الرئيسية > السؤال
السؤال
كيف هي الحياة الاقتصادية و الاجتماعية للدولة الزيانية ؟
الرياضيات | المحاسبة 26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة algeria girl.
الإجابات
1 من 5
المجاعات و الأوبئة بتلمسان *

في العهد الزياني (698-845هـ/1299-1442م)
يحفل التاريخ الزياني الإجتماعي بمجموعة من التغيرات و الإنعطافات الحاسمة التي ظلت بقعة من بقع التاريخ المنسي، فعلى الرغم من تصاعد الدراسات الكثيرة حول هذا التاريخ خلال هذين العقدين الأخيرين، لا تزال بعض القضايا الخاصة بهذا التاريخ بعيدة عن مناطق الضوء ، و من هذا القبيل ظاهرتي المجاعات والأوبئة اللتان كانتا بمثابة لعنة عانى منها المجتمع التلمساني خلال حكم بني زيان لبلاد المغرب الأوسط، ولئن تمكنت أوروبا من قطع أشواط بعيدة في دراسة هاتين الظاهرتين نظرا لما توفر لديها من وثائق محفوظة، فإن دراستها في الجزائر لم تحظ بالتفاتة  علمية تذكر في الدراسات التاريخية الحديثة، باستثناء بعض الإشارات الخفيفة عنهما أثناء الحديث عن تاريخ الدولة الزيانية بصفة عامة، ينهض دليلا على ذلك ما كتبه الدكتور عبد العزيز فيلالي حول "تلمسان في العهد الزياني"1، و ما كتبه الدكتور الحساني مختار حول "الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية في الدولة الزيانية"2 قد يفسر هذا الإقصاء من دائرة اهتمامات المؤرخين الجزائريين بشح المادة التاريخية في المقام الأول ذلك أن المصادر التاريخية الزيانية ضربت صفحا عن ذكر الأخبار المتعلقة بالأوبئة و المجاعات باستثناء إشارات شاحبة وردت بكيفية عفوية في بعض هذه المصادر، كما أن معظم الروايات و الشواهد التاريخية طواها الزمن أو تم إتلافها في خضم الصراعات الدموية التي اندلعت بين مختلف القوى السياسية، أو تعرضت للضياع نتيجة خطة إدارية تسعى إلى حفظ الوثائق و صياغتها ، وقد يكون إغفال المؤرخين لهذا الأمر، راجع إلى كون الناس كما يقول بعض الباحثين "تدفن في ذكرتها الأكثر ظلاما هذه المآسي اليومية، و أولئك الذين ساهموا فيها، ألا يسردوا على أولادهم و لا على أنفسهم، إلى ما هو جدير بأن يكون" 3.

           تأسيسا لهذه الملاحظات المصدرية سنحاول تناول ظاهرتي المجاعات والأوبئة بتلمسان خلال العهد الزياني في الفترة الممتدة من (698-845هـ/1299-1442م) محاولين تعقب الأسئلة التالية :

           - هل كانت المجاعات والأوبئة كوارث من صنع الطبيعة أم الإنسان ؟

           - ما هي المجاعات و الأوبئة التي اعترضت تلمسان الزيانية خلال هذه الفترة؟

           - ما هي النتائج التي تمخضت عن هذه الكوارث ؟

           للإشارة، فإن قصدي من دراسة المجاعات والأوبئة، ليس دراسة العلاقة السببية بين الكارثتين، إنما إلقاء الضوء على أخطر الكوارث التي هددت المجتمع التلمساني في عهد بني زيان بالبقاء، و إن كانت هناك علاقة سببية بين الظاهرتين ، فهي ليست حتمية، إذ كثيرا ما أشارت بعض المصادر إلى حدوث مجاعات دون أن تعقبها أوبئة، كما أشارت إلى أوبئة دون أن تسبقها مجاعات.

           ولا بد لنا قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع،من تحديد مفهوم مصطلحي المجاعات والأوبئة التي سيتردد ذكرهما كثيرا في هذه الدراسة .

           جاء في لسان العرب "الجوع اسم للمخمصة، و هو نقيض الشبع و الفعل جاع يجوع جوعا (...) والمجاعتة : عام الجوع"4، و في جمهرة اللغة "الجوع ضد الشبع و يقال رجل جائع و جوعان"5 و في المحيط "المجاعة سنة الجذب التي يذكر فيها الجوع"6.

           ويظهر من هذه التعريفات أن المجاعة تعني الفرد و تعني المجموعة، إلا أن موضوع بحثنا يهتم بالمجاعة التي تنهار فيها كلية مقدرة الجماعة على الوصول إلى الغذاء، و تحدث الموت الجماعي، وقد جاء ذكرها في المصادر بأسماء متعددة منها : الجدب7، المحل8، المسغبة9، القحط10.

           أما الوباء11 (جمع أوبئة)، فهو كل مرض عام، يحدث بصورة سريعة، و يصيب أعدادا هائلة من جميع الأعمار والأجناس.

1- دور الطبيعة و الإنسان في حدوث المجاعات والأوبئة:

           شكلت المجاعات و الأوبئة خطرا حقيقيا على حياة سكان تلمسان خلال العهد الزياني، حيث ظلت تهددهم بالفناء، لذلك لم يستطع الإخباريون إسقاط هاتين الكارثتين من ذاكرة التاريخ، ذلك أن النتائج التي تمخضت عنها ساهمت في تكوين جزء كبير من مصير الأحداث التي اعتنوا برصدها،  و بالبحث عن أسباب حدوث المجاعات والأوبئة ، نكشف عن وجود نوعين من الأسباب، طبيعية و بشرية تتفاعل كل واحدة مع الأخرى بدرجات متفاوتة في حدوث هاتين الكارثتين، فمن بين الأسباب الطبيعية نذكر الجفاف الذي كان من الظواهر المألوفة في بلاد المغرب الأوسط، إذ كان ينجم عن عدم تساقط الأمطار خلال موعدها المحدد إلا أن سنة واحدة من الجفاف، ناذرا ما كانت تنجم عنها المجاعة، لأن الناس تعودوا مواجهة الجفاف بما يدّخرونه من أقوات، أما إذا توالت سنتان من الجفاف، فإن ذلك كان يؤدي إلى وقع إلى المجاعة كما حدث عام (303-305هـ) و عام (776-778هـ)، و إذا استمر الجفاف ثلاث سنوات فتلك لا محالة هي الكارثة، إذ كانت تنفذ المؤن و المدخرات، وترتفع الأسعار، و قد تنبه ابن خلدون إلى هذه الحقيقة وعبر عنها بقوله "فطبيعة العالم في كثرة الأمطار و قلتها مختلفة، و المطر يقوئ و يضعف و يقل و يكثر و الزرع و الثمار و الضرع على نسبته، إلا أن الناس واثقون في أقواتهم بالإحتكار فإذا فقد الإحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فغلا الزرع..." 12. كما كانت العواصف البردية القوية التي كانت تحدث في آخر كل خريف خلال فصل الشتاء تتسبب في إتلاف المحاصيل الزراعية وقتل البهائم والبشر، كما حدث عام (679هـ/1280م)، حيث "كانت الريح الشرقية بالمغرب دامت ستة أشهر فاعقبها الوباء العظيم والأمراض الكثيرة"13، و كانت بلاد المغرب الأوسط تتعرض كذلك إلى الفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة، فكانت تؤدي إلى منع الحرث و البذر، و إتلاف المحاصيل الزراعية و من هذه المطار تلك هطلت على أبي القاسم الفاطمي وفرضت عليه إقامة شهرا متواصلا في سوق إبراهيم عام (315هـ/997م)14، و تزخر كتب النوازل الفقهية بإشارات حول تضرر الفلاحين من هذه التساقطات الزائدة عن الحاجة فمثلا "سئل القاضي أبو عبد الله بن علاف عن رجل اكترى من رجل موضعا ، فأتى السيل و دخل عليسه و حمل منه نحو الثلث وتعطل من غلته كذلك"15، ولم تقتصر خطورة عدم انتظام التساقطات هذه في ما تحدثه من سيول بل في تهيئتها الأرضية لتفشي الأوبئة ذلك أن سقوط المطار بعد فترة من الجفاف، أو في غير موعدها يؤدي إلى ظهور بعض الأوبئة، وفي هذا الشأن يذكر حسن الوزان "أنهت فقي بعض السنين ينزل المطر في شهر يوليو، فيفسد الجو كثيرا، و تنشأ عنه حمى حادة تشتد على أكثر الناس و لا ينجو منها إلا القليل"16، وقد كانت العواصف القوية المصحوبة بالبرد والثلوج و الجلود تؤثر على الزرع و تفسد غلاته، وتعيق نمو الخضر و الفواكه، و تؤدي إلى إتلافها، فقد ذكر ابن مرزوق أن تلمسان كانت أشد بلاد المغرب الأوسط برداو تجلدا17،و كانت الرياح القوية خاصة تلك القادمة من الجنوب تؤدي إلى إحراق المحاصيل الزراعية و حدوث المجاعة كما حدث عام 776هـ/1374م حيث أن المجاعة حدثت نتيجة إعصار عظيم ألم بسكان تلمسان18، هذا وقد كانت الآفات الحشرية تتسبب هي الأخرى في حدوث مجاعات، و منها الجراد الذي ظل يكتسح بلاد المغرب الأقصى بشكل مستمر، و الذي كان لا يترك وراءه إلا الأغصان اليابسة ، وقد ذكر علماء الزراعة و الأغذية أن أخطر أنواع الجراد، الجراد الصحراوي، الذي ينتشر أفقيا من الهند إلى المغرب، و عموديا من سواحل البحر المتوسط إلى خط الإستواء، و غالبا ما ينتشر في شمال إفريقيا خلال فصل الربيع19. و في إحدى رسائل الأمير علي بن يوسف (500-537هـ/1106-1143م) يصف الدمار و الخراب الذي يخلفه الجراد ، بما يلي "إن الجراد داء عضال، و إن كان كما يقول - من البحر نشره فإنما هو جمرة تحرق البلاد، و تجيع العباد و شأنها الفساد (...) ينزل بالوادي، قد امتلأ عشبا ، و طلعت أزهاره شهبا (...)" فيتركه جمرة سوداء، لا يجد فيها الضب عرادا و لا النبت  أراكا و لا قتادا..."20 و وقد داهم الجراد بلاد المغرب سنة 624هـ/1228م فأتى على المحاصيل بجميع أنواعها، فارتفع القمح ومختلف المواد الغذائية21، و تكرر قدومه سنة 630هـ/1232م فعمت المجاعة بسببه بلاد المغرب الإسلامي، فانعدمت فيه الأقوات، و نقصت الغلات، و قلت مردودية الأرض ، و ذهب معظم الإنتاج، فتضرر الإنسان والحيوان معا، وقد وصف ابن الخطيب هذه الكارثة بقوله "عظم الجفاف، و عصفت الريح الرجف، تنقل الهضب قبل ارتداء الطرف، و تبدا أعيان الأرض، و تعاجل حلاق لمم النبت، فصيرت  وجه الأرض كمطارح خبث الحديد أما مضارب البيد، يبسا و قحلا، و عقرا للأرجل وعصيانا على السنابك، و أحرقت  ما كان قد نجم من باكر البذر و نشط النبات و دامت، فاستأصلت الأوراق من الشجر الدهين، الذي لا يسقط و نشفت البشرات و أثنيت الجلود"22
26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
2 من 5
أما الأسباب البشرية المسببة لحدوث المجاعات والأوبئة فمنها الحروب و الفتن التي شكلت سمة أساسية من سمات العصر الوسيط، إذ لا تكاد الحروب تنتهي حتى تتصاعد من جديد مخلفة وراءها الخراب و الدمار والجوع. يذكر ابن هيدور "أن الغلا لحدوثه سببان إما احتباس المطر في البلاد المحتاجة إليه ، و إنما لظهور الفتن و الحروب بسبب الخروج على الملوك، فإذا دامت الفتنة وقع الفساد في الحواضر والبوادي، وفسدت حبوبها المختزنة، و انقطعت الطرق و عدمت المرافق لأجل ذلك"23، إن الإضطرابات بصفة عامة ، تؤثر سلبا على المنظومة الإنتاجية في شموليتها ، وذلك بتهديدها للوجود الإنسان، و ما يتبع ذلك من خراب المعامل، و تقلص المساحة المزروعة، و تدمير حياة الإستقرار، ناهيك عن استنزافها لجزء مهم من المؤن و الأقوات، إلا أن الجانب الأخطر لهذه الحروب و الفتن ، هو زعزعتها للنشاط الفلاحي يذكر أحد الباحثين "عندما لا تصيح الحقول طوال سنوات متعددة سوى  مسرح للمعارك، أو مجرد  ممر لعبور وحدات المحاربين، التي تعيش من المنطقة وتمارس فيها سياسة الأرض المحروقة، فإن الأمر ينتهي بالفلاحين إلى الإنصراف عن الاهتمام بمزروعاتهم أو إلى عدم الإهتمام إلا بالحد الأدنى الذي يكفيهم للغذاء"24. و هناك عدة أمثلة عن الدمار التي كانت تخلفه الإضطرابات ، من ذلك يصف ابن أبي زرع الفاسي حملة التي قام بها السلطان المريني أبي يعقوب على تلمسان سنة 670هـ، و قيام قبائل بني توجين التي كانت مناوئة  للسلطة الزيانية باستغلال الفرصة، حيث راحت تعمل التخريب  بجهات تلمسان "... فقطعوا الثمار، و نسفوا الآبار، و خربوا الربوع، و أفسدوا الزروع، ولم يدعوا بتلك الجهات قوت يوم حاشا السدرة و الدوم..."25.

           و في إحدى حملات السلطان المريني أبي سعيد عثمان بن يعقوب (710-731هـ) و التي جاءت على إثر سوء  العلاقة بينه و بين السلطان الزياني أبي حمو موسى الأول (707-718هـ)، فحين استعصت تلمسان على أبي سعيد سير الحملات إلى نواحيها" ... و غلب أبو سعيد على معاقلها و رعاياها، و سائر ضواحيها إلى تخزين ما لديهم من أقوات و الإمتناع عن عرضها في الأسواق، الشيء الذي كان يصعد من موجة الغلاء يقول ابن خلدون "أن الناس واثقون في أقواتهم بالإحتكار فإذا فقد الإحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فغلا الزرع"27، كما كانت الضرائب غير الشرعية، إحدى العوامل التي ساهمت في إفقار قطاع واسع من المجتمع التلمساني ذلك أن الدولة الزيانية كانت تفرض ضرائب ثقيلة و متنوعة لحاجتها المتزايدة إلى الأموال تهيئة للجيوش و استعدادا للحروب28، كانت الزراعة أكثر القطاعات تضررا من السياسة الجبائية ، لأنها قوام الحياة بالمغرب الأوسط، و قد عكست النوازل الفقهية الدور الخطير الذي لعبته هذه السياسة في توجيه الزراعة، لقد كانت السياسة الجبائية التي فرضها بعض سلاطين بني زيان كارثة على الفلاحين حيث أرغموهم على دفع الضرائب لتعزيز شركة الدولة، وقد أفقد هذا الوضع المزارعين  كل حافز للعمل و الإنتاج، حيث اضطروا إلى هجر أراضيهم، كما عمد بعضهم إلى تقليص مساحة الإنتاج التي يملكها بتقطيع أشجارها، ونتف زروعها29، و يمكننا أن نستنتج ثقل هذه الضرائب من خلال المغارم التي ألغاها السلطان المريني أبو الحسن على بن عثمان (731-752هـ) عقب حملته الناجحة على تلمسان، و تمكنه من احتلالها سنة 737هـ "ورفع فيها (أي تلمسان) من المغارم ما كان شائعا خسيسا، و يجتمع فيه أموال المغرم على الحطب و الدجاج و البيض و التبن و سائر المرافق التي يفتقر إليها القوي و الضعيف... و رفع فيها أيضا تضعيف المخازن في الإختفاء... و مما رفع رضي الله عنه وظيفة مغرم الماء، و كان سقي الجنات يضطر فيه المغرم للبراءة ولصاحب الحوز و الحراس و يجري من المصائب و الخسارات و الغبن ما لا يدخل تحت حصر ... و أسقط عن أحواز تلمسان و ما اشتمل عليه المغرب الأوسط من الحوادث و الظلمات ما يضاعف به الله الحسنات ويرفع له الدرجات"30، كما جاء في مدح السلطان الزياني أبي تشفين بن أبي حمو أنه "...رفع عن العامة مبتدع الوظائف"31، يتضح أن السياسة الضريبية لم تكن تراعي الضرورات الإقتصادية و الإنتاجية و مستوى الحياة الإجتماعية، و في ظل اقتصاد معيشي مهدد بالكوارث الطبيعية كان أدنى تراجع في الإنتاج، يدفع المجتمع إلى وهدة المجاعة، لذلك رأى ابن خلدون أن المجاعات ترتبط "... بقبض الناس أيديهم على الفلح على الأكثر بسبب ما يقع في أواخر الدولة من العدوان على الأموال والجبايات"32.

           وبالتالي يمكن القول أن دور الطبيعة و الإنسان كان حاسما في حدوث المجاعات والأوبئة بتلمسان خلال العهد الزياني، فإذا كان بإمكانه الإحتياط من الكوارث الطبيعية بفعل تعوده عليها عبر وسائل متعددة، فإنه ظل عاجرا عن مواجهة الإضطرابات، مما كان يحطم كل شروط الإستقرار و يهيئ بالتالي الأرضية لظهور المجاعات.

2- المجاعات والأوبئة وتأثيرها على المجتمع :

أ- المجاعات :

* مجاعة 698-706هـ/1299-1306م :

           كانت تلمسان معرضة كثيرا لمخاطر الجوع بفعل الحصار الذي فرضها عليها المرينيون في كثير من الأوقات، و الذي كان من أنجح الوسائل الحربية و تزخر المصادر التاريخية بأمثلة لهذه المجاعات التي تعود أسبابها لهذا النوع من الخطط الحربية. و في نهاية القرن السابع الهجري عرفت تلمسان مجاعة شديدة بسبب الحصار الطويل الذي فرضه السلطان أبو يعقوب يوسف المريني عليها، بدأ تنفيذ هذا الحصار يوم 2شعبان 698هـ/1299م وانتهى في ذي القعدة سنة 706هـ/1306م، أي أنه استغرق مدة ثماني سنوات وثلاثة أشهر، كان لهذا الحصار وقع شديد على سكان مدينة تلمسان بحيث أحاط العسكر بها من جميع جهاتها، وفقدت فيه الدولة الزيانية معظم مدنها بالمغرب الأوسط، و نتيجة لذلك نال سكان تلمسان الجوع ما لم ينل أمة من الأمم. "فاضطروا إلى أكل الجيف و القطط و الفئران، حتى زعموا أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى من الأناسي" على حد تعبير ابن خلدون33. أما ابن الأحمر فاضطر إلى التعبير عما عاناه سكان تلمسان من جراء هذه المجاعة بقوله: "...حتى أكلوا الجيف و الحشرات و جميع الحيوانات من الفئران و العقارب و الحيات والضفاذع و غير ذلك، حتى أكل بعضهم بعضا، و كانوا يفرطون و يجعلون غائطهم في الشمس حتى يعود يابسا فيطبخونه و يأكلونه، وهو في ذلك يشدد عليه م الحصر ويقول لأواصلنه عليهم حتى أقتلهم جوعا..."34. ومهما يكن، فقد كانت المجاعة قاسية نظرا لطول المدة التي استغرقتها، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية والحبوب و الخضر والفواكه و سائر المرافق غلاء تجاوز حد المألوف، فاستهلك الناس أموالهم ومدخراتهم، و ضاقت أحوالهم، فكان الهالك بالجوع أكثر من الهالك بالقتل35، و أطلق المرينيون على المنازل "نهبا و اكتساحا"36 و أصدروا بقتل كل من يدخل بضاعة أو مواد غذائية إلى تلمسان، فتضرر السكان من داخلها لانعدام الأقوات باستنفاذ المخازن فلم يطق السكان تحمل هذه المجاعة37، فمات منهم خلق كثير إذ تشير المصادر التاريخية أن هذه المجاعة خلفت كثيرا من الضحايا، إذ هناك من المؤرخين من يشير إلى أن مدينة تلمسان أصبحت خالية من سكانها الذين كان عددهم يفوق مائة و خمسة وعشرون ألف نسمة على أقل تقدير38، فلم ينج من هذه المجاعة إلا بضعة آلاف من الناس، و إذا كان بعض المؤرخين عزوا ارتفاع عدد ضحايا هذه المجاعة إلى عجز و تقصير السلطان الزياني أبو حمو موسى الأول (697هـ/718م) عن اتخاذ إجراءات من شأنها التخفيف من وطأتها39، إلا أننا نرى ذلك ظلم وتجنّي عليه ذلك أن هذه الكارثة الطبيعية الناجمة عن الحصار المريني كانت تفوق طاقة السلطان أبو حمو موسى الأول، و أكبر من إمكانياته، فقد وصف فلم يكن بذلك السلطان ضعيفا و مقصرا، فقد وصفه التنسي بما يلي "فولي بعده أخوه الملك الأمجد، ذو الغرة الميمونة و الجبين الأسعد، الذي فرج الله بيمن طلعته الشدة، و آل الأمر من بعض الضيق إلى السعة في أقرب مدة، و غمر أهل مملكته اليمين و الأمان، أمير المسلمين أبو حمو موسى بن عثمان ، فأقام عمود الملك بعدما أشرف على الهلاك، و قارع الثوار، و اقتحم الأنجاد والأغوار"40. ويصف يحيى بن خلدون بأنه كان "فضا غليظا حازما يقظا".41
26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
3 من 5
*مجاعة 776هـ/1374م:

           حدثت هذه المجاعة في عهد حكم السلطان أبو حمو موسى الثتني (760-791هـ/1359-1389م) وصفتها المصادر التاريخية بالمجاعة الكبرى42،  و المجاعة العظيمة43، ومما يثير الإنتباه أن هذه الكارثة لم تقتصر على تلمسان الزيانية، بل امتدت لتشمل مناطق أخرى من العالم، و في هذا الصدد يذكر ابن القاضي أنه في عام 774هـ/1373م "بدأ الجوع و الغلاء والموت بمصر و العراق و الشام"44 و يصف المقريزي الوضع بمصر عام 776هـ/174م فيقول "كثر موت الفقراء و المساكين بالجوع، فكنت أسمع الفقير يصرخ بأعلى صوته لبابة قدر شحمة أدنى أشمها وخدوها فلا يزال كذلك حتى يموت"45 كما نكبت سائر أقطار المغرب كذلك بها حيث وصفها ابن قنفذ بقوله "وفي هذه السنة (776هـ) كانت المجاعة العظيمة بالمغرب وعم الخراب به"46 وفي أوروبا سمي عام 776هـ/1374م في مايوركا بعام الجوع47، و لم ينج من هذه المجاعة إلا بلدان أوروبا الشمالية.

           إن تزامن المجاعة في هذه المناطق، لا يمكن أن يكون صدفة، بل يدل على أن آليات المجاعة لم تنحصر في أسباب محلية أو إقليمية، وإنما تندرج في إطار التقلبات المناخية العالمية، وقد أكدت الدراسات الأوروبية أن مجاعة 776هـ/1374م تعود بالأساس إلى انحراف في أحوال الطقس48. تأسيسا  لذلك يمكن إرجاع أسباب هذه المجاعة التي اجتاحت تلمسان خلال هذه الفترة إلى الإعصار الشديد الذي اجتاح بلاد المغرب الأوسط، و يؤكد ذلك يحيى بن خلدون الذي عاصر هذه المجاعة بقوله "إنها نتجت عن إعصار عظيم، أهلك زرع صائفة تلمسان و حيوانها، فأكل الناس بعضهم بعضا، وافتقروا إلى ما لدى السلطان فتصدق عليهم بنصف جبايته كل يوم على ضعفائها، ويجتمعون في الرحاب الفسيحة المعينة فيقسم حفظه اللك الأرزاق عدلا بينهم"49، و في محاول للتخفيف من معاناة الناس أصدر السلطان أيو حمو موسى الثاني قرار بالتكفل بالضعفاء والمساكين والفقراء، و بضمهم إلى بيمارستانات المدينة، و تقديم الطعام لهم في الصبح و المساء طوال فصلي الشتاء والربيع، كما فتح للرعية أهراء الزرع و مخازنه و أباح للناس بيعه، و خفض لهم سعره بحسب ما اقتضته ظروف المجاعة و أحكامها، و كان أبو حمو موسى الثاني، كغيره من سلاطين بني زيان حريصا على تخزين المال و المؤن تحسبا لمثل هذه الظروف و لغيرها، و كان يحث الناس على الإقتصاد و تخزين المؤن كل سنة50. وقد اشتكى أحد السراة الميسورين وهو أبو العباس أحمد الشهير بابن قنفذ القسنطيني من ارتفاع سعر المواد الغذائية في مدينة تلمسان جراء هذه المجاعة، إذ لم يستطع تحمل النفقة الباهضة التي كانت تكلفه يوميا أربع دنانير ذهبا دون المزية العظمة و اليد الكبرى التي تبيع له الطعام51. و يبدو أن التقلبات المناخية لا يمكنها أن تفسر لوحدها هذه المجاعة التي تسببت في خراب المغرب، حسب تعبير ابن قنفذ، فالحروب التي خاضها أبو حمو موسى الثاني خلال فترة حكمه، و ما رافقها من فتن داخلية كان لها دور كبير في تضرر الفلاحة، و بالتالي حدوث هذه المجاعة، لذلك لم يجانب ابن خلدون الصواب عندما ذكر أنا المجاعات تحدث نتيجة "لقبض الناس أيديهم عن الفلح في الأكثر بسبب ما يقع في آخر الدولة... من الفتن  الواقعة في انتقاص الرعايا و كثرة الخوارج لهرم الدولة".52

ب- الأوبئة :

*وباء الطاعون :

           يعد وباء الطاعون من أشد الجوائح الطبيعية و أكثرها فناء و أشدها فتكا للبشرية، وقد عرفت تلمسان هذا الوباء الجارف عدة مرات خلال العهد الزياني، فكان ينتشر على رأس كل عشر سنوات، أو خمس عشرة سنة، أو عشرين سنة تقريبا، يؤدي إلى هلاك الكثير من الناس53، و تشير الدراسات الحديثة54 أن أول طاعون اكتسح العالم كان طاعون جوستنيان، في القرن السادس الميلادي الحوض المتوسطي55، وبعد عودته الدورية لمدة قرنين، اختفى فجأة في القرن الثامن الميلادي، ليعود إلى الظهور من جديد في القرن الرابع عشر الميلادي، انطلاقا من آسيا الوسطى حيث ظهر ببلاد الصين سنة 746هـ/1346م و اكتسح أوروبا، ووصل إلى شمال إفريقيا سنة 749هـ/1349م56، و قد عرف بتسميات مختلفة منها الطاعون الأكبر 57، و الطاعون الأسود58، و الموت الأسود 59، و الشر الأسود 60 و الفصل الكبير وسنة الفناء61، تفشى هذا الوباء في بلاد المغرب مخلفا الكثير من الضحايا، وقد عاصره ابن خلدون فوصفه وصفا دقيقا بقوله "نزال بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة، من الطاعون الجارف، الذي تحيق الأمم، و ذهب بأهل الجيل و طوى كثيرا من محاسن العمران و محاها جاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وقل من حدها وأوهن من سلطانها و توادعت إلى التلاشي و الإضمحلال أحوالها، و  انتفض عمران الأرض انتفاض البشر ، فخرجت الأمصار و المصانع، و درست السبل و المعالم و حلت الديار و المنازل، وضعفت الدول و القبائل، و تبدل الساكن و كأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، ولكن على نسبته و مقدار عمرانه"62. لا شك أن سكان المغرب الأوسط قد تأثروا بهذا الوباء مثل غيرهم من سكان البلاد المغربية والمسيحية، و من بين مرض الطاعون الذي اجتاح مدن المغرب الأوسط نذكر :

- الطاعون الأسود (750-751هـ/1349-1350م):

           تفشى في عهده السلطان الزياني أبو سعيد عثمان الثاني (ت753هـ/1353م)، وقد عرف المغرب الأقصى إنتشار هذا الوباء سنة قبل هذا التاريخ في عهد السلطان المريني أبو الحسن (ت732هـ/1352م)63، اعتبر هذا المرض من أشد الطواعين فتكا، إذ لم يسلم منهم أي كائن حي، فقضى على خلق كثير من الناس في المغرب الأوسط، وكانت عاصمة الدولة الزيانية أشد تضررا منه، حيث فتك بعائلات بأكملها فيها، مثل ما حدث لأسرة حفيد العالم التفريسي التلمساني التي انقرضت كلها، من جراء هذا الوباء القاتل، وقد عاصره أيضا أبو عبد الله الخطيب بن مرزوق فقال عنه "كان للحاج يوسف بن يحيى حفيد العالم التفريسي ، أولاد انقرضوا، في هذا الوباء64، كذلك توفي به الفقيه ، أبو عبد الله محمد بن يحيى النجار من خيرة علماء عصره في العلوم العقلية65، كما توفي به عالم تلمسان المعروف بابن الإمام أبو موسى عيسى بمسقط رأسه و غيره من العلماء و الأهالي"66، و إذا كانت المصادر لا تحدد نوع هذا الطاعون الذي تفشى في بلاد بالمغرب الأوسط، فإنه بإمكاننا الإعتماد على الأوصاف التي قدمتها بعض المصادر الأندلسية و المشرقية، باعتباره كان وباءا عالميا، نصف ابن خاتمة أعراضه بما يلي" إنه حمى خبيثة دائمة من سوء مزاج قلبي (...) مهلكة في الغالب يتبعها كرب و عرق غير عام لا يعقب راحة ترتفع عقبة حرارة (...) وقد يتبعها تشنج وبرد في الأطراف، و قيئ مراري سمج و عطش"67، و يذكرالمقريزي "أن الموت بالطاعون يبصق الانسان دما ثم يصيح و يموت"68 كان يخرج خلف أذن الإنسان بترة فيخر صريعا ثم صار يخرج للإنسان كبة فيموت أيضا سريعا"69.

           إن الطاعون الأسود الذي ضرب منطقة المغرب الأوسط عامة و مدينة تلمسان على وجه الخصوص سنة 750هـ/1348م70، كان قد تفشى في المغرب الأقصى حسب إحدى الدراسات الحديثة سنة 749هـ/1348م قادما إليها من المشرق إنطلاقا من الموانئ الساحلية إلى داخل البلاد، فأثاب تازة، فاس، سبتة، سلا و هي مدن احتلت فيها التجارة مركز الصدارة، فمن غير المستبعد تسرب هذا الوباء إلى بلاد المغرب الأوسط عبر تنقلات تجار هذه المدن المغربية إلى بلاد المغرب الأوسط الذي كانت تربطه ببعض مدنه علاقات تجارية خاصة فاس، ولا شك أن الجيش للمريني الذي قام حملة عسكرية على المغرب الأوسط بقيادة أبو الحسن المريني في رجب 750هـ/1349م، ساهم هو الآخر في نشر الوباء على طول المحاور التي سلكها.

- عودة الطاعون 764-765هـ/1363-1364م :

           بعد مرور أربع سنوات من حكم السلطان أبو حمو موسى الثاني (760-791هـ/1359-1389م) عاود الطاعون فتكه بالبلاد مخلف المزيد من الضحايا ، و يرتبط هذا الهجوم الجديد بموجته العالمية الثانية71 التي انطلقت من أوروبا الغربية عام 760هـ/1359م، و عاود فرنسا و انجلترا ما بين عام (770هـ/1369م) و عام (777هـ/1376م)72، كما ظهر بالشام و مصر عام 764هـ/1363م73، أهلكهم سنة تسع ة أربعين قبلها74، و نعته ابن هيدور بالوباء الثاني75، إشارة إلى الطاعون الأسود الذي اعتبرته بعض المصادر الوباء الأول العام في الأرض76،و إذا كانت المصادر التاريخية قد أجمعت على أن هذا الوباء هو طاعون حقيقي، فإنها في المقابل أغفلت تحديد نوعه، نفس الملاحظة تنطبق على الكتابات الأوروبية، إلا أن بعض المصادر المشرقية أشارت إلى بعض أغراضه، فابن حجلة يذكر أنه "كان يتبع أهل الدار فمن بصق أحد منهم دما تحققوا كلهم عدما"
26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
4 من 5
يرجع ابن الخطيب أصل هذا الوباء ، إلى المجاعة التي تفشت ببعض المناطق "لكونها لم تستأثر بلالة رحمة مما قسم الله لغيرها، إلى ما أصابها من معرة الفتنة  إلى هذا العهد واستهدف من بها إلى هلكة المجاع و فشو الموتات78، و يرى ابن هيدور أن هذا الموت لا يكون "إلا بأثر الغلاء فهو لازم من لوازمه وإذا كان الغلاء وطال اشتدت أسبابه لزم عنه الوباء، و هذا علم صحيح و قانون مطرد لا يحتاج فيه إلى تقليل و لا إلى نظف النجوم"79، لذا فقد كان للمجاعة دور في تفشي وباء الطاعون خلال عامي 764-765هـ/1363-1364م . و لعل من أسبابها الصراعات الداخلية على السلطة بين فروع الأسرة الزيانية الحاكمة وما نتج عنها من حرب عنيفة بين أبو حمو موسى الثاني و ابن عمه أبو زيان بن سعيد في الفترة الممتدة بين 762-789هـ أثرت سلبا على المنظومة الإنتاجية في شموليتها، فقد خلفت هذه الحرب وراءها الدمار و الجوع80، يذكر ابن هيدور أن الغلا لحدوثه سببان إما احتباس المطر في البلاد المحتاجة إليه، و إنما ظهور الفتن و الحروب بسبب الخروج عن الملوك، فإذا دامت الفتنة وقع الفساد في الحواضر و البوادي وفسدت حبوبها المختزنة وانقطعت الطرق وعدمت المرافق لأجل ذلك"81، إلا أن الجانب الأخطر في هذه الحرب هو زعزعتها للنشاط الفلاحي82 حيث أصبح المزارع المستقر في الدولة الزيانية غير آمن على نفسه و أرضه مما أدى به إلى الهجرة بحثا عن ملاذ آمن، يذكر أحد الباحثين "عندما لا تصبح الحقول طوال سنوات متعددة سوى مسرح لمعارك أو مجرد ممر لعبور وحدات المحاربين. التي تعيش من المنطقة، و تمارس فيها سياسة الأرض المحروقة فإن الأمر ينتهي بالفلاحين إلى الإنصراف عن الإهتمام بمزروعاتهم أو إلى عدم الإهتمام إلا بالحد الأدنى الذي يكفيهم للغذاء".83

- طاعون 845هـ/1442م:

           ظهر هذا الوباء في عهد حكم العاهل الزياني ابو العباس أحمد العاقل بن أبي حمو موسى الثاني (834-866هـ/1431-1462م) و الذي عرفت في عهده الدولة الزيانية نوعا من الإستقرار السياسي و التطور الفكري، و الرخاء الإقتصادي84، لكن رغم ذلك فقد اجتاح مرض الطاعون الكثير من مدن المغرب الأوسط التي كانت تحت حكمه، و كانت عاصمة الدولة الزيانية تلمسان أكثر تضررا منه، حيث أتى على الكثير من سكانها85، و الملاحظ أن هذا الوباء كان له نفس الوقع على المجتمع التلمساني، فإذا كان الطاعون قد أتى بصفة خاصة على الصغار "الذين لم يبلغوا أوان الحلم "، فإنه كان كذلك "للضعفاء و أهل الشظف أفتك"، بل لم يمنع منه حتى العلماء، فقد توفي به عالم تلمسان، و مفتي بلاد المغرب، الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن المغراوي التلمساني الشهير بابن زاغو86، وهذا دليل على أن هذا الوباء أصاب العامة و الأسياد الشيوخ بدون تمييز87.

           وإذا كانت المصادر قد أجمعت على أن هذا الوباء هو طاعون حقيقي، فإنها في المقابل أغفلت عن تحديد مصدره، ورغم إقرارنا بدور المجاعة في تفشي بعض الأوبئة، إلا أنها لم تكن من العوامل المحددة لظهور هذا الوباء، فقد سجلت بعض الدراسات حدوث بعض الأوبئة في سنوات الرخاء و هذا ما حصل خلال هذه الفترة من حكم أبي العباس أحمد العاقل ، فرغم الرخاء الإقتصادي الذي عرفته دولة بني زيان في عهده، فإن ذلك لم يمنع من ظهور هذا الوباء، لقد أكدت بعض الدراسات الطبية أن الطاعون لم يكن متوطنا بأرض المغرب الأوسط بل كان يأتيه من الخارج، خاصة عن طريق الموانئ، حيث كانت السفن الواردة عليه سواء من أوروبا أو المشرق تحمل معها جرثومة يارسين، إما بواسطة القوارض التي تتحول من السفن إلى الرصيف، أو من البحارة المصابين، لذلك نرجح أن يكون الوباء قد انتقل إلى المغرب الأوسط من أوروبا التي ظهر بها قبل ظهوره بالمغرب الأوسط بفترة قصيرة.88

3- النتائج :

           كان لهذه السلسلة من الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب الأوسط خلال العهد الزياني آثارها الوخيمة على جميع المستويات، و سنحاول فيما يلي استخلاص بعض النتائج التي ترتبت عنها :

- النتائج الإجتماعية :

           لا ريب أن هذه المجاعات والأوبئة قد خلفت عددا كبيرا من الضحايا، إلا أنه يصعب تقديم رقم عن عددهم في غياب إحصائيات دقيقة، فالمصادر تقف عند حدود أدبيات وصفية عن الخسائر البشرية ضمن عبارات "وكم هلكت فيها من أمم"89، و مات منهم خلق كثير90،أو كان الهالك بالجوع أكثر من الهالك  بالقتل 91، أو "حصد السكان بدون استثناء92 ورغم طابعها الأدبي، فإنها تؤكد حقيقة أن هذه الكوارث كانت شديدة وأنها أودت بحياة عدد كبير من الناس، ولا شك أن الضعفاء كانوا أكثر ضحايا هذه المجاعات والأوبئة لاختصاص السبب بهم"93، إلا أن الفئة الميسورة لم تكن بمنأى على الأقل من ضربات هذه الكوارث، فقد أتى وباء الطاعون 845هـ/1442م على العامة والأسياد و الشيوخ وأصحاب القصور و الجاه بدون تمييز وهو ما أكده ابن خلدون بقوله "ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا في تحصيل العلم حريصا في اقتناء الفضائل (...) إلى أن كان الطاعون الجارف و ذهب الأعيان و الصدور و جميع المشيخة"94.

           كما ساهم الطاعون و المجاعة في بروز بعض القيم الأخلاقية المتطرفة منها استفحال ظاهرة النهب والسلب التي اتخذت أبعادا حقيقية في ظل الفوضى و ضعف السلطة المركزية، فقد اضطر ابن قنفذ أن يقيم في تلمسان مدة شهر لانعدام الأمن في المسالك والطرق بسبب مجاعة 776هـ/1374م95.، و قد أشار ابن قنفذ إلى هذه الظاهرة بقوله "إن أمر الطريق كان في الخوف و الجوع ما مقتضاه أن كل من يقع قدومنا عليه يتعجب من وصولنا سالمين، ثم يتأسف علينا عند ارتحالنا..."96.

           وقد أدى حدوث هذه الكوارث في موت أعداد كبيرة من العلماء و الفقهاء، فمثلا يذكر ابن مرزوق "وكما هلكت فينا من أمم (تلمسان) و كم انجلى من أهلها أعلام، كم كابدوا من محن و انتقام و لا شك أن موت هؤلاء العلماء كان له انعكاس سلبي على الحياة العلمية يقول ابن خلدون "وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم و التعلم"98. و جدير بالذكر أن الطاعون ساهم في ظهور مجموعة من الكتابات نعتها الدكتور محمد الأمين البزاز بأدبيات الطواعين99، إلا أن المغرب الأوسط (الجزائر) حسب حدود إطلاعي لم يظهر به هذا النوع من الكتابات وإن كنا نفترض أنه هو الآخر عرف بعضا منها لكن لم يتم الكشف عنها بعد بحكم أن مناطق قريبة منه لها نفس البنيات و المعتقدات و الأنماط الفكرية عرفت مثل هذه الكتابات100.

- النتائج الإقتصادية :

           كان طبيعيا أن يؤدي ارتفاع عدد الضحايا إلى تضرر الإقتصاد ، إلا أننا لا نستطيع تمثل حجم هذه الكوارث على اقتصاد المغرب الأوسط إلا من خلال مقارنتها مع ما خلفته في مناطق أخرى مثل المشرق الإسلامي حيث تتوفر على بعض المعطيات ، ففي المجال الفلاحي تؤكد إحدى الدراسات الحديثة أن عدد ضحايا الطاعون الأسود كان كبيرا بالبوادي عنه بالمدن101، و يبدو أن هذا الطرح ينسجم مع الصورة التي قدمتها مختلف المصادر حول الأضرار التي لحقت ببعض البوادي بالمشرق، ففي غزة مثلا "شمل الموت أهل الضياع بها"102 ، و في مصر "عجز أهل بليس و سائر البلاد الشرقية عن ض من الزرع لكثرة موت الفلاحين"103. إنطلاقا من هذه الأمثلة فإننا لا نتصور أن يكون المغرب الأوسط أحسن حالا منها إذ تزخر كتب التراجم و النوازل بإشارات كثيرة حول فراغ بعض القرى في المغرب الأوسط، و طبيعي أن تنعكس هذه الأوضاع سلبا على الفلاحة، و ذلك بتعطل الإنتاج الزراعي.

           ومن الآثار التي أفرزتها هذه الكوارث على المستوى التجاري ارتفاع الأسعار بوتيرة سريعة خاصة أثناء مجاعة 698هـ/1293م، و طاعون 764هـ/1363م، هذه الحقيقة عبر عنها التنسي محمد بن عبد الله بقوله : "بلغ فيها الرطل من الملح دينارين ، و كذلك من الزيت و السمن و العسل و اللحم ، ذكر بعضهم أن الدجاجة بلغت ثمانية دنانير ذهبا"104. و يصف لنا كذلك ابن خلدون ارتفاع الأسعار بقوله : "أن ثمن البقرة الواحدة ستون مثقالا، و الظأن سبعة ونصف و الرطل من لحم البغال و الحمير بثمن المثقال، و من الخيل بعشرة دراهم... و حتى الخس بعشرين درهما، و من اللفت بخمسة عشر درهما، و الفقوس بأربعين درهما، والخيار بثلاثة أثمان الدينار، و البطيخ بثلاثين درهما، و الحبة من التين و الإجاص بدرهمين".105

- النتائج السياسية :

           لم يقتصر تأثير المجاعة و الأوبئة على الأوضاع الإجتماعية و الإقتصادية للدولة الزيانية بالمغرب الأوسط، فقد تأثرت كذلك أوضاعها السياسية، فتقلص النشاط الإقتصادي، اضطربت الأحوال الأمنية و زاد عدم الإستقرار السياسي داخل الدولة الزيانية الناجم عن الصراعات الداخلية على السلطة بين فروع الأسرة الحاكمة، كان يعني في المحصلة النهائية عجز الدولة في الدفاع عن حدودها، مما دفع بالطامعين في الحكم من جيرانها الحفصيين و المرينيين السيطرة عليها، فمثلا أدت الحرب العنيفة بين ابو حمو موسى الثاني و ابن عمه أبي زيان بن سعيد في الفترة الممتدة ما بين سنتي 762-783هـ إلى انقسام الدولة الزيانية إلى شطرين، الشطر الشرقي و يضم اراضي من شرق الجزائر الحالية إلى غاية مدينة الجزائر تقريبا، وكانت تحت سلطة ابي زيان، والشطر الغربي من مدينة الجزائر إلى غاية الحدود الغربية الحالية للجزائر تقريبا، و يقع تحت سلطة ابن حمو موسى الثاني. فقد سهل هذا الأمر على السلطان المريني عبد العزيز من احتلال تلمسان سنة 772هـ106، كما تعرضت تلمسان لحصار طويل من قبل أبو يعقوب يوسف المريني سنة 698هـ/1239م وهو العام الذي اشتدت فيه المجاعة بالمغرب الأوسط.107
26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
5 من 5
الخــــــاتـــمـــة

           يتضح مما سبق، أن المجاعات و الأوبئة قد شكلت خطرا حقيقيا على حياة سكان المغرب الأوسط خلال العصر الوسط، إذ شكلت بنية من بنيات حياتهم اليومية، و تبين من خلال هذه الدراسة أن أسباب هاتين الكارثتين كانت متنوعة فمنها ما هو طبيعي كالجفاف، و الأعاصير، و منها ما هو بشري كالفتن والحروب التي أدت إلى تعميق الأزمة الغذائية.

           لقد تعرض المغرب الأوسط خلال العهد الزياني عدة مرات للأوبئة و المجاعات، تطرقنا إلى تلك التي توفرنا بصددها على معلومات كافية، وقد تراوحت المدة الزمنية التي استغرقتها هذه الكوارث ما بين سنة وثماني سنوات، و من استأثر القرنين السابع و الثامن الهجريين (13-14م) بالنصيب الأوفر بسبب الإضطرابات العنيفة التي شهدها هذين القرنين.

           وإذا كانت هذه الكوارث تنتقي ضحاياها من الفقراء و المعوزين، فإن الوباء كان يساوي بين أفراد المجتمع كيفما كانت مستوياتهم المادية والاجتماعية، كما فرضت الأوبئة و المجاعات خلال العهد الزياني سلوكات بدءا باستفحال ظاهرة النهب و السلب و انتهاء بأكل اللحوم البشرية كما حدث في مجاعة 776هـ/1374م، وهو أقصى سلوك كان يصل إليه الإنسان في هذه الفترات العصيبة، إذ كان ينسلخ من آدميته و يتحول إلى حيوان هدفه التخلص من الألم و الجوع بأية وسيلة .

           وأود في نهاية هذا العمل أن أشير إلى أن هذه الدراسة تبقى محاولة أولية، أتمنى أن تكون بداية لأبحاث في حقب تاريخية أخرى، و أن تتظافر جهود الباحثين و الدارسين في تخصصات متعددة للبحث في مثل هذه المواضيع الغنية بالقضايا و الحقائق التاريخية.
26‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
قد يهمك أيضًا
ما هي اقتراحاتك للدولة ومؤسساتها للحد من #حوادث_السيارات ؟
هل للزوحة دور في نجاح الرجل في الحياة الاجتماعية
ما هي العقوبات الاقتصادية العربية على سوريا ؟
هل يعفي عدم توفر المصادر للدولة من مسؤوليتها تجاه تطوير وتحقيق المعايير الدنيا من الحقوق ؟
ما هي الخصخصة والتقارب الايدولجي بين النظم الاقتصادية
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة