الرئيسية > السؤال
السؤال
لا تدركه الأبصار
قال الإمام الجصاص في كتاب أحكام القرآن : "لا تدركه الأبصار" معناه لا تراه الأبصار وهذا تمدح ينفي رؤية الأبصار كقوله تعالى " لا تأخذه سنة ولا نوم " وماتمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص فغير جائز إثبات نقيضه بحال
حوار الأديان | الفتاوى | الأديان والمعتقدات | التوحيد | الإسلام 12‏/2‏/2013 تم النشر بواسطة شمس الضيا.
الإجابات
1 من 2
رؤية الله:

قضية رؤية الله من القضايا الشائكة عند علماء الكلام ما بين مثبت للرؤية في الدنيا والآخرة كالأشاعرة والماتريدية والظاهرية وما بين نافٍ كالمعتزلة والإباضية، وكل فرقة تحاول أن تدعم وجهة نظرها بالحجج العقلية والنظرية، وحسبنا في هذا المقام أن نجلي الحقيقة حول موقف الإباضية وحقيقة مذهبهم في هذا الموضوع.

فلو نظرنا إلى موقف السلف وإجابتهم عن التساؤل:

هل رأى النبي ربه في الدنيا؟

يذهب ابن خزيمه إلى أن الصحابة قد اختلفوا في الإجابة عن هذا السؤال، فبعضهم - كابن عباس - أثبت رؤية الرسول –صلى الله عليه وسلم- لله تعالى ليلة أسري به، وبعضهم - كأبي ذر- لم يقطع في المسألة برأي حاسم، وبعضهم - كعائشة - نفت ذلك، ويشير ابن أبي العز إلى اختلاف الصحابة في رؤية الرسول –صلى الله عليه وسلم- ربه بعيني رأسه، ثم يقول: والصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعيني رأسه لقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾(النجم:11) أي المرئي جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها(43).

من جهة أخرى: يذهب ابن أبي العز إلى أن رؤية الله يوم القيامة حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق بذلك كتاب ربنا وما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنة والجماعة والمخالفون لهم في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية والزيدية والإباضية(44).

إذًا المشكلة كما أشرنا خلافية منذ السلف وهي من الظنيات، وكل فريق له أدلته ومن ثم فالمسألة لم يُقطع فيها برأي، يقف الشيخ نور الدين السالمي موقفاً نقدياً مما ذهبت إليه الأشاعرة مفنداً دعاواها في هذا الموضوع؛ لكي ينتقل من النقد إلى البناء، وحسبنا أن نشير إلى رده على حجج الأشاعرة فيقول: قد استدلوا على جواز الرؤية بالظواهر السمعية بأشياء منها قوله تعالى حكايةً عن الكليم ﴿رَبِّ أَرِنِي انظر: إِلَيْكَ﴾ ووجه استدلالهم بها على الجواز قالوا: لو لم تكن رؤيته تعالى جائزة ما سألها الكليم عليه السلام؛ لأن سؤاله إياها إما أن يكون ناشئاً عن جهل باستحالتها أو عن معرفة باستحالتها: والأول محال؛ لأن من كان جاهلاً بما يجوز على ربه وما يستحيل عليه لا يصلح أن يكون نبياً كليماً. والثاني أيضاً يستحيل كذلك؛ لأنه إن عرف أنها مستحيلة فطلبُ ما هو مستحيل في حق مثل الكليم معصية، ويجيب الشيخ السالمي على هذه الحجة بقوله: قلنا سألها وهو يعلم باستحالتها ولا يلزم بسؤاله إياها طلب ما هو مستحيل، نعم يلزم ذلك أن لو أراد وقوعها لكنه لم يُرد، وإنما سألها ليسمع قومه الجواب باستحالتها(45).

ويحلل الشيخ السالمي هذه الحجة بصورة أكثر وضوحاً تدل على علو كعبه في تحليل الدليل النقلي فيقول: إما أن يكون أولئك القوم مؤمنين فيكفيهم إخبار موسى باستحالتها، وإما أن يكونوا كافرين فلا يصدقونه، ثانياً: أعني حيث إنه ينقل إليهم أنه تعالى أجاب باستحالتها كما أنهم لم يصدقوه حين أخبرهم بذلك، ويرد الشيخ على هذا التفنيد بقوله: قلنا ليس القوم بمؤمنين وأي إيمانٍ لمن قال لنبيه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾(البقرة:55) ولا يلزم من عدم تصديقهم إياه في إخباره باستحالتها عدم تصديقه بإخبارهم أن الله أجابه باستحالتها مع احتمال أن يظهر له آية من الجواب الثاني، كاندكاك الجبل مثلا، وأيضاً فالكليم قد اختار منهم سبعين رجلاً لذلك الميقات، وكلهم قد سمعوا لن تراني، فإخبار السبعين أقوى في ظن القوم من إخباره بنفسه، وأيضاً فأولئك السبعون هم الذين سألوا موسى الرؤية حين سمعوا الكلام، فقاسوا صحة الرؤية على وقوع الكلام قياساً فاسداً فأخذتهم الصاعقة، ومما يدل على أن موسى سألها لقومه قوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾(الأعراف: 155) وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾(النساء:153) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾(البقرة:55) فلو كان موسى -عليه السلام- سأل ما سألوا لوُبّخ كما وبخوا وهلك كما هلكوا(46).

أظننا لسنا في حاجة إلى التأكيد على قوة حجة وتفنيد الإمام السالمي لحجج الأشاعرة ومن سار على دربهم من الفرق الأخرى.

ويذهب الشيخ السالمي إلى أن تأويل الآيات القرآنية قد خرج عن مدلوله الصحيح فيتوقف عند: ﴿على الأرائك ينظرون﴾(المطففين:22) يقول: لا دلالة في الآية على رؤية الله لعدم ذكر المنظور فيفسر بالنظر إلى ما أعد الله لهم من الثواب في مستقر رحمته، كما أرشد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾(الإنسان:20).

وأما الحديث أنهم رووا عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما نصه: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» يرى الإمام السالمي أن الاستدلال على ثبوت الرؤية باطل من وجوه:

1- أنه خبر آحاد اختُلف في وجوب العمل به فضلاً من إفادته العلم والعقائد من العبادات العملية، وقد صرح هؤلاء القوم أن خبر الآحاد لا يثبت به الاعتقاد.

2- أن هذا الحديث معارض لنص الكتاب: ﴿لا تدركه الأبصار﴾.

3- أن فيه تشبيه الرب تعالى بالقمر ليلة البدر فيلزم المستدلين به أن يكون ربهم كالبدر مستديراً منيراً من جهة مخصوصة، ولا خفاء في بطلانه.

4- ولما كان الحديث في تشبيه رؤيته تعالى برؤية البدر التشبيه المحض، فإن رؤية البدر مستلزمة للجهة والمقابلة ونحوهما من لوازم الرؤية، وبناء على ذلك فالحديث إما موضوع وهو الظاهر، وإما متأوّل برؤية الثواب أو مستقر الرحمة أو نحو ذلك، فسقط بِحمد الله جميع ما تعلقوا به ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(الإسراء: 81).

وفي هذا الصدد يذهب الإمام السالمي بقوله:

ورؤيــة البـاري من المحــال           دنيا وأخرى احكم بكل حـال

لأن من لازمهــا        التميـزا          والكيف والتبعيض والتحيــزا

من جـهـة تقابل الذي نظــر          فهـذه وما أتى به الســـور

من قـول لا تدركه       الأبصـار        لن تراني فانتفـى الإبصـــار

واضح أن الإمام السالمي يلتقي مع المعتزلة في نقده وتفنيده لمثبتي الرؤية(47).

ويعلق الشيخ السالمي على قول الشيخ الباجوري في قوله في حواشي الجوهرة: والراجح عند أكثر العلماء أنه –صلى الله عليه وسلم- رأى ربه -سبحانه وتعالى- بعيني رأسه وهما في محلهما خلافاً لمن قال حولا لقلبه لحديث ابن عباس وغيره، وقد نفت السيدة عائشة -رضي الله عنها- وقوعها له –صلى الله عليه وسلم- لكن يقدم عليها ابن عباس؛ لأنه مثبت والقاعدة أن المثبت يقدم على النافي.

ويجيب الشيخ بقوله: هذه القاعدة هي معتبرة في الظنيات العمليات لا العلميات الاعتقاديات(48).

لقد أخلص لهذه القضية علماء الإباضية في القديم والحديث إخلاصاًً لا حد له فالشيخ الخليلي يفرد لها صفحات وصفحات في كتابه (الحق الدامغ) (وتنزيه الله سبحانه وتعالى) وغيرهما من مؤلفات مما يدل على أن هذه القضية «قضية تنزيه الألوهية» من القضايا الكلامية المحورية في الفكر الإباضي.

ويرى الشيخ الخليلي أن البعض قد أول آي القرآن تأويلاً يخرجه عن مرماه الحقيقي فمثلاً قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قد فسروا الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية مستدلين بحديث صهيب عن الشيخين مرفوعاً (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. قالوا: ألم تبيض وجوهنا وتنجينا من النار، وتدخلنا الجنة؟!! قال: فيكشف الحجاب، قال فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه) ويعلق الشيخ أن لفظة الزيادة مبهمة غير دالة على الرؤية وضعاً ولا استعمالاً من قريب ولا ومن بعيد(49).

وينتهي الشيخ الخليلي إلى رأي يفض الاشتباك - إن جاز التعبير - حول هذا الموضوع فهو لا يرفض تجليات النور وإنما الرؤية بالمعنى الحرفي، ولا يرفض أذواق العارفين من أهل الله الخلص وهو من أقرب الآراء إلى جادة الصواب في حدود ما قرأت في هذا الباب، وفي حدود جهد المقل الضعيف، فرغم كل ما قدّمنا من أخْذٍ ورد على هذا الموضوع، فلن نستطيع أن نلغي أشواق العارفين، ومذاقات رجال الله الصالحين في تلقي الفيوضات الرحمانية والأنوار الإلهية حينئذ يتوارى البصر أمام البصيرة ويتجلى الحرمان أمام البرهان وينمحي الظاهر أمام لغة الباطن الراقية وتبقى لغة الإشارة وتنمحي من الوجود والشهود لغة العبارة!!

يقول الشيخ: ولا ريب أن في الجنة من التجليات الربانية لأصحاب السعادة ما يفوق ما يكون في مواقف القيامة، فلا غرو إذا عبر أصدق الإنس والجن، وأبلغ العرب والعجم بالرؤية، أو نحوها من العبارات تقريباً للأفهام، وقد كان –صلى الله عليه وسلم- يخاطب العرب باللسان العربي البين الذي نشأوا عليه، فعرفوا معانية وأدركوا مراميه، فلا تعجبوا إذا لم يشكل عليهم هذا الخطاب.

وإذا كان العبد إن أخلص لله تعالى في هذه الدار الدنيا - مع كثافة حجب طبائعها المادية المظلمة - تتراءى له في ذكره ودعائه مشاهد العظمة وينكشف له من آيات الجلال ما يجعله يغيب عن وجوده غارقاً في عالم شهوده، مشغولاً عن نفسه بما يمده به الحق تعالى من ألطاف الأُنس، المتراسلة من حظائر القدس، خصوصاً في بعض الأحوال كخلوات العبادة، وفي الأزمان كليالي رمضان، وفي بعض البقاع كالحرمين الشريفين فما بالك بالدار الآخرة التي أعدت للمتقين، حيث ترقى نفوسهم إلى أوج الكمال الإنساني.

ولا ينكر مشاهد الأُنس هذه في هذه الدار الدنيا إلا من حُرم شفافية الروح، ورقة الشعور والوجدان التي يشعر بها العبد وهو ماثل بين يدي الله تعالى، داعياً وذاكراً، حتى يكون كأنه بأنسه بربه يرى ذاته تعالى بأم عينيه، من غير أن يتحول تعالى عن صفته الذاتية، وهي عدم إدراكه بالأبصار، سمى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هذه المرتبة بالإحسان، وذلك في قوله: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك) فأي عجب إذا حصل للمؤمنين الصادقين في إيمانهم، المخلصين في عملهم ما هو أبلغ من الدار الآخرة من ذلك من التجليات الجلالية لعقولهم وقلوبهم؟ وأي بدع إن عبر عن ذلك بالرؤية مع ورود مثله في اللسان العربي(50).

وبهذا يتضح المراد بالرؤية في الأحاديث، وبه يُمكن الجمع بينها وبين آيات التنزيه الناصة على منعها، ومهما يكن من أمر فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الاعتقادية؛ لأن الاعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يقوم إلا على الأدلة القطعية المتواترة نقلاً، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلاً آخر، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوت متنه الظن، فلذلك قال المحققون: إنه يوجب العمل ولا يفيد العلم، وإذا كانت هذه درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عورض بالنصوص القطعية من القرآن؟!! ولذلك يحكم بسقوط الروايات الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق إذا لم يتحمل التأويل؛ لاستحالة أن يصدر ذلك عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم
12‏/2‏/2013 تم النشر بواسطة حمزة الحسني (حمزة الحسني).
2 من 2
ورؤيــة البـاري من المحــال           دنيا وأخرى احكم بكل حـال

لأن من لازمهــا        التميـزا          والكيف والتبعيض والتحيــزا

من جـهـة تقابل الذي نظــر          فهـذه وما أتى به الســـور

من قـول لا تدركه       الأبصـار        لن تراني فانتفـى الإبصـــار
12‏/2‏/2013 تم النشر بواسطة حمزة الحسني (حمزة الحسني).
قد يهمك أيضًا
ليش البعض بيشك بوجود الله سبحانه وتعالى ؟؟
1+1=730
سؤال للكل ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة