك وعياً في الخارج الذّاتيّ قادراً على الاستجابة لإضفاء بهجة المشاركة بين الدّاخل والخارج؛ ليكشف الشّعر من الدّاخل عن سرّ وجوده، وكأنّه يرصد المشهد من الخارج بعين لها قدرة النّفاذ، مبرهناً على أنّ الحديث عن الكتابة الشّعريّة هو انبناء باللغة، وحضور لها عبر شرائط فعاليّة التّخيّل الّتي لا تغيب عنها تشوّفات الذّات الكاتبة.

2
خائباً وحزيناً
أقفُ على رصيفٍ صاخب
أنظرُ إلى النّساءِ الجميلات
وهنّ يعبرْنَ من دوني.(3)
يفصح هذا النّصّ بأنّ العمّاري لا يشعر بعقدة النّقص وهو يمارس فعل البوح بمعاناة الذّات الكاتبة ومكابدتها في القبض على أضواء القصيدة الفارّة من قبضة الرّوح، تاركة إيّاها تعيش حالة صراع هائل كأنّه الهذيان، على الرّغم من أنّ الشّاعر قد اعتمد نظاماً لغويّاً خضوعاً لمنطق النّحو في توصيف الأشياء، (( لأنّ منطق النّحو في حديث اللغة عن الأشياء، لا يحوّل اللغة إلى أشياء، ولكنّه يحوّل الأشياء إلى لغة. وبذلك يحافظ نظامها على ذاته، ويكتسب صحّة من أدائه وإنجازه.))(4) هاته هي العتبة الأولى للانبناء اللغويّ الّذي مارس تنفيذه الشّاعر، بيد أنّ القراءة المعمّقة تعانق العتبة الثّانية للانبناء اللغويّ، فتجد الشّاعر قد استخدم لغة المجاز لبناء الصّورة الشّعريّة المفصحة عن هذا البوح، لأنّ الشّاعر لم يُقدِم على الوصف المباشر للأشياء، وإنّما جنح إلى الرّمز الّذي يُعدّ (( أداة لتوصيل تجربة المؤلّف الثّريّة للحياة.))(5) حيث يكشف عن أعماق الإنسان وأنّاته الدّفينة الّتي تعانق الكون وامتداداته داخل الزّمان وخارجه، (( وتمتدّ المعرفة الرّمزيّة إلى كلّ ما يمكن أن يعرفه الإنسان.))(6) مادامت الذّات الإنسانيّة قادرة على ارتياد المجهول.
من الملاحظ أنّ الشّاعر يبدأ هاته الومضة الشّعريّة معبّراً عن حالة الذّات الكاتبة الّتي تنتظر حالة التّداعي بشغف وألم، وكأنّها تقف على جمر التّرقّب الّذي تحلّ فيه الكلمات ضيفاً حميماً على مباهجها المفتقدة، بيد أنّ هاته الكلمات الّتي يطارد الشّاعر أطياف زمنها تمرّ دون التّلفّت إليه:( أنظرُ إلى النّساءِ الجميلات/وهنّ يعبرْنَ من دوني ). هكذا جنح الشّاعر إلى لغة المجاز ليحمّل نصّه بعداً رمزيّاً ينحاز فيه الواقع إلى الخيال؛ ليكتسب سمة الشّعريّة الّتي هي تجسيد لحواسّ الشّاعر ووجود أوّليّ لفعل الكتابة، فتكون – حينئذ – هاته الومضة الشّعريّة انكشافاً لحالة الذّات الكاتبة وسفرها في أمواج الخيال الّتي يلتقي فيه الخاصّ بالعامّ، والفرديّ بالجماعيّ؛ ليتجذّر الجميع في تربة الكتابة الشّعريّة الّتي لا تبادلهم فيها لغة الشّعر أنخاب السّمر، لأنّها لا تتخصّب بعيداً عن فعل المعاناة.



3
أُحبّكِ وأنتِ حارّة
وأنت غاضبة
تتقدّمكِ العواصفُ
وأنتِ مشغولة بصخبِ المهرّجين
غافلةً أَلَم الشَّاعِر
الّذي يمْلأُ فراغكِ بالموسيقا
ويحيكُ غيابَكِ
بإبرةِ الخيال.(7)
لم يركن الشّاعر إلى ظلّه البارد، ويتأمّل رحيل قافلة الكلمات بتذمّر وإعياء، وإنّما يلتذّ باحتضان حبّات غبار رحلتها المتطاير متلمّساً فيه حرارة القصيدة واتّقادها، وربّما توحي الأبيات الخمسة الأولى من هاته الومضة بسمة سايكولوجيّة وشمت الشّخصيّة العربيّة الّتي تحبّ الفرس الجموح، هذا ما كان يقوله العربيّ وهو يبحث عن ظلّ حبيبة قد لا يرى لها طيفاً في الخيال، بيد أنّ هذا لا يعني بالمفهوم السّايكولوجيّ أنّ أصحاب هاته الرّؤية هم ماسوشيّون(8) يلتذّون بالألم، وربّما هي لذّة المعاناة الّتي يعيشها العاشق – الشّاعر لحظة المكابدة للوصول إلى الحبيبة – القصيدة وإن كانت ترفل بالتّمنّع واللامبالاة حالمة بنرجسيّتها الحميمة. من هنا نجد الشّاعر يعبّر تعبيراً دقيقاً عن حالة الذّات الكاتبة في الأبيات الثّلاثة الأخيرة لهاته الومضة، والّتي تُعدّ امتداداً واستجابة للأبيات السّابقة، فيكون المعطى الشّعريّ مركّباً من السّلب والإيجاب، وربّما ينصهر هذان العنصران في بوتقة الممارسة الشّعريّة؛ ليكونا عنواناً لكتابة القصيدة الّتي تمتصّ ماء وجودها من سحر شهدهما الحافل بالملمح النّفسيّ للكتابة وللكاتب معاً.
4
في هذه القصيدة
ثَمّة قَتلى يمرحون
ترتدي رُفَاتُهم
أحذيةً جديدة.(9)
تنطوي هاته الومضة على ثلاث مفارقات هي: التّقريريّة، والخيال، والوهم، إذ تشكّل مجتمعة البناء الفنّيّ لهذا النّصّ بمستويات تأخذ شكلاً متبايناً بحسب القراءة الّتي تستدعي الملاحظ إلى فضائها. فالتّقريريّة جاءت خضوعة لسلطة الوعي، وللتّدفّق الشّعوريّ الّذي انقاد له الشّاعر، حيث لم يتمكّن من مسايرة حركة القصيدة الدّاخليّة، والحفاظ على أسرارها، فصرّح باسم الكائن الّذي يشاركه لذّة التّدفّق:( في هذه القصيدة ) ويكون بهذا قد ألغى تذاكر دعوة المتلقّي الباحث عن أسرار النّصّ والكشف عن أعماقه، فانزلق المشهد من الغموض إلى الوضوح، وهاته مؤاخذة تُسجّل على الشّاعر، لأنّه لم يتمكّن من حبس أنفاسه داخل حركة النّصّ الّتي تضاهي حركة النّفس الدّاخليّة، لكن هاته الملاحظة لا تسلب كلّ شيء من يد الشّاعر، لأنّ المفارقة الثّانية ( الخيال ) مفعمة بالشّعريّة حيث ترتقي بالنّصّ إلى قمّة الهرم الشّعريّ، إذ في الخيال لا في سواه ينصهر كلّ شيء، هذا ما تجلّى في البيت الثّاني:( ثَمّة قَتلى يمرحون ) حتّى إنّه يقود القصيدة والقارئ معاً إلى المفارقة الثّالثة ( الوهم ) الماثلة في البيتين الأخيرين:( ترتدي رُفَاتُهم/أحذيةً جديدة ). وهنا يكتمل البناء الكلّيّ للنّصّ الّذي كان فيه مفتاح العمّاري دليلاً للقراءة الباحثة عن دلالة النّصّ، لأنّ العمّاري عرض وعياً شعريّاً قائماً على ثنائيّة البوح والتّأمّل الّتي تعانق فيها القصيدة حدود الوجود، فتولد محمّلة بالومض الشّعريّ الّذي لا يُنجز إلاّ بالخيال.
إذا كان الشّاعر دليلاً للقصيدة وللقارئ؛ القصيدة نحو انبنائها، والقارئ باتّجاه القبض على دلالات هاته القصيدة، فهذا لا يعني أنّ الشّاعر يعيش خارج أسوار النّصّ، فهو بعد أن تخطّى العتبة الأولى ( التّقريريّة ) يكون قد عاش في أتون اتّقاد القصيدة وتوهّجها الدّاخليّ، فتتحقّق – وقتئذ - كينونة النّصّ الشّعريّة المتّجهة نحو الخفاء: الغموض. وبين هذين العنصرين يتجلّى اللقاء الشّعريّ المتمثّل بالشّاعر والنّصّ والقارئ، فيسهمون معاً في بناء لذّة المشاركة المعبّأة بالتّجربة الشّعريّة المكوكبة بالإشارات والرّموز والإيحاءات، الأمر الّذي يجعل هاته القصيدة - بنصوصها الأربعة - متقدّمة نحو برزخها الشّفيف المتناوس بين الواقع والخيال. فإذا كان الواقع يجود بالمعطيات المادّيّة، فإنّ الخيال يوحي ويومئ ويثير الدّهشة والانفعال، فتأنس القراءة بمتابعة هالة الومض الّتي جادت وتجود بها قصيدة (مسامير) دون أن تبوح بكلّ أسرارها على الرّغم من حركتها التّصاعديّة الّتي تجعل الخيال فتنة للألق.


الهوامش:
1_ مفتاح العمّاري_ مشية الآسر ( شعر )، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثّقافيّ_ الجماهيريّة، الطّبعة الأولى، 2004م، ص: 35. انظر ترجمة الشّاعر في عبدالله سالم مليطان_ معجم الأدباء والكتّاب الليبيّين المعاصرين، الجزء الأوّل، دار مداد للطّباعة والنّشر والتّوزيع والإنتاج الفنّيّ، طرابلس، الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشّعبيّة الاشتراكيّة العظمى، الطّبعة الأولى، 2001م، ص ص: 285_286.
2_ مفتاح العمّاري_ مشية الآسر، مصدر سابق، ص: 35.
3_ المصدر السّابق، ص: 36.
4_ منذر عيّاشي_ الكتابة الثّانية وفاتحة المتعة، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت_الدّار البيضاء، الطّبعة الأولى، 1998م، ص: 53.
5_ ج. روبرث بارت، اليسوعي_ الخيال الرّمزيّ: كولريدج والتّقليد الرّومانسيّ، ترجمة: عيسى علي العاكوب، مراجعة: خليفة عيسى العزّابي، الهيئة القوميّة للبحث العلميّ، معهد الإنماء العربيّ، طرابلس_ليبيا، الطّبعة الأولى، 1992م، ص: 19.
6_ المرجع السّابق، الصّفحة ذاتها.
7_ مفتاح العمّاري_ مشية الآسر، مصدر سابق، ص ص: 36_37.
8_ الماسوشي masochist: المرء الّذي يتلذّذ بتعذيب يُنزله به رفيقه. تلذّذ المرء باضطهاد... إلخ يُنزل به، انظر: منير البعلبكي_ المورد: قاموس إنكليزي-عربي، دار العلم للملايين، بيروت، 1998م، ص: 562.
9_ مفتاح العمّاري_ مشية الآسر، مصدر سابق، ص ص: 37_38.
21‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
12 من 22
مفتاح العمّاري





رجل بأسره يمشي وحيدا





شعر









 
الناشر
دار غربة / بيروت

طبعة أولى  1993


















الإهداء :
الى لطيفة
والى أ طفالي  لينا وريما ووعد وأ حمد

















__________________    الشيطانة  النائمة            

كما لو أ نني أ هذي
رأ يتك أ يتها الشاردة وأ نت تهتفين نحوي
توقف أ يها الجندي .

كما لو أ نني أ حلم
أ نزع معطفي العسكري
و أ جلس قريبا من شواطئك القاسية
أ فكر فيك بحواس مرتبكة
وحزن شفيف .


أنت يا صديقتي الماكرة
ياشيطانة الشعر الذي يولد
لكي يرضعك
بأ ي مستقبل سأ فكر فيك  ؟




فا لذي يخطفك يكون شبيها لرغبتك في اللعب
مقطوعا من شجرة منقرضة
حتى لا يعاوده الحنين الى أ مه
مختلفا عن أ قرانه
يدخلك متأبطا هدوءه الحالم
شاعرا
يقود الخيال من أ ذنيه .
هذا  الخجول الفاحش
قريني الذي
خانني
علمني كيف أ هوى
وكيف أ عبر واثقا باتجاهك
في وداعة الأ سرى  .
لأكون أول وافد يضع حدا لهيمنة العطش
أ هبط الى شوارعك الحارة
الخانقة أوهام عابريها
في ظهيرة طاغية جدا ، والهواء يترنح
بأ سنان وسخة وفم كريه
طاغية تراوح كسلحفاة مقلوبة على قفاها

**

الذي مر ليس مثلي .
له رغبة حصان عجوز
رغبة نافذة معطلة .

ليس مثلي
الشاعر الذي رافق العسكريين
وهم يقفزون من الشقوق
وأ رفف الغبار .

مثلي من يخطفك بعيدا
حيث لا أ حد يطرق الباب سوانا أ يتها
الأ مّارة   بكل الغوايات .

الغامضة لأنها تضحك دائما
وتعدّ القهوة للأصدقاء
المستبدة :  تهب المستقبل عصير أ نوثتها
أ حبها ياربي
هذه الشيطانة الجميلة النائمة في سريري
بشعرها الجامح
وقامتها السادرة في المعصية .


بشعرها الذي ربته مشاغبا
علمته الرماية وركوب الخيل .

الحنونة
حاضنة الفصائد والشهوات .
لم تولد بعد  /   حين ذهبت    الى الحرب
لم توجد الحرية  الفاتنة
لكي أ قبلها أ مام المسجد
في نهار  كبير وزاحم .
أ غازلها داخل السوق  كأ ننا وحدنا .
لم أ دخل المدينة بعد
كبدوي خاسر .

فترفقي .
ما من ذكر ليس مشروطا بك .
كلهم  يشتهونك  مقشرة فوق المائدة
مفروكة بالعطر
مبللة بمزيد من صراخك الفتي .

لكن ما من أ حد يقوى على هزيمتك
لأ نك عصارة كروم متوحشة  .

أيتها البدوية المدللة
الطفلة المسنة المأ خوذة باللعب .
المرأة الضالة
الابنة الوحيدة في سلالة الذكور .
العنيدة
فقدت نصف سكانها لتكون هي /
وتبقى
معركتي المؤجلة
الآمرة بالتوقف  

:  استعد أ يها الجندي
أنا خندقك الأ خير  .
فتزوّد لحربك المؤبدة
بنار لا تأفل
وهواء لا يحترق .


أنت المنزوعة سلفا لأجلي  /
المقتلعة بسطوة الريح
لكي أ كون الى جوارك أ بدا
أ هربك خلسة من حلم الى آ خر
ياوشمي التائه بين الدلالات
يالغتي التي تجدد قاطنيها .
ويا أمي الصغيرة جدا .

أنا المغرور بك  /
العابر  مكتفيا بنفسه  / لأ نك معي  .
لأنك امرأ ة  تشبه نفسها /
لم أ رها تخاف الغد أ و  تشتكيه   .
أسمها يكفيها لأ ثارة الفتنة .
عنقها رحيل لا يفسر.
وعنقها سعيد لأنه
عنقها .

عيناها يرتبك فيهما المعنى.
وفمها يبشّر المؤمنين بالجنة
حيث يقف العابد خاشعا
:  شكرا يا ربي على اختراع النبيذ والفاكهة .

يداها  ....
أعترف أ ني حين لمست احدى يديها
أ رتجفت مثل بلاد خائفة من شغب
عاشقيها ......

قالت :
       توقف أ يها الجندي
أ ن تذهب بعيدا
يغدو الضحك مقلوبا
ويصير صدري بل مأ وى .

قلت :
لمثلك  يتطوع الخيال فدائيا /
يكرس حواسه لمشيئتك وحدها
ولأ جلك ترتكب المؤامرات
ويغدو كل شيء ممكنا ؛
-  المستقبل بثياب نظيفة
   وغرف مرتبة .
  المقاهي تسترد أ مسياتها الحميمة ،
  والكلام براءته العابرة  .

**

_  توقف أ يها الجندي
لست مدينة مستباحة
لكي تحتلني
ثم تنسحب حين تشاء .

قلت :
أ حبك أيتها الكافرة  
سأهبك ما تبقى من شعبي
ليزرع حواسك بالقبلات  .


*   أ حبها ياربي
لها اذا أ رادت
رعايا هذا الجسد


عبيد طيعون


يرتبون لها العالم  كما تشاء ..
فساعدني يا ربي على بلواي  /
أنا الفتى الخائف
الشاب العربيد
العابر الضروري
الضيف  خالق الوقت والمسرات
الزوج الآ بق الوفي
والولد الشقي
حامل الأ لعاب والمطر ..

ساعدني
قبل أ ن أ خسر مفاتيح بيتي

:   كان بيتي  قريبا من بحر لا أ راه
شرفته تطل    على محطة الحافلات ،
وباعة الحسر والأ غطية  .

   كان بيتي  بعيدا


_   ساعدني
لكي أ قول :
أرجو المعذرة
أ يتها البنت العاقة
يافتنة الشعراء
ياقبلة التجار والقراصنة

لأ ني  الليلة  حلمت كثيرا
فأ متزجت ألوانك بي  ..

كأن أراك
بين  عيني وبيني
ولا أ مشي الا  بك .

وأني كبرت كثيرا
وشطحت كثيرا

فصنعت لك
نهرا بحجم الحصير   /
وشيدت وطنا
فوق المخدة  .



___________   بسيطا وكفى

بسيطا وكفى
لي بيت
أقصى مما تشتهيه الحروب
وأبعد من منازل الحدس طريقي .

بسيطا أ قبل أطفالي كل صباح
أشتري لهم الورق والأ قلام  .
وأفرح  حين أ راهم يرسمون
فراشات ملونة
وشموسا جذلى  .

بسيطا أ بتكر أ لعابا ل " وعد "
وقهوة نظيفة للأصدقاء  .



____________   غزل  

عيناك مشية قمر سكران
نصفه  حلم معتَق
نصفه الآخر عسل
وقلبى مركز الدائرة

عيناك مشية ليل وحيد
مشية جيوش ارملة
مشية إمبراطور خجول
طريقان للكارثة  

أنا آخر جندى فى  طابور  الأسرى  
حافياً   أسير على   خُطى  السهروردى
بيدين   خاسرتين
ألملمك من دورة الزوبعة

قامتان  لمشية الفاكهة
صدرك الذي أينما يذهب
يصالح الضوء
استدارة الظلام

ينفجر في دمي
عواء الريح
وتنهض فحولة العاصفة

قامتان لعطر ثرثار

قلقتان
لأ ن الشوارع تستعير دخان حرائق أ خرى
وتنتعل أ حذية خائنة .

مغرورتان
لأن الحرية بيتي
الذي فيه كل شيء
عدا السقف
والمدفأة

:   مرة  
حين  عاد الجندي
ولم يجد حطبا في المدفأة
أ حرق حذاءه  الثقيل  
ونام .

*  قامتان لمشية الفاكهة
هما تفاحتا وعد قديم
تتمردان  على شجرة العائلة
هما كأ سان للحظ
تكفيان لأ ن يسقط الوهم هنا
في الليل الذي يشبه عزلته
هنا
الشعراء  يبتكرون أ جنحة للضوء  :


ثلاثة أ طفال
من حبر نظيف
صنعوا قمرا شابا
قذفوا  به الى السماء  .

أ كبرهم كان جنديا .
حين كثرت أ سباب الظلمة
اكتشفوا أ ن الظل
هواء ضروري
وأ ن السكوت قفص آ خر للخيال .


قامتان لمشية الفاكهة
أينما يذهب صدرك
ينسحب المعنى بعيدا
تاركا أ مبراطوريته
مرتعا للشعراء وحدهم


صدرك أ يتها الغامضة
قامة للتوق الذي كاننا
قامة للمعرفة  .

            (  طرابلس : شتا ء  1990 )


____________    منازل  فسيحة

الليلة وقفت طويلا أ مام المرآ ة
كان صدري يقاسمك العالم.
نمشي بهدوء  أرستقراطي
كلانا ملتصقا بالآخر .

**

وأنت معي
تبني اللغة  منازل فسيحة لوقت أ ليف
ويصير لا أ حد في المدى
فقط
أنت الصوت
والنساء من خلفك الصدى .








______  رجل بأسره يمشي وحيدا

*   وحيدا مكتفيا بالذي أنا
بالذي  جسدي في الثياب  البسيطة
أ ركض  كما  لو أن البروق  أحذيتي                              

و حيدا  أ عوي
:   أ يتها  الذ ئبة
خذ يني  من فمي .

بعيدا  عن صد رك  
يغد و  كل شيء  في  غاية الفساد  والأ بهة

:   العصافير ترتدي خوفها الغامض
والشرفات تهذ ي  بشموس منقرضة .





*   وحيدا
كل ليلة
بأذنين خائفتين
أ ترقب سقوط بيتي .

_   خذ يني من فمي
أ يتها  الذ ئبة بدأت أتعب
من  زوجتي  
حين  ترتّبني  يداها  بخيال واثق

_   قم  ياعزيزي  طلع الصباح ،بد أ ت
أ تعب  .
من أطفالي وهم يكبرون
دون ألعاب وحلوى

من مؤامرة المياه
في أحيائنا الرثة
مالحة وتهرب
بدأ ت أ تعب


من البدو  وهم يقتحمون الشوارع
بسراويل الجينز  ....

كل شيء في غاية الفساد والأ بهة
لا الطمأ نينة سقف
ولا النساء  هن النساء


وحيدا وكفى
باطل  كل حلم لايفضي الي
وكل احتفال بموتي هراء .

الحبر مملكتي
دائما لي خبر أسميه
أ لون مدينة أطفالها
          لا يعطشون

وأ رسم امرأة أخرى
وربما أ لعب بالنار التي ليست معي
ثم وحيدا أ عوي

     : أيتها الذ ئبة
خذ يني من فمي  .

**  



ثلاثون صيفا
حافيا  يأ تي المساء

كان لي جسدا هنا ويدين
وكانت نافذتي معي

:   قمر يسكب شكله على أمي
و أ نا لست أفهم
لماذا كان الحب سريا للحدّ  الذي
صرت فيه لست أ فهم.    

دليني يا أمي علي ..
قالت :  مرضعتي الريح  فا تئد ،
لا حليب في القدح
لكي تشرب  .

قلت : لابأ س
سأ كتفي بخيالي الأ وحد
وليكن  كل شيء
في غاية الفساد والأ بهة
فنحن هادئون
هادئون جدا
دائما نركب الحافلة
نعبر إلى اليوم الذي يلي
حيث الوجوه تنظر حائرة الى
ظلي وتفكر :
رجل بأ سره
يمشي  وحيدا ..
يعوي  :
         أيتها الذ ئبة  
         خذيني  من فمي  .  

طرابلس : ربيع 1991

                         
____________________    فرح      


ياسيد ي
الوساد ة  فكرة طيبة للرحيل
فلك أ ن تقطف العنب  الآ ن
وأ ن  تحتكر الشمس اذا شئت

   فكل  الحقول التي
عالجها خيالك في السر
 اجتمعت  خمورها في فمي .


                        طرابلس  1987













____________________     الحافلة    

لا أ حد يذهب  
لا أ حد يجيء
فقط أ ربعة أ شخاص في الحافلة

امرأ ة ورجلان
وصبية في العاشرة
تحب الموسيقى والرحلات  .
المرأة تحكي عن اخر مسرحية للجنون
وتضحك ملء الذاكرة .

*   لا أ حد يذهب
لا أ حد يجيء
فقط أ ربعة أ شخاص في الحافلة
امرأ ة ورجلان
وصبية في العاشرة
متعبة بعض الشيء
ربما لأ ن أباها
سقط سهوا من حكاية الطريق .

لا أ حد يذهب
لا ا حد يجيء
وأ نا الضاج كقنبلة موقوتة في صالة رقص
أ توهم قيادة العالم
حين أ نظر الى المرأ ة الجالسة على
مرمى الآ ذن
أ توجس لعبة غامضة

: كان الثد ي  هاتفا بالرغبة
يقتفي تعاسة فمي
حيث  ثمة  صحراء  تغرق في الهذيان
والحروب الخاسرة  .



لا أ حد يذهب
لا أ حد يجيء
رتّقت لغتي برباطة الجأش

ربما أ كثر
ربما أقل

ثم حزمت هزائمي
وأ طلقت سراح يدي  .
**

في الصباح
توقفت الحافلة
الحمالون أصيبوا  بصدمة الحقائب
الغائبة

الزوجات البائسات كن أ كثر
أ ستياء  .

قلت  :
أ رجو المعذرة
ومشيت  .  

تونس صيف 1988





_____________________   رغبة

بأ صابع منزوعة الذاكرة
أ جهش بأ مرأة تغامر ضدي .

ننام على سرير الزوبعة  
أ غطيها بخيال مراهق  
وحلم نظيف

**  

امرأة تحبني وتغامر ضدي
وليل كثير

نضرب الشمس على قفاها
لتذهب الى غرف أخرى .






__________  شطحات   :  

__________________________      مؤامرة    

*  لأمر في نفسه
غادرني وجهي .

لأمر في النساء
غادرني قلبي.      

ولأمر في الخمر
صار لزاما علي
طاعة الأمر .







______________________    لعب

*   ألعب    
لأنني أعشق أن أموت
في اللعب

تارة أراوغ الريح
وتارة أدبّر هلاكا لتلك التي
أراودها في التعب

وهكذا
يحدث أن أموت
في اللعب .








_______________________   صديق

*   كان صديقي يشبه الذي كان  .
رمينا شباك الشعر رميتين .

:  سمكة في خيال الجائع
امرأة قلقة في جسد الرجل الواهم
خمر في الجنة للذين
اتقوا  الحب مرتين .


كان صديقي يشبه الذي كان.
وحين تباعدنا
باعدتنا النساء.

ولكي أعاود الصيد
سحبت شباكي
ورتقت مزقتين
:  مزقة باتساع الفم
ومزقة في شراهة العين .





















________________________    من احوال  النار    

حين تتشابه أسنان المشط      
وأسنان الذئب
:  ترتبك اليد في أمر الرغيف    
والشمس في أحوال  النهار                  
والجمر    
يتآ مر  على  روعة الجمر.            

إذن   مزيفة  هي النار التي              
تأكل نفسها    ولا تضيء  .            


________________________    نساء            


أ جمل ما في النساء                  
كونهن  نساء .                          

أجمل ما في  الكلام                  
اعراب  النون
وتصريف التاء

وأجمل ما في  الشعراء
نسونة  العالم
وتأنيث الأ شياء  .



________________________     شعراء


لنا في هذا  الوطن شجرة  
في الشجرة  عصفور  
ربما تشبهه العصافير
له رئة ولسان وجناحان
من أحواله أن يغني
باتساع الشمس
والمطر
    والعاصفة
وأن يطير
بلون الرغبة المطلقة .

لنا في هذا الوطن شجرة
في الشجرة عصفور
وان يكن ثمة فخاخ
وبنادق صيد

فللعصفور أغنية وجناحان
وللعصفور أن سقط
دم يرحل قويا في الشجرة .













_________________________     مقهى

ضحكنا كثيرا في المقهى .
كان المخبر يجلس مرتبكا
خلف جريدته
يذوّب سكرا في كأس خائفة من فمها
وحين مرّ النادل
قريبا من ضحكتنا
طلبنا قهوة  أخرى.                
                          ( شتاء 1987 )    












________________________   جمرة  الله    


انطفأت جمرة الله في رأسي
هي من فخخني
: عينان من عصارة الريح  
عينان هما ضفتان للوهم        

انطفأت جمرة الله
رمتني شهوتي في حروب لم ارتكبها
والقبائل التي غادرها الصهيل
سدت حنجرة الشوء
فماذا سأفعل أنا ياربي
الذي أحبك
لأنك  خلقت المرأة والنار .
فقط  أهتف :
أيها الجندي اتبعني
المرأة وحدها تكفي لمعرفة الله      











___________________________    قهوة المساء      

لأنني أحب
ترقص في  فمي حروف الضحك .
لأنني أحب
أفكّر في القبلة بحواس اضافية
وأخبئ  قليلا  من سكر الصبح        
لقهوة المساء .








___________________________     ضحك  
                                                      إلى :  ابو روزا وولف
معلقا بحبل لا أراه .
إلى أين تمضي الأرغفة
التي تجهل الضجك ؟  
والمقاهي التي لاتنتظر أحدا  ؟
معلقا بحبل لا أراه
في الظلمة الحارة
حيث لاشئ يفضي الى شئ
ولا أجد يعرف أ حدا  .
أنا صاحب القميص الأزرق
والحقيبة الحدباء
يدي ملح خيالي
أغمس أصابعي في حبر الرؤيا
وأرمي طلقة الشعر
أبعد من مرمى الوهم
هكذا
أفترض حربا طويلة المدى
من أجل ضحكة في السرير .










___________________    بياض  
المرأة  الوحيد ة  في علاقة الليل
خشب طافح في الفراغ
خشب عاطل
هذا الذي اهمله خيال النجارين
وغادرته حكمة الفأس
وشهوة النار  .
***
خذي من يدي لباسها
ومن جبيني ضوءه  السري  
ومن عيني زيت المدى  .
خذي من فمي هد وءه النظيف
ومن قميصي ضحكة الطفولة
وخفقة الند ى .
فقط أشتهي بياضا بسيطا
أرسم ظلي عليه .






______________________    البئر  
( 1 )
كبرت يا أمي
وكبرت قمصاني معي   .  
كلما حفرت بئرا
صار الماء
غير الماء .
فترفقي يا فأ س اللحظة
ريثما تنقذف أ سئلتي
وتشكل طينها
ويصير جسدي أي شيء بعد الأ رض .
كبرت يا أمي
وكبرت قمصاني معي .
كيف أرمّم من حبري
أقواسا للمعنى
ولغتي دخان
وريحي قمر أعمى .
***  
كبرت يا أمي
وكبرت أحذيتي علي
كانت مائدتي ملأى بالألوان
لكن الضامئ يهذي  :

ماذ ا تخبئ من  أوهام ؟                

( 2 )  
رأسي بئر
تلتقي حولها قوافل الحلم    
كل ضامئ يشرب  
وكل شارب
يلعب .  
_____________________________      ضيف  
كانت  وحدها
والشتاء ليله جبل من نمل وسواس          
وكنت ضيفها المتيم
متكئا على سكاكين قلقة
أنقر حافة رغبات هاربة
وحدها
لها خجل جريء
بوهج حار يلمع زغب حمرتها
زغب قوي
يشرئب متلذذا قساوة دبيب حالم
نابضا برعشة غابة نائية
سكانها يعطشون
لعينيها ظلال مبللة بندى صباحات    
تنهض على عجل
فيهما ما يكفي
لتدمير جدوى الخيال
وما يكفي للأ طاحة بكل رغبة
في الموت بعيدا
**
قلت : كوني رفيقتي تتعلمين الموسيقى
تكتشفين أن الفتى الآ خر
ليس مثلي
وأن الوقت الذي مضى
رسم بخيال كافكا
وألوان  هتلر  .


 
___________________       التعب          
*   التعب  
أن يكون الكلام مديحا لكلبة الجيران
التي تعضّ المارة  وهم يتطلعون بقلق
الى سراو يلهم  الداخلية  .

*   التعب
أن ترى الخوف يمشي واثقا
الى سريرك
من دون أن تسأل :
لماذا ياربي
يرتدي الأباطرة
رؤوسا كبيرة
وصلعاء من الداخل .
أن تنظر في بلاهة
الى صورتك
لترى معطفا أحدبا
يتبول مذعورا من ظله .

ليس التعب أن تسقط
بل أن تعلن وأنت في كامل قواك السفلية
هذا أنا .
ثم تتدحرج بأنفك الى المزبلة
تماما كجرو فخيم
يرتدي خوذة الحراسة
وينبح فخورا بذيله .
وفي آ خر الأ مر
يقف مشدوها أمام عظمة المأدبة
متحسسا بشبق فائض
جداره الخارجي .

______________________    الجندي      
( 1 )
من ملح يداي
وقميصي الكاكي
ظله أبيض .
لا مساء يؤويني
لكي أمشي اليه
ولا وطن لكي أناديه
وأشرب حين أعطش
من يديه.
   
( 2 )
أنا جندي
أسمّي الأذن
حارس ليل
والعين ليلا آخر .
( 3 )
أنا جندي
للقلب باب
كلما أفتحه يفضي إليك .
أ غدو من حرب
الى حرب
وأ حرس فاكهة سواي  .
( 4 )
الآ ن حمامة ريح تفلت من الشبكة .
وأنا الجندي الضال
ذئبة وسواس طريقي
أشعل لفائف القلق
و أسمّي اللحظة  :
خيالا أعرج .
______________________      بكاء    
بصوت قليل
اتكأت على أذ ني
رأ يت حبيبتي
عقربا في ساعة غيري .
بصوت أقلّ
أغلقت الريح ورائي
ومشيت.  
_______________________   فوضى  
تعشقني فوضاي
الخمرة وحدها سيدة حبيبي
قالت غزالة يلعبني سرها الفسيح
وجلست حد سرير الحبر
تلون وسادتها بأ مطار بائدة .

كانت الساعة تغادر عقاربها
حين ضربت العاصفة أوتاد ها في
قلبي .
أدركيني  
كيف أرتب فضائحي
: الثياب الرخوة قبل النوم
النافذة المعطوبة الأ فق
الفاكهة المريضة في آ خر الليل
والنساء
     النساء
         النساء
تعطّل الجند ي حدّ الموسيقى
تعثرت أ ذناه فيه
أو في جثة لسواه .
تكذب المرايا
هذ ا دخاني
فاحترقي أيتها المفردة السيئة الخيال
لأنني سأعجن من رناد الحلم
أغنية للتنفس الجرئ
وبالعسل ألون امرأتي التالية
وأ صرخني علانية :
تعشقني فوضاي .


_________________________  لا احد  
دائما قبل أن أنام
أفكر في أشياء أجهلها  
في ضيوفي وهم يدخلون بيتي
من باب الامس        
في الهواء يترنّح مسلوقا
على أرصفة طرابلس
في الخيال  ..
عندما يختفي الأحباء فجأة .
عندما أكتب رسائل  لاتصل
عند ما أسكب قدحين من الشراب
قدح لي
وقدح لا أحد.

             
_____________________           وهم              

لاشيء  بجمعني  بوجهي  
سوى وهمي  
فهل يكفي أنت وأنا
كأننا لم نخسر الحرب
أن نرقص
وبأ طراف ليست لنا
نفترض حديقة سياجها المدى  
لربما نلهو قليلا
ولربما ننسى
أننا ذوبنا زبدة العمر سدى.  

لاشي ء يجمعني  بوجهي
سوى خوفي
فماذا نسوّي بهذا الرماد  ؟              
وما من ضحكة تبلل صوتنا
لكي نرسم القمر الذي نشتهي
ماذا نصنع برماد يفصل بيننا
بين أحلامنا التي عنست          
وبين ألعابنا والتراب ؟  
هل يكفي
أن نتكئ  على بعضنا
ونمضي الى آخر الرمل
نمخض شكوة أوهامنا .

ماذا نصنع بهذا الرماد
بالشوارع التي تذبل تحت نعالنا  ؟
هل سيكفي
أن نتحسّس أعناقنا
ونختبئ خلف السرير عاريين
لنهتف معا
ما أجمل الحياة
لأ ن أوهامنا معتا
لأ ن قبلاتنا
لحظة أن نخاف
تظل جديرة بنا  ؟
فهل يكفي
أن يفقد أحدنا أظفاره
لكي يحفر ظلا هزيلا
لأسراره البارد ة
ثم نهتف  :
ما أ جمل الحياة  .

         طرابلس  :  صيف 1989











 
           






                                   
                   


                     

     
























     

 




                                   







المحتويات
الشيطانة النائمة
بسيطا وكفى
غزل
منازل فسيحة
رجل بأسره يمشي وحيدا
فرح
الحافلة
رغبة
شطحات
مؤامرة
لعب
صديق
من أحوال النار
نساء
شعراء
مقهى
جمرة الله
قهوة المساء
ضحك
بياض
البئر
ضيف
التعب
الجندي
بكاء
فوضى
لا أحد
وهم
21‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
13 من 22
كتاب
بقلم : مفتاح العماّري

حين تتواطأ خطفة شغف باهتياج محموم ، جراء توهمها التماعة بصيص علّه يغمرها بدفء ما ، يمسي المصير خائبا. هذا ما يعد جريرة برزخ بين حلم ونقيضه ،لا سيما في غياب المؤلف كمجاز للعقل، أعني أن ما من شيء  قد يدلّ على كتاب عار ، بعد أن فقد جلده وذاكرته، بحيث تعذّرت معرفته إلا تخمينا بأنه محض رواية بائسة لمؤلف مجهول تعوزه الدربة .لكن قد أثار غوايتي ما كانت تضمره امرأة وحيدة تتربع على جثة متنه ، امرأة كما يبدو ترتدي شكل حمامة أو باقة ورد،أو هي تخطّط طيلة الدهر لتغيير عالمها ، لكأنها مقبلة على ارتكاب جريمة ما ، لا مجرد امرأة تحلم . هذا ما هيّج شغفي ولا سيما أن الوقت ليل معزول، ومكتبتي بعيدة ، وأنا وحدي ، النوم يفارقني . اقترحت بمرح أن تكون المرأة أنيستي ، أعني الكتاب ،فلعلنا معا نترع الخواء ونجعل الليل أقل برودة ووحشة وسأما ..  ولأن الصفحات الأولى كانت منزوعة ، قنعت قراءتي أن تنطلق بدءا من الصفحة التاسعة والثلاثين . لم يراودني في أول الوله أيما قلق حيال الذاكرة المتخفّية بحجم ثمانية وثلاثين صفحة ضائعة ،و قلت لا بأس ، فلا حيلة لي سوى أن أغضّ الطرف عن ماضي هذه الحكاية مكتفيا بالهنيهة التي أنا فيها ، ولا حاجة بي لنكش مطامير خلت ، وسأفترض مستأنسا بما غمرني من فيض التحنان أن ما تلاشى من ذاكرة الكتاب لا يعني الكثير طالما في مكنة أنيستي أن تنسج نفسها على طريقة شهرزاد ، ولاسيما أنها قد بدت تتلطف تحببا لتشملني بابتسامة لافحة بالودّ ونظرة مغوية  أحسست على أثرها أن جدراني  انفتحت عن حشد من أجنحة حارة تخفق في صدري ، مدركا بأنه قد آن الأوان لنفير العاشق. ولأنه ما من أحد غيري في تلك الصحراء القاحلة، يليق بتأدية هذا الدور الذي لا يقتضي سوى فنّ الإصغاء ، ألفيتني مستسلما لسحر السرد ، ملبيا كل ما يمليه خيال كتابي في ملء كهوف الوحشة التي تركتها الصفحات الثمانية والثلاثون الضائعة . وحين رسمت أنيستي في أول الأمر طائرا خرافيا يخترق سماء مترعة بالغيوم  أومأت لها بأنني قد فهمت . وهكذا سافرنا معا إلى بلاد عتيقة تشبه سمرقند ، وتجولنا عبر بساتين مضمخة برياحين  حدائق الله .  ونمت في تلك الليلة نوما هانئا بين أحضانها وقد  تخللتني رؤى  فاتنة . لكن في الصباح التالي استيقظت فزعا على صوت ما  يتكسر ، لم يكن ذلك سوى مقام الروح.. إذ ألفيتني محض رفات ظلّ ،وأن بحار النور والعواصم والأحلام والقصائد وكل أسماء الألفة قد نأت بعيدا . وبدوت كأنني أتخبط في شراك غابة متوحشة ..وما من اثر لذلك المتن سوى عقارب خديعته تلدغ مخيلة الوهم، نافثة سمومها في خلايا لغتي . وهذا بعض ما رأيت .
28‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
14 من 22
بقلم :  مفتاح العمّاري
                                            شيطنة

لم يكن سوى حزمة أوراق تعاني سحنتها من غزو النمش والبثور والتجاعيد  ، لا غلاف له يستر عريه ويدفئ برودة جوفه ، لا عناوين أو أسماء أو تواريخ تشير لمؤلفه أو تدلّ على منشئه  وأصله وفرعه ،حتى أرقام صفحاته قد تلاشت مع الحواف التي قضمتها قوارض العزلة حيث قدر لي في يوم صائف من الشهر السادس في الحساب الشمسي حين دخلت بمحض الصدفة العابرة إلى  ذلك القبو الذي يعود إلى عهد الاستعمار الفاشستي ، لأجده محشورا بين أكداس المهملات ، منبوذا وحزينا وضامرا  ، ليس فيه ما يغري البصر ، أو يغوي الخيال لكي يستحق حتى مجرد أطالة النظر إلى سحنته البائسة ، لذا لم تراودني لحظتها أية رغبة في لمسه ،ولكن بعد أن أوليته ظهري استبدّ بي خاطر غريب  يحرضني بصيغة أمر صارمة تعذّر علي لحظتها لجم شفقتها ، تحثني بصلابة غامضة على إنقاذ ذلك التعيس من مصيره المنكود ، فانتشلته من قذارته ،واضعا إياه في كيس من السيلوفان .حيث كان علي بعدها أن أسلخ جزءا من عمري في معالجة إعطابه، وترتيق عبارته التي تمزقت ،لأضفي عليه نضارة وبهجة تفوّقا على توقه ، إلى أن صار مخلوقا ورقيا جميلا يليق به أن ينتسب إلى عائلة مكتبتي الأثيرة ، كمصنف نادر لا يضاهى. لكن  ها هو  أخيرا يعبّر عن جحوده بطريقة ماكرة حين  يتعمد  تنغيص هناءتي ، وتشتيت أفكاري بغروره وزهوه بنفسه ، وافتتانه الخادع بسلالته التي لا أثر لها . فأينما أضعه يزوغ عن بصري  وكأنه قد تقمص  أرواحا شريرة  ، تطلق أشباحها في أرجائي لتثير فزعا وهلعا في نفسي ، حتى انقلبت هناءة المقام إلى رعب يومي لا يطاق ، يعلن عن مكائده بهيئة كوابيس تتكرر في نومي ويقظتي ، وكأن كتابي صار يخطط بمكر لنفيي خارج مملكتي ليستأثر وحده بالقمر والحلم والنبيذ .. ربما لأنه قد سأم من ولعي به ، وغيرتي عليه ، والتي أجبرتني على ضرورة إخفائه عن أعين الآخرين مخافة أن يلحّ أحدهم في استعارته ، بعد أن أصبح من دون جميع كتب الأرض بمثابة الكتاب الوحيد الذي أخشى عليه من مغبّة النظر- سيما وأن العين تزنى - لذلك كنت أحتفظ به في أمكنة آمنة في أرفف قلبي، حتى يكون في منأى عن فضول الآخرين ، ورغم ذلك ما انفكّ هذا الكائن  يكرر تمرده على مشيئتي، ربما يريد أن يتحرر من ولهي به ليحلّق بعيدا  في سماء غير سمائي ، بعد أن صنعت له أجنحة من ريش محبّتي ، وربما أيضا به نزعة شر ، هي من يحرضه على  هدمي بعد أن وثق من صلابة بنيانه - ربما - لأن  بعض الكتب تبدو أبلغ تعقيدا وشراسة من النساء حين يتفنن في قسوة الانتقام .. لهذا بعد أن أضنتني رفقة كتابي سيء الذكر، الذي  صغت مستقبله من تعبي، ورويت أحلامه من نسغ  محبتي وعصير مخيلتي، بدأت الآن أفكر جادا في تركه لتقلبات مزاجه النكد ،بعيدا عن جموح شغفي به ،
28‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
15 من 22
____________________ مديح الألم

شعر :مفتاح العمّاري

طفل ،  قبل قليل كنت ألبّي نزق يديه
ضحكته ربيع
وصرخته غابة ..
يطرق باب آخرتي
افتح أنا سكران .

هل أقف داخل نومي
أيقظني يا موت  ، حلمي مذبحة مرحة
وأيامي محرقة كلام .

دثّر شتاء روحي
سقفي جمر ماكر
وعظامي ثلج يهذي .






هل تسمع سقوط تاريخي
كلما عتقت سؤالا
اعتقلتني إجابة .

خذني بأسنان خيالك
إني اتشظى بين خرائط تيهي .
تاريخي نزيف يتقلّب
دمي حبر
ولحمي كتابة

خلفي قمر: امرأة بائرة ، تتكلّب
فغدت أسراري نباح
وبروقي خلب .










تعاركت في أحشائي الأورام وسكاكينها
سريري أفق بكاء ، ولغتي حمى
من يسديني رصاصة ضوء
من يحقنني  سم الرحمة
من يكتم أنفاس نافذتي
ويخنق كلماتي
من يرميني من شرفة غيمة
من ينقذ مئذنتي
صوتي تلاشى بين زوبعتين .

كيف أرمّم العاب رميمي
افتح بابك
وأيقظني /  
صار نومي فاجعة
وبصري فضيحة .








خطت الشك، مزقني يقيني
فخذني .

لست الواحد
تعدّد ألمي .

لست الأول و لا الآخر
أشيائي دخان
وأسمائي عناصر ريح .

لست الخاسر
كسبت أخطائي .

لست الحاضر غيابي يحققني .
لست الخائف
وهمي يحميني .







أنا العاشق
أقول : قلبي شتات
تجمعني نساء العزلة .

أقول:خاتمتي رماد
يشتتني هبوبي .

يا واهب الصمت
لملمني من خيانة صوتي .
أنا الناثر : خذيني أيتها الذئبة من فمي
بيتي حصار ، ووطني منفى

النار  جريرة سحبي ..
نار والعين ظل .

لا تصغوا إليّ


15/16مايو 2009
28‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
16 من 22
 ___________  الذئب  
إلى نساجة الحكاية الأولى
جدتي : سليمة بوخريص ،
             
    حسب وقائع الغابة البعيدة رُبّما يتعذر الحدس في ما يمكن أن يفعله ذئب جائع في ليل وحيد .. بينما كان القمر بدراً ينثر فضته النظيفة فوق العالم ذاك . حيث يحكى بأنه : كان ثمة ذئب سيئ الطالع ، يبحث دونما جدوى عن فريسة تائهة ، أو أي شيء يسدُّ الرمق ، حتى ولو كان بحجم فأر صغير . كان خائباً وحزينا يجلس بعد لأي مهدوداً من تعب الطواف، يفكر فقط في وجع أمعائه الخاوية الذي حرمه من متعة النوم . وعلى الرغم من عوائه البارق إلا أن أحدا من أبناء جلدته لم يأت الى نجدته . ليلتها لعن الذئب حظه العاثر وتذكر بألم كم هو شقي وبائس ووحيد .. وأنه منذ أن عرف الغابة كان بلا أهل أو رهط أو حبيبة . وفجأة طرأت عليه حيلة غريبة فقد اقترح على نفسه فعل أي شيء يخفف من قساوة الجوع .. وقرر أن يرسم وجبة شهية ، تليق بذئب نبيل . فأفرد ورقة كبيرة تحت ضؤ القمر ثم اقترح الألوان الملائمة لهيئة حمل وديع وسمين .. وشكل في أول الأمر دائرة بيضاوية يدثرها صوف ناعم ترتكز على أربعة أطراف تغوص أظلافها في عشب طريَ . لكن ما أن هم بمعالجة خطوط الرأس حتى غمرته نشوة عامرة ، وبدأ شيئا

فشيئا ينسى براثن معدته .. بعد أن استسلم لفتنة التلوين بجموح غريب  هيّج خياله فتداعى بمرح لابتكار ما يشبه الرأس . غير أن نشوته أضحت تتلاشى حين وجد نفسه تخضع لمشيئة وسواس مخيف .
لأنه من حيث لا يدري اختلطت عليه نسب الألوان والظلال والخطوط . وقاده السهو إلى ارتكاب حماقة لا تغتفر فقد انتبه إلى انه رسم رأسا لا يمت للحمل بأدنى صلة تذكر .. بل هو في حقيقة الأمر رأس كلب غاضب . عندها تضايق الذئب .. وشعر بالارتياب إزاء جسامة خطأه الفادح . فكيف يمكن الجمع بين شيئين متنافرين في جسم واحد . ولا سيما أن قامة الحمل الوديع لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتجانس مع رأس كلبي .
لذا عزم الذئب على قطع الرأس الغريب .. ليرسم عوضاً عنه الرأس الذي يمكنه أن يشي بوجود حمل لا غبار عليه . لكنه ما لبث أن شعر بالخيبة ، لأن ما تبقى من ألوان لا يفي بتشكيل رأس بديل . ثم تحوّلت خيبته إلى فزع  مريع لحظة أن تبدّى له الرأس الماكر وقد انيرى فجأة يرمقه بعينين حاقدتين .
تقهقر الذئب . وراوده إحساس ثقيل وغامض بخطر وشيك وماحق يتربّص به . وظل لهنيهة يفكر في حيلة ما للتخلص من المصيبة التي خلقها لنفسه . غير أنه ليس من الحكمة في شيء مواجهة كلب غاضب . هكذا خمّن الذئب ثم فرّ هارباً بجسده قبل أن ينقض عليه ذلك الكائن الفكرة . لكنه ما كاد أن يضرب بضع خطوات حتى تعثر من شدة الهلع وسقط أرضا. ولم يصدق لحظتها أن عدوّه لم يلحق به . حينها ضحك الذئب ساخراً من نفسه . فكيف له وهو الذئب ابن الذئب ، أن يخشى مخلوقاً ورقياً ، ابتكرته مخيلته الجائعة من بضعة ألوان بليدة ، وخطوط بلهاء . قفل الذئب بثبات وهو يتقدّم دونما


احتراز أو حذر من ورقة الرسم غير عابئ بنظرات الكائن الذي هو محض هراء . عازماً دون هوادة على قطع الرأس . فما حاجة حمل سيؤكل بعد حين إلى رأس خطّته الصدفة وحدها . فليكن الحمل بلا رأس .
إنه مجرد مخلوق غبيّ كُرّس لأن يكون غذاءً شهياً لذئب نبيل .
عند هذا الحدّ توقّف الذئب الذي لم يكد لسانه يستعير وظيفة ممحاة لزجة حتى تسمّر فزعاً لحظة أن هبّت ريح عاصفة وانتفظت الورقة بقوة وعنف .. ووجد نفسه عاجزاً عن إطلاق عُوائه الأخير ...
فثمة ألم حاد وعنيف يمزق عنقه ، ويشل حواسه ، ولم يكن في وسعه رؤية ذلك الشيء الذي ينهشه بقوة ، ويذبحه من الوريد إلى الوريد .. لأن الوجع الذي لا يطاق قد تحوّل إلى خدر بارد ومقيت يسرى في جسده المتهالك .
حيث الحياة تخضع بهدوء لمشيئة خيال نزق لم يكن منذ قليل سوى ذئب جائع قرّر أن يرسم العالم بمخيلة مريضة .
كانت تلك لحظة متعذرة في سيرة الذئب .
لأنه عندما استيقظ العالم في الصباح التالي فوجئت كائناته بذلك المشهد المروّع ، لذئب وحيد نُكِّل به .. فتمزّقتْ أحلامه بضراوة وحش غريب . وما من أحد استطاع أن يجد تفسيرا لورقة الرسم بفراغها الهارب الذي يشبه هيئة مخلوق غريب يتعذّر وصفه .. كما يشي  بفداحة خطأ ما ..
خطأ لجوع ينمو ... كما تشير الحكاية التي تبدأ بذئب جائع ، قرّر أن يرسم حملاً له رأس كلب .
29‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
17 من 22
فصد معلن لتاريخ الوله
مفتاح العمّاري

(1)
في هذا الليل البعيد ، لم أجد  يا أبي شرفة صغيرة، أضع خدّي على نقاوة رخامها ، مرتشفا نكهة برودته المنعشة ،  لعلّي أستمتع قليلا برؤية الريح والأطفال والحدائق والأعياد .لم أجد بابا رحيما أطرقه ، أو قصيدة نثر بريئة من معطف بيرنار.لم التق شاعر حداثة ، إلا ويدّعي الصداع  وعبادة رامبو  وغزو الحانات ، وتفكيك الجسد ، وطرد الجنّ من أودية الموسيقى . لم أجد في صندوق بريدي رسالة عشق واحدة أثق في نزاهة حبرها لكي  ألجأ إليها كشاعر أو عاشق أو شحاذ ،لم أجد وردة أطمئن إلى شوكها  حتى أضعها كتاج من الوجد على رأس حبيبتي .. لأني لم أجد في آخر طبعة رديئة من كتاب ( طوق الحمامة ) ،حبيبة واحدة  لم تغدر  بي نزوتها ، كلما سرقني الوجع  بعيدا عن مزاج مخالبها .فما أكاد أتشبّث بمتن عاشقة حتى تنهار جدران محبّتي اثر أول هزّة ليقين الخديعة .وأيضا لم أجد في كل المصنّفات الأثيرة ، من ألف ليلة وليلة إلى (11 دقيقة ) لباولو كويلهو ، مرورا بالروض العاطر للشيخ  النفزاوي ، غير  نسخة رثّة لامرأة مفتونة بتاريخها  السرّي ، في كل ليلة لاهبة تقشّر برتقال نزوتها ، وتفلّي ذاكرة أيميلها بحثا عن صعاليك الأثير.

(2)
إذن ، يلزمني يا أبي فصد هذه الهشاشة التي تجعلني أتشظّى تيها ، كلّما تنمّرت قطة متوحّّشة على شطيرة قلبي ، انهمر متضرّعا تحت براثنها  / ومثل صوفيّ شفّه الوجد، أقبّل أحذية كل الأنبياء ، لكي  يقودوا شعوب الأرض بقضّها وقضيضها إلى الجنّة الموعودة ، ويتركوا لي  صدرها جحيما أتمرّغ على تاريخه بفم الغابة ، وذاكرة المجاعات  . لكني الآن أتوسّل لهم خاشعا ،أن يأخذوا جميع المعاجم الحمراء ومعابد العشق ، وحقول تفاح الغواية ، ودواوين الأشعار الثملة بسكر خلاعتها ،إلى المتاحف والمخازن والنفايات .. لأنّي لم أعد مولعا بفكرة الموت بين أحضان غيمة سكرانة ، أو على صدر أنثى حارة ، فقد طلّقت شغفي  بالنجوم والنبيذ والرقص ، والسفر في قطارات الليل ، واختراق السّرر  الفاتنة لعواصم اللهو  وأقبية المسرّات  .

(3)
لاشيء الآن  يا أبي يجعلني سعيدا سوى النوم في صحراء قصيدتي ،في كهوف صمتها ، والنظر إلى جدرانها البدائية خالية من المسامير  والضوضاء و مقابس الكهرباء . قد انتزعت كل اللوحات وصور العاشقات  وعناوين الرغبة من خزائن ولهي.. وسأظلّ في ما تبقّى من رحلة الرئة ، أعني رئتي التي امتصّت كل أنواع السموم  وحقن الكيماوي ، وغبار القارات النائية .. رئتي التي رشفت رضاب الألفة ، وسحب التبغ الرخيص وعطر الحرائق وعواء الحروب وهي تلفظ في شرايين قلبي حمّى منجنيقاتها، من دون أن تهبني سانحة آمنة ..لكي أحمل خيالي نظيفا إلى السرير ،وأطفالي إلى برّ الأحلام البريئة  وجراحي إلى الجنّة .
سأظل يا أبي  متيما بقصيدتي، وهي في أبهى تجليات عريها ، صامتة وماكرة ومستوحشة ،ووحيدة كلغم مهجور يترقّب فاجعة ضحاياه من الغاوين الذين ترمي بهم النزوات على تخومها ، وقد علقوا بحراشف جبّها الشبق . ما أن تلمس أصابع شهوتهم الثملة حلمة الظلمة النافرة ،حتى تتفتّت قباب لذّتهم ،وقد تحولت إلى مزق من الحكايات المحزنة . مدينا في ذلك لخطفة نيوتن ، لحظة أن علقت فراشة ربيع بشباك زهرة ضارية ..وأيضا للفاتكة بفتنتها الضالة ، التي حولتني من عابد مهووس بخرائط المتع ،  إلى راهب سرّ ، وكاهن خفاء .
(4)
قد تعبت يا أبي ، قبل موتي، وبعد موتك / حشد عنيف من دبابيس بغيضة تكمن عند حافة صوتي متربّصة عودة القصائد إلى الشفاه المرحة. كلّما قفزت خارج كفني ، متخطّيا عتبة خوفي من البياض، لمحت صورا رثة تتفاقم غاضبة من أخطاء الرماد . تلك جريرة سياطك يا أبي / سياطك التي تركت على جلد تاريخي وزرا هائلا من الخرائط والخطوط والتضاريس الدامية/ سياطك التي تغضب بهوس مشتت/ أنا الكهل المنبوذ الذي لم يكن قبل قليل سوى صبيّ من خشب هشّ وحذاء أجرب ، وبضعة أحلام شاردة . هذا كل شيء يا أبي ، باستثناء وحيد يثير بلاغة النساء، ظل لزمن طويل مغويا وعنيدا ، ينتزع الحروب والقصائد والأزهار من صمتها ويصخب بلذائذ طازجة , لم تكن  سوى الخديعة ذاتها التي خرافة وهم يتكوّر بعنف أشدّ حنكة . كانت الخطيئة جارة  فتنة / من  فروسية  عطيل و خلاعة  أبي نواس ، إلى وصايا الحكيم  لوتسو في معاقل الطاو .فيما كان السرطان الماكر عازف الألم ، و صاحب النظرة الخرساء والورم المتهتك،  بعد خدعتين ينبلج ذكيا وهو يتدحرج في أحشائي، كوابل من الخيانات الطائشة . ثلاث سنوات لا هوادة فيها ، تتضور مهجورة بصديدها وطميها وصراخها . هذه بعض مآثر ولهي يا أبي  تتبختر بعشقها،  فانتظر ريثما  تتمزق البراهين . انتظر يا أبي .. أيها الشرطي الذي غادر  نوبته قبل أربعين  شتاء ، أريد أن سألك الآن عن بكائي الوحيد ، عندما كنت تضربني بحزامك الجلدي وأنا أستغيث متشبثا بسروالك الكاكي : أرحمني ( يا بيّيّ .. ) لماذا توقفت أيها الحنون عن ضربك لي ، وهجرت أوجاعي غير عابئ بندوب أحلامي ، لماذا قررت أن تغرب عن رمادي من دون أن تترك لي جمرة واحدة في موقد الأيام ، أو بريقا سوى غضبك / لماذا يا أبي أنساك كل هذا الوقت لأطالبك الآن أن ترى ما آلت إليه نطفتك الماجدة  / أسألك أن تستيقظ ولو لبرهة قصيرة  لكي نتحدث قليلا في شجون العزلة، والمرض والخيانة والسفر والطحين ، فمنذ دهر وأنا أتألم ، وما من أحد هنا غير المرضى  / ثمة كهل مستجد تسقط الجريدة عن السرير وهو يشخر/ ثمة ممر مكتنز برائحة الدواء /  ثمة حطام يشبهني ،  يكتب سيرته الذاتية في الغرفة 901 : رجل مهووس  بالعبارات الضائعة ، أحيانا يبتكر صنفا جديدا من الخيال /يبتكر صلاة أخرى تليق بالألم/  يضيف المزيد من الموسيقى ويغّني في داخله / رجل بثلاثة أسماء نظيفة /بثلاثة وجوه تتناسخ ، يدخل معاقل الفتنة ، معلنا كقارة تحترق/ رجل لا يعدّ وحيدا وكفى /أو محض مريض ينتظر جلسة الكيماوي / لا يعد عاشقا يبكي علي ليلاه ، ولا أي شيء قد يتكرر دون زلزلة ، فقط محض رفات على سرير مجهّز بالريموت كونترول / رجل ليس لديه ما يتركه للريح سوى المزيد من الخيول والعنفوان والأساطير /ليس لديه ما يخسره غير الضحك من نفسه /ليس لديه أحد سوى العالم ثملا بالنظر إلى رجل بثلاثة وجوه ثرية بالحكايات . يحيي ممرضته بلطف :
صباح الخير أيتها الوضيئة ،
التي فمها نغم مصقول /
اللامعة كجبهة صوفي خجول /
المنقرضة بالنظر إلى صرامة بهائها الفسيح /
الرقراقة كقصص الأطفال عند النوم /
المجلوة من الداخل، يا سرّة الماء ،
الذكية أسنانها حين تبتسم  .

(5)
رجل مغمور بالغيب .. يحي نفسه حيث لا أحد يوم الأحد  :  صباح الخير ، سنة أخرى، أيها الفحل المعطّل / أكتب ولا تكترث /سيخسرونك إذا سهوا ، سيخسرونك أيضا إذا ناموا بعيدا عن خيالك ،سيخسرون عناوين ألفتهم  /سيخسرون المآثر التي ادخروها لعواصم أخري ، غير هذه الحنون التي تشملك بمشتقات صدرها / سيخسرونك مرتين لأنهم كذبوا حين تجاهلوا ما تنطوي عليه مخيلتك من حدس و أنهار وحدائق وغيوم . الذين خشية أن يفقدوا مفاتيحهم أهدروا المزيد من النوافذ والتذاكر والرؤى ، سيّجوا دسائس أهوائهم بالأسلاك الشائكة وفقدوا بهاء النوم /لم يستقبلوا سوى الفجاءة والغبار فتشردت موسيقاهم وأمسوا شتاتا بين قرقعة النشاز .لم يألفوا غير المزيد من السواد وفزّاعات المجون /لم يجدوا غير تفسخهم خليل ليل /لهذا ظلوا يخسرونك كلما نأوا يا لطيف عن لطفك / وأنت من جديد ..كل صباح الخير : قصيدة أخرى .
تستخلص خيمياء الضوء من منازل الرماد.
هكذا أولا ، وهكذا أخيرا ،
: يصل النثر الوحشيّ  إلى مطافه الآمن ،
بمخيلة واثقة قابضا حجّة اليقين ،
من دون أن يهزأ من روح الموسيقى ،
أو يخلع حدس النار  .
29‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
18 من 22
أغادر خيالي
تاركا نثر شوارع نبذته الأنساب

مفتاح العمّاري

<1>
لست سوى غياب يتأبط كنز رماد ،
سوى أفق يرتدي نفقا   ..
أنا روح النار .

<2>
أتبع وسواس يقيني ، فأراني قامة  شكّ .
أتبع ما يصهر معرفتي ويذيب سؤالي  ...
ما يتحقّق بي /
ما يأسرني ويأخذ فمي : شطح جداول من نور
ومسافة وجد ،
هذه التفاحة   شهقة متن
وبريد فتنة .

<3>
أتبع فراغا أملؤه نثر شوارع غفلته الأنساب،
نثر غرف  .......
تقترف الأوتار عزف  مخابئها ..
نثر نساء ومنازل شغف ،
لعبت بشهوتها كؤوس السمّار
وذابت في سرد مفاتنها  الأقمار .

<4>
أتبع ال هناك من هنا
كل رمل هناك يتوحّد هنا
كل ريح تخدش بابي
أو غيمة تكذب في سمائي هناك
وسادتي هنا
هنا أرق لليل هناك
أصابعي تقتفي خرائط صوتها
وهنا ، كل الذي هنا ........
طوافي هناك :
رياح تتشرّد في لغتي .
هنا شتاء وحيد يوقظ صيفا هناك  .
هناك .... أسماء صور تتمزّق هنا ...
وكل ذخيرة فيض هناك
تعلن فتلي هنا .
أنا هناك ، لأني هنا .

<5>
أتبع ما يجعلني
محض طريد  لا يتعب ،
الباهرة .....
وهي  تمجّد سواد كموني
وتفضحني لأبدو أبلغ غموضا  
أتبع ما يوحدني حين أتعدّد،
ينفيني خارج براءة وحشي الغافل،
يبكيني منتشيا بميراث رحيلي .
أتبع حجبي
مزهوا بمآثر ظلّي  .

<6>
ما من شيء تملكه فرشاتي المنبوذة
سوى تكسير الألوان
فغدت معجزتي ضوء ا يصحو خارج
خديعة منازلها
ماذا اصنع .....
ظلامي بصيرة برهاني
جسدي في برلين
وخيالي معتقلا في ( باب بن غشير)
أتبع  حدسي .

<7>
في برلين سلخت الليل أكابد فزعي ،خشية
أن يغزو هتلر غرفة أحلامي
أن يستقبل  نثري  زوّارا من نسل الموتى .
عقارب صحرائي هناك
تلدغ لغتي هنا  .
لم اجن من هذي الحرب سوى عكاز
وثلاثة أورام تتبختر وخيال مهجور
لكن ما  لم أفهمه حتى كتابة هذا النثر ....  
لأي شيء ظلّ اسمي يبتسم ؟
......
<8>
معرفتي تمحوني .....
لا أثر يهرّبني .

<9>
لست سوى نوم يتشتت ،
 وتيه يتناسل ،
تجمعني بذرة خوف ،
غير ملتفت لعابرة خرقاء حين  غنمت ذهبي
خسرت حكمة معرفتي.
لست سوى سديم يتململ ..
الماء بعض صفاتي .
صور سراب ..
تتعدد عناصر سفري فيتعذر غزوي.

<10>
لست سوى نفير الرائي
وأنا أغادر البشوش بعين راسخة
تقتحم الداخل بعناد الأعمى ،
ولهفة  السبع العليل إلى الصيد،
وسأم  المنبوذ الذي
لا أحد إلاّ هو .

<11>
أغادر نومي شريدا ،
تطاردني أحلام حافية وحكايات خفاء /
أتبع خيط برهان يتقطّع
فيضيع مسقط ذاكرتي
،ويتشظّى بريد حنيني .
أغادر " وفي النفس حاجات إليك كما هيا "

<12>
أتبع خلايا العطب ساخرا من وداعتها الماكرة وهي تتبختر طازجة كريح مطمئنة / بهيئة بخار لجهات توارت خلف هبوبي  ،وأشياء  من هبة الشطح ، قدّت من نعاس وعسل وليل ، وإشارات يحتمل ضياعها كالصور والمفاتيح  والرؤى والأوطان والحدائق.مخلوقات ستخرج بعد حين ، لها طعم نساء وحروب، تشتّت بريقها بين المحطّات عندما لذت  بالخفاء مستغرقا في إصغائي لشيء يتمزق منطويا على قلق ثقيل  يخصني وحدي . وباء يهدر حليب كياني وملح نشيدي ، أينما وليت بصري  يتزوبع غبار فتنة .

<13>
أتبع خطى وجعي منتظرا رحمة مولاي .......
لعلّي أغادر فخامة ألمي ..
غير آبه بجيوش الأسى .
أتبع نسياني حيث كل ريح  محض خراب  
مهملا جسدي الذاوي منطويا على أسلاكه الشائكة ،
يصغي أخيرا لضراوة الخواتم .
لم يبق عود ثقاب أو عواء بارق أدّخره لصعودي
سوى جلد ترهاتي
يكسو بخجل ماكر  عظام بلاد هشة ،

<14>
 أغادر المنبوذ محفوفا بسهو آمن
كانت أثوابي تتسع
وكانت أمي تدعو الله أن يشفي سقم مخيلتي ،
وبناتي يسعين إليّ بقناني  العسل
وطحين الألفة المخلوط بذاكرة الأعشاب وأودية الذكرى.

<15>
كأنّي عرس غياب  .........................  
وطرابلس تتأبط مستقبلها خارج دثاري
تعطيني ظهرا من قطن مغشوش .
فغدت غيومي يا أبتي فاكهة
تتبعثر خارج أسوار خيالي .
 وأيامي جنون ،
وأقفال خائنة ترعى هياج جنوني.

<16>
كانت تلك فاصلة هوجاء بيني وبين براثن أخطائي .
فمن يحمي نباهة شكّي ونحاس يقيني
وأنا أغادر سماء لغتي محموما،
تحملني إلى الجبّ  الآمن أكتاف جلاسي .

<17>
أغادر الضحك الظافر مهزوما  /
لا أحد  اليوم يحييني .
تغرّب الغاوون ، وتلاشت أحذية العبّاد.
أنخابي من ورق يحترق مبلولا ،
وأسمائي بضع كلمات مترعة بالريح ،
تدور بين الأبواب .

_______  
برلين / خريف 2009
29‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
19 من 22
بقلم :مفتاح العمّاري


__________ كما يليق بي ..
أشير إليك وأصف هذا النفير ،
أشير إليك وأحلم .
                      إلى : روح  لطيفة صالح .
                     



                 

 في هذا الخلاء المتوحّد  حيث لا أحد يصغي إليّ .. لا تحية للصباح  .لا فنجان قهوة ينتظرني كالعادة ... فقط تترعرع الأتربة والنفايات فوق أرض الغرفة .. وتذبل نبتة الصبار الصغيرة  التي كانت تروم العطش والرحيل . لا شيء غير أكداس من الصمت والكتب والأوهام في أرجاء الروح التي أضحت باردة وكئيبة / وحيدا أحاور ظلّي المهدم .. وصورتي الشاحبة في مرآة الحمام .. و أغضب لمجرد أنني  أمسيت رجلا متروكا للنسيان في هذا الصيف .. وأنت يا زوجتي الطيبة تعرفين كم أكره الصيف والفقر والبعوض والنفايات .. وتعرفين كم أشتاقك الآن .. وكم هي الحياة هشة وقاسية من دونك ، فلا أحد يصغي إليّ .. فأين أنت أيّتها النائمة بعيدا في المجاهل الغامضة .. أريد فقط أن نتحدّث في المساءات الخشنة كما كنا نفعل  .. أن أمنحك كتفي وأنت تصعدين سلّم العمارة .. أن أجلب إليك قدحا من النعناع المحلّى أو ملعقة من عسل .. أن أناولك حبة كربونات الكالسيوم أو كبسولة الون آلبا .. أن أخاف كلّما ارتفعت حرارة نومك وأنت تتململين بوجع لا يطاق .  لكن لا أحد الآن معي .. رئتي تغصّ بحشد من الحكايات .. فيما أعود خائبا وضعيفا إلى المنزل .. أعرف بأنّي لن أجدك في انتظاري .. قلقة أحيانا لأنني لم أهاتفك .... ثمة أرق يكبو .. فما جدوى أن أستسلم  لصوت الريح طالما لا أحد البتة يصغي إليّ .. أن أفكّر في إصلاح النافذة وطلاء الجدران  . أجلس مستوحشا  وكئيبا , أنظر ببلاهة إلى أوراقي الممزقة في أرجاء الحياة الباردة .. إلى النفايات والصمت والوحشة  . لست أدري كيف شاخت الأيام فجأة فيما قصائدي لم تزل يافعة وصغيرة ترفرف بمرح فوق الحكايات الطازجة . ولا أحد يصغي إليّ ../ في الليل حين يتلاشى العالم ، تستيقظ الكلمات .. فأختنق بالوقائع الصامتة . لأنه مامن أحد يصغي ..  صرت أحتاجك بقوة .. فتعالي أيّتها الرحيمة .. وليعد الغثيان الذي كنّا نمقته .. وهبوط السكّر ونقص الهمغلوبين .. ومشاوير المشافي،  وجداول الديلزة ، وحقن الهيبارين، والصداع ، وارتفاع ضغط الدم ، والوجع  ولغو الممرضات ، وأخطاء الأطباء .. وصراخ المرضى .. وضوضاء الزوّار ، وقرحة الفراش ، والأنيميا الحادة ..  فقط أن نتحدث من جديد . أعرف رجالا اختنقوا بالكلمات / لكنّهم ليسوا مثلي .. فأنا دائما أصف النفير ، ثم أشير إليك وأحلم ..  أبتكر سبعين طريقة لاستعادة النسيانات التي تحلّق بعيدا بأجنحة قوية في ظلام مهيمن ..  وسبعين طريقة لكي أرحل بحواس وضيئة إلى مجهولك .. مشيرا إلى براثن الضياع في صحراء أخرى ....... يوم تغدو الشمس غطاء النظر .. كنّا رتلا من الجياع ، لا عاصم لنا سوى ما قدّه البؤس من سراب يدور .. وعين الفاقة ترعى مستقبل قبورنا . بأجنحة من رماد . هكذا أشير إليك يا ابنة الريحين ، لكي أستعيد بعض صوتي وأستردّ  ما ضاع من حراك : .....   من ألف الأسى إلى ياء الحنين .. يوم ذوّبت الكلام وعصرت الصدى . لمّا لم  يبق غير ما يقترحه الصديد من حديد لكي ندين البكتيريا ، بكل ما اقترفته تعاليمها من جرائم في حق المنصتين ، أبناء الخفة وسدنة النار .. الذين لا ناقة لهم أو بعير .. فلماذا استهلوا النفير  بالنفير وضاعو ا في مفازات  الفراغ وحقول الزمهرير . ثم أشير إلى فخاخ كانت تطبق أسنان فولاذها على أجنحة لغتنا التائقة .. متهما الثكنات الشبيهة بعقوبة مؤبّدة لما جرته عليّ من فقد وغياب .. وأنا أشير إلى زنازين التأديب في معسكرات السعير ، وحرمانات العطل ، وحراسة البوابات والمخازن والكوابيس. من سيردّ إلي ما ضاع منّي.. أو ما نهبته جحافل المتاه من خيال نافر ../ أشير إلى قطط البهو  وجرذان المجارير .. وكيف كنت أعلّق ما ترتق من كلام على حبال الغبن القديمة  .  أشير إلى  فتى رقّشه ربيع المزابل .. فتى من قشطة  الكلام المرّ  يذوب بعيدا في لجة الصيف .. وأنت تعرفين يا عزيزتي كم أكره الصيف واللصوص والكلاب، غير أنك كنت تطلعين من  قصائدي المتوحشة .. كلّما أومئ إلى  الشوق المقمّط  بكآبة سخية .. إلى أسرّة مضمّخة بعطن العنابر .. إلى أسئلة ثقيلة تنتعل أحذية ضيقة  .. ثم إلى الألم .. أعني الأبواب المقفلة .. والمدارس التي لم أنعم  بلمس طبشورها و مقاعدها وعصي معلميها .. / كما أعني  نظرات المتسولين وهي تشرئب خلف صلابة التاريخ الأرعن ..  رجال البوليس الأكثر أناقة من كرسي الحلاق / رجال المآتم وشيوخ العشائر وقد التحفوا بعباءات الرياء ../ فتية النوم العاطلين عن لغة الأمعاء الفارغة .. رجال النحاس بثياب مسروقة عندما يطرقون أظلاف السماوات ويطلقون البخور في أرجاء الفاقة .  رجال الطين حفّاري  الوقت المجترّ بأدوات خبب مصقولة بوهج الأكاذيب الجميلة ../  سماسرة السوق حين يهتفون فيتطاير القمل  من ثنايا أيامهم  الرثة ../  أشير  إلى رواد السكر العربيدين والشكّائين البكّائين وقد خمشوا حياء الشوارع ../ رجال اللعب بضحكاتهم الصدئة وتبغهم الثرثار  ../ رجال الحكمة العرجاء الملتحفين ببياض الشهوة الماكرة .. / إلى سيرة العطب  وقوافل النثر التي تصف حروب العشائر وخراب الرؤى ...... إلى خنادق الفزع وعقارب البهجة وهي تلدغ الرغبات الغافية .. إلى الموت  الطفل : الصحراء/ أوجنقا / أبشا / آتيا / الدكتور زيفاكو / العصفور الأحدب / طريق التاو / والذي يعول عليه. فكم مضى من علامات البؤس والعويل  وأنا أشير إلى جثث بأوصاف تائهة .. إلى تاريخ بغاء مستبدّ .. إلى عقاب مقدّس يمزّ ق النور في زنازين العواء .. والى كلام كثير مقتلع من حجارة المعنى / يا ......  يا زوجتي الطيبة وأم ّصغاري الحالمين .  مرة أخرى أشير إلى ما يقف خلف هذه المفازة المسنّة من :  ربيع مختل../ ضحك رمادي / أسواق جراد مقدّد / بنادق صيد /  ونداء القتلى عندما يتسلّقون مآذن السرد  / حليب الغواية الأسمر / ذهب الصبا  .. أنصاف مواسم لهبوب الجنون  وصعود الخطيئة / إلى ما أنزفه في عزلتي من صمت وأنا أشير إلى دهر ثقيل يتبوأ  عرش العتمة .  فما الضرر يا ترى في أن نحلم قليلا .. لكنهم - وأنا   أعني من درسوا في عواصم العجم على حساب قوتنا.. وملكوا القصور والحور ،  والحقول والبقول ،  وجمعوا بين الحكمة والفجور  -  قد طفقوا يشطبون أوصافي ويقصون صوتي عن منابر الشعر .. لمجرد أنني  أشير إليك وأحلم .. ألست كائنا سعيدا في هذه البرهة وأنا أقف جنوب الفقر ،  مشيرا بهدوء إلى مالا  يتاح  : إلى سلّة صغيرة من فاكهة الخيال .. إلى غرفة منتزعة من ألف ليلة وليلة .. إلى تلك الشجرة المطلّة على نهر اللهفة، والتي لم نقطف غناء عصافيرها . إلى حجر النور في شرفة تحلّق  . إلى أمسية أخرى غير هذه الكلمات الواجفة والمدينة التي تخسر في كل لحظة دهرا من الطمأنينة . إلى : كيف أركض بك محمولة فوق نشيدي  صوب جنة عتيقة لم يكتشفها الأنبياء بعد .؟  إلى خوفي من هبوط نيزك ثمل . إلى جزيرة تقع دائما غرب الماء وشرق الذاكرة ، عندما كانت بنغازي تتسكّع خجولة وحارة في شوارع الألفة .. عندما لم يأت أحد غيرنا إلى قيلولة الشعر الملعون .. إلى ضفاف بعيدة لم تزل بعد أكثر جدارة من منجل متصدع علّقته الأيديولوجيا على جدار الوهم  . إلى انتظار ثقيل له رائحة محطّات مخادعة /.. إلى أمي بعد كل هذا الهلاك . / وأيضا أشير ببكاء أشدّ صلابة إلى عكّاز جدّي الأعمى  ، الطويل ، الأحدب ، الأبيض الملتحي .. جدي أبريق نحاس بعنق معقوفة/ أبريق صلاة يلمع تحت الحائط .. إبريق عسل يتبدّد على ساق نخلة مقطوعة .. غيمة ظل تسبح فوق خرائط القيظ . ثم المّح بخفّة تعرفينها إلى عاصفة تزوجت نصفها ../ هكذا يا ابنة النارين..  حين تتعرّى الأيام وتصهل قوية بهشاشتها الفادحة .. لتنشر الفوضى بين سكان الخيال .. وكأني هنا أستعير  ملح بنغازي  .. و حمامات المسك غنيمة اللذة  ..  بنغازي بأسمائها الخارجة من عرق المهاجرين .. لكي أهدي إليك يا زوجتي الحنونة هذا العالم الزاخر بالخطى الدامية  ..  مشيرا بالضرورة إلى براءة يدي من سقوط بغداد . فلا مطر اليوم .. لا رسائل.. لا تذاكر سفر .. لا كتب .. لا موسيقى  ,, لا مدن جديدة .. لا حقائب .. لا محطّات  .. لا جمعة ولا أحد ../   فقط أشير  أخيرا إلى :  ضرورة الهذيان .. وأن كل حبل أو جبل أو خبل  محض نقطة اضافة .. وعلامة هدم للمعنى .. وارتجاج بالغ  الأبّهة والقساوة في خيال المعدن  . كما يليق بي أن أجرّب تقنية الرحيل عبر النوم .. لعلّني أكفل تنظيف حنجرتي من أشواك العزلة .. وحسك الخواء .. غير أن الغبار المتصالب ينمو بضراوة في أركان روحي ..  ولا أحد يصغي إلي /.. هنا حيث لامكان لحرف يؤنث .  طارت الأرض إلى سقف الجنون .. ونشرت العواصف عناوين هبوبها .. وأنا كما يليق بي /
مرة أخرى  : أشير إليك و أصف هذا النفير ../  أشير إليك وأحلم .
5‏/2‏/2010 تم النشر بواسطة ديك الجن.
20 من 22
محمحمقنمل
3‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة .من ذهب.
21 من 22
أغادر خيالي
تاركا نثر شوارع نبذته الأنساب

مفتاح العمّاري

<1>
لست سوى غياب يتأبط كنز رماد ،
سوى أفق يرتدي نفقا   ..
أنا روح النار .

<2>
أتبع وسواس يقيني ، فأراني قامة  شكّ .
أتبع ما يصهر معرفتي ويذيب سؤالي  ...
ما يتحقّق بي /
ما يأسرني ويأخذ فمي : شطح جداول من نور
ومسافة وجد ،
هذه التفاحة   شهقة متن
وبريد فتنة .

<3>
أتبع فراغا أملؤه نثر شوارع غفلته الأنساب،
نثر غرف  .......
تقترف الأوتار عزف  مخابئها ..
نثر نساء ومنازل شغف ،
لعبت بشهوتها كؤوس السمّار
وذابت في سرد مفاتنها  الأقمار .

<4>
أتبع ال هناك من هنا
كل رمل هناك يتوحّد هنا
كل ريح تخدش بابي
أو غيمة تكذب في سمائي هناك
وسادتي هنا
هنا أرق لليل هناك
أصابعي تقتفي خرائط صوتها
وهنا ، كل الذي هنا ........
طوافي هناك :
رياح تتشرّد في لغتي .
هنا شتاء وحيد يوقظ صيفا هناك  .
هناك .... أسماء صور تتمزّق هنا ...
وكل ذخيرة فيض هناك
تعلن قتلي هنا .
أنا هناك ، لأني هنا .

<5>
أتبع ما يجعلني
محض طريد  لا يتعب ،
الباهرة .....
وهي  تمجّد سواد كموني
وتفضحني لأبدو أبلغ غموضا  
أتبع ما يوحدني حين أتعدّد،
ينفيني خارج براءة وحشي الغافل،
يبكيني منتشيا بميراث رحيلي .
أتبع حجبي
مزهوا بمآثر ظلّي  .

<6>
ما من شيء تملكه فرشاتي المنبوذة
سوى تكسير الألوان
فغدت معجزتي ضوء ا يصحو خارج
خديعة منازلها
ماذا اصنع .....
ظلامي بصيرة برهاني
جسدي في برلين
وخيالي معتقلا في ( باب بن غشير)
أتبع  حدسي .

<7>
في برلين سلخت الليل أكابد فزعي ،خشية
أن يغزو هتلر غرفة أحلامي
أن يستقبل  نثري  زوّارا من نسل الموتى .
عقارب صحرائي هناك
تلدغ لغتي هنا  .
لم اجن من هذي الحرب سوى عكاز
وثلاثة أورام تتبختر وخيال مهجور
لكن ما  لم أفهمه حتى كتابة هذا النثر ....  
لأي شيء ظلّ اسمي يبتسم ؟
......
<8>
معرفتي تمحوني .....
لا أثر يهرّبني .

<9>
لست سوى نوم يتشتت ،
 وتيه يتناسل ،
تجمعني بذرة خوف ،
غير ملتفت لعابرة خرقاء حين  غنمت ذهبي
خسرت حكمة معرفتي.
لست سوى سديم يتململ ..
الماء بعض صفاتي .
صور سراب ..
تتعدد عناصر سفري فيتعذر غزوي.

<10>
لست سوى نفير الرائي
وأنا أغادر البشوش بعين راسخة
تقتحم الداخل بعناد الأعمى ،
ولهفة  السبع العليل إلى الصيد،
وسأم  المنبوذ الذي
لا أحد إلاّ هو .

<11>
أغادر نومي شريدا ،
تطاردني أحلام حافية وحكايات خفاء /
أتبع خيط برهان يتقطّع
فيضيع مسقط ذاكرتي
،ويتشظّى بريد حنيني .
أغادر " وفي النفس حاجات إليك كما هيا "

<12>
أتبع خلايا العطب ساخرا من وداعتها الماكرة وهي تتبختر طازجة كريح مطمئنة / بهيئة بخار لجهات توارت خلف هبوبي  ،وأشياء  من هبة الشطح ، قدّت من نعاس وعسل وليل ، وإشارات يحتمل ضياعها كالصور والمفاتيح  والرؤى والأوطان والحدائق.مخلوقات ستخرج بعد حين ، لها طعم نساء وحروب، تشتّت بريقها بين المحطّات عندما لذت  بالخفاء مستغرقا في إصغائي لشيء يتمزق منطويا على قلق ثقيل  يخصني وحدي . وباء يهدر حليب كياني وملح نشيدي ، أينما وليت بصري  يتزوبع غبار فتنة .

<13>
أتبع خطى وجعي منتظرا رحمة مولاي .......
لعلّي أغادر فخامة ألمي ..
غير آبه بجيوش الأسى .
أتبع نسياني حيث كل ريح  محض خراب  
مهملا جسدي الذاوي منطويا على أسلاكه الشائكة ،
يصغي أخيرا لضراوة الخواتم .
لم يبق عود ثقاب أو عواء بارق أدّخره لصعودي
سوى جلد ترهاتي
يكسو بخجل ماكر  عظام بلاد هشة ،

<14>
 أغادر المنبوذ محفوفا بسهو آمن
كانت أثوابي تتسع
وكانت أمي تدعو الله أن يشفي سقم مخيلتي ،
وبناتي يسعين إليّ بقناني  العسل
وطحين الألفة المخلوط بذاكرة الأعشاب وأودية الذكرى.

<15>
كأنّي عرس غياب  .........................  
وطرابلس تتأبط مستقبلها خارج دثاري
تعطيني ظهرا من قطن مغشوش .
فغدت غيومي يا أبتي فاكهة
تتبعثر خارج أسوار خيالي .
 وأيامي جنون ،
وأقفال خائنة ترعى هياج جنوني.

<16>
كانت تلك فاصلة هوجاء بيني وبين براثن أخطائي .
فمن يحمي نباهة شكّي ونحاس يقيني
وأنا أغادر سماء لغتي محموما،
تحملني إلى الجبّ  الآمن أكتاف جلاسي .

<17>
أغادر الضحك الظافر مهزوما  /
لا أحد  اليوم يحييني .
تغرّب الغاوون ، وتلاشت أحذية العبّاد.
أنخابي من ورق يحترق مبلولا ،
وأسمائي بضع كلمات مترعة بالريح ،
تدور بين الأبواب .
3‏/5‏/2010 تم النشر بواسطة ابنة الورد.
22 من 22
وصايا                        

   مفتاح العمّاري
(1)
الكلمة الذكية،  مثلما تعرف نفسها تعرف الآخر.  فقط ، املأ فراغك .
(2)
الكلمة القوية الواثقة من حلمها أول شيء تفعله أن تعتني بنسيجها ، وهي مكتفية بنفسها ، لا تتطلع لضوء خارج ضوئها ، هي سعيد بتحققها ، بهويتها ووجودها ، بتاريخها وتجاربها وذاكرتها  ولغتها وألعابها . فقط ، اكتب نفسك .
(3)
الكلمة الحرة تصنع نفسها ، تتكئ على عكاز سيرتها  وارثها ، تبتكر سحرها الخاص بها ، وتصنع سفينتها لكي تتقي الطوفان .
فقط ،لا تجعل كلمتك  عرضة للمهبّ .
(4)
لا يعد كل من تحصل على نوبل هو من مستحقيها  ، ولا تعد مهرجانات  الكلمة الآن سوى حلقات تهريج وولائم يشرف عليها المتبطلون والفراغ ..لن يضيرك في شيء إذا ما أسقط اسمك ، أو أشير إليه كأنه نكرة ... فأولئك يسيئون لأنفسهم ، ويفضحون جهلهم ،ويكشفون عن مناطق أورامهم .. اطمئن ، فذلك  لن يضير قصيدتك في شيء .
فقط ، اقفل بابك ريثما تتلاشى الزوبعة .
(5)
الكلمة أكبر من أن  تقاس بضوضاء المهرجانات ولغو العابرين  ونجوم الفنادق ، كما أومأ الشاعر مرة في ربيع القيروان : الكلمة بذرة ماء .
فقط ، دع كلمتك أكثر رسوخا وقوة وثباتا .
(6)
الأجدى بك أن تكتب ، أن تكتب فقط ، حين تستدرج الشمس لقصيدتك ، الشمس التي تتوق كشاعر  لتحسس أهدابها،  حتى يتخلل الدف أنامل شهوتك للحقيقة .
(7)
القصيدة  امرأة تطرح ثمارها
وأنت العاشق .
فقط دع برتقال قصيدتك  يضيء ، وضوءك ينمو .....
3‏/5‏/2010 تم النشر بواسطة ابنة الورد.
قد يهمك أيضًا
كيف ادخل مفتاح الونوز 7
مفتاح
مفتاح العلم:
ممكن مفتاح تنشيط TuneUp Utilities 2010
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة