الرئيسية > السؤال
السؤال
ما معنى قوله تعالى (اذا جاء نصر الله والفتح .......الخ)
حيرتني هذه السوره ,والعجيب ان المفسرين يقولون انه بخصوص فتح مكه مع العلم انها نزلت بعد فتح مكه
السيرة النبوية | التوحيد | الإسلام 20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة ليون بغداد (محمد الساعدي).
الإجابات
1 من 8
بسم الله الرحمن الرحيم :  إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا   .

هذه السورة بيَّن الله -جل وعلا- فيها أجل نبيه -صلى الله عليه وسلم- فإن الله -جل وعلا- أَعْلَمَ نبيه -صلى الله عليه وسلم- علامات إذا رآها في أمته فذلك علامة أجله، فيمتثل ما أمره به ربه -جل وعلا- في هذه السورة بأن يسبح بحمده ربه -جل وعلا- ويستغفره.

وقد ثبت في الصحيح أن عمر -رضي الله تعالى عنه- أَدْخَلَ عبد الله بن عباس في مجلسه، وكان فيه شيوخ من أشياخ الصحابة ممن حضر بدرا، فسألهم عن تأويل هذه السورة ما تقولون في قوله جل وعلا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، فقالوا: أمرنا إذا جاء نصر الله والفتح أن نستغفر الله ونحمده، ونسبح بحمده، وذكر بعضهم أشياء، وسكت بعضهم فسأل عمر عنها عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- فقال: هذا أَجَل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ما أعلم منها إلا ما تقول
.

وليس معني هذا أن هذه الآية ليس فيها معنى في ذاتها، بل ألفاظها ظاهرة واضحة، ولكنها في جملتها تدل على قرب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله -جل وعلا- قد أعلم نبيه -صلى الله عليه وسلم- بموته في آيات كثيرة: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ .

فنبينا -صلى الله عليه وسلم- عنده يقين جازم بما أوحاه الله -جل وعلا- إليه بأنه سيموت، ولكن هذه السورة التي معنا فيها بيان له -صلى الله عليه وسلم- بقرب أجله؛ لأن العلامات التي أعلمه الله -جل وعلا- إياها رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا قال بعض الصحابة: إن هذه السورة نزلت على نبينا -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في أوسط أيام التشريق.

وقال بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنها آخر سورة نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى كُلٍّ هي من أواخر ما نزل عليه، عليه الصلاة والسلام.

قوله جل وعلا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نصر الله -جل وعلا- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- كان في مواضع وأمكنة عديدة، قص الله -جل وعلا- علينا كثيرا من أخبارها، والفتح في هذه السورة المراد به عند كثير من المفسرين المراد به فتح مكة، ومكة فتحت في السنة الثامنة في رمضان، وهي من أواخر فتوحه عليه الصلاة السلام.

وبعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا؛ لأن العرب كانوا يتربصون النبي -صلى الله عليه وسلم- وقريشا، ويقولون: إن انتصر على قريش آمنا به؛ لأنه حينئذ ينصر على أهل الله وخاصته كما يظنون، فنصره الله -جل وعلا- على قريش.

وفتح الله عليه مكة، فدخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا جماعات جماعات، فأسلمت القبائل، وفتح الله -جل وعلا- بعد ذلك على رسوله جزيرة العرب، فما مات -صلى الله عليه وسلم- إلا ودينه ظاهر بنصر الله -جل وعلا- له في وعده الذي وعده في آيات كثيرة: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .

فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه العلامات استغفر ربه وسبح بحمده، كما أمره رب العالمين؛ لأن الله قال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ونبينا -صلى الله عليه وسلم- تقدم لنا عند قول الله -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ما الذي يستغفر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

برحمته يبدل السيئات حسنات، ولهذا قال الله -جل وعلا- في هذه الآية: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا يعني: إنه يتوب كثيرا على المذنبين مع كثرتهم وتعاظمهم، ويغفر الخطايا، ويتوب على المذنب، ولو تعددت خطاياه، ولو تاب، ثم رجع، ثم تاب ورجع فإن الله -جل وعلا- لا يزال يتوب على عبده، ولهذا قال -تعالى-: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا بصيغة المبالغة؛ لأنها تقتضي تكرير التوبة من الله -جل وعلا-، فإذا رجع العبد عن ذنبه رجع الله -جل وعلا- عن عباده.
20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة تاج مفقود (Hamdan Alamri).
2 من 8
هذه السورة الصغيرة . . كما تحمل البشرى لرسول الله [ ص ] بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا ; وكما توجهه [ ص ] حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار . .

كما تحمل إلى الرسول [ ص ] البشرى والتوجيه . . تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج , ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرد والخلوص , والانطلاق والتحرر . . هذه القمة السامقة الوضيئة , التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام . ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي هذا الهدف العلوي الكريم .

وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها رواية إلامام أحمد:حدثنا محمد بن أبي عدي , عن داود , عن الشعبي , عن مسروق , قال:قالت عائشة:كان رسول الله [ ص ] يكثر في آخر أمره من قوله:" سبحان الله وبحمده , أستغفر الله وأتوب إليه " وقال:" إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي , وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا ; فقد رأيتها " . . (إذا جاء نصر الله والفتح , ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا , فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). .

[ ورواه مسلم من طريق داود بن أبي هند بهذا النص ] . .

وقال ابن كثير في التفسير:والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة . قولا واحدا . فإن أحياء العرب كانت تتلوم [ أي تنتظر ] بإسلامها فتح مكة يقولون:إن ظهر على قومه فهو نبي , فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا , فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا , ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهرللإسلام ولله الحمد والمنة , وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال:لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله [ ص ] وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون:دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي . . . "الحديث" . .

فهذه الرواية هي التي تتفق مع ظاهر النص في السورة: (إذا جاء نصر الله والفتح). . الخ فهي إشارة عند نزول السورة إلى أمر سيجيء بعد ذلك , مع توجيه النبي [ ص ] إلى ما يعمله عند تحقق هذه البشارة وظهور هذه العلامة .

وهناك رواية أخرى عن ابن عباس ; لا يصعب التوفيق بينها وبين هذه الرواية التي اخترناها .

قال البخاري:حدثنا موسى بن إسماعيل , حدثنا أبو عوانة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال:كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر , فكأن بعضهم وجد في نفسه , فقال:لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ? فقال عمر:إنه ممن قد علمتم . فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم . فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال:ما تقولون في قول الله عز وجل: (إذا جاء نصر الله والفتح)? فقال بعضهم:أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا . وسكت بعضهم فلم يقل شيئا . فقال لي:أكذلك تقول يا بن عباس ? "فقلت لا . فقال:ماتقول ? فقلت:هو أجل رسول الله [ ص ] أعلمه له . قال: (إذا جاء نصر الله والفتح)فذلك علامة أجلك(فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). فقال عمر ابن الخطاب:لا أعلم منها إلا ما تقول [ تفرد به البخاري ] .

فلا يمتنع أن يكون الرسول [ ص ] حين رأى علامة ربه أدرك أن واجبه في الأرض قد كمل , وأنه سيلقى ربه قريبا . فكان هذا معنى قول ابن عباس:هو أجل رسول الله [ ص ] أعلمه له . . الخ . .

ولكن هناك حديث رواه الحافظ البيهقي - بإسناده - عن ابن عباس كذلك:قال:لما نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح). . دعا رسول الله [ ص ] فاطمة وقال:" إنه قد نعيت إلي نفسي " فبكت . ثم ضحكت . وقالت أخبرني:أنه نعيت إليه نفسه فبكيت , ثم قال:" اصبري فإنك أول أهلي لحوقا بي " فضحكت .

ففي هذا الحديث تحديد لنزول السورة . فكأنها نزلت والعلامة حاضرة . أي أنه كان الفتح قد تم ودخول الناس أفواجا قد تحقق . فلما نزلت السورة مطابقة للعلامة علم رسول الله [ ص ] أنه أجله . . إلا أن السياق الأول أوثق وأكثر اتساقا مع ظاهر النص القرآني . وبخاصة أن حديث بكاء فاطمة وضحكها قد روي بصورة أخرى تتفق مع هذا الذي نرجحه . . عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت:" دعا رسول الله [ ص ] فاطمة عام الفتح فناجاها , فبكت , ثم ناجاها فضحكت . قالت:فلما توفي رسول الله [ ص ] سألتها عن بكائها وضحكها . قالت:أخبرني رسول الله [ ص ] أنه يموت , فبكيت , ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران . فضحكت . . " [ أخرجه الترمذي ] .

فهذه الرواية تتفق مع ظاهر النص القرآني , ومع الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه . من أنه كانت هناك علامة بين الرسول [ ص ] وربه هي: (إذا جاء نصر الله والفتح . .)فلما كان الفتح عرف أن قد قرب لقاؤه لربه فناجى فاطمة رضي الله عنها بما روته عنها أم سلمة رضي الله عنها .

ونخلص من هذا كله إلى المدلول الثابت والتوجيه الدائم الذي جاءت به هذه السورة الصغيرة . . فإلى أي مرتقى يشير هذا النص القصير:

(إذا جاء نصر الله والفتح , ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا , فسبح بحمد ربك واستغفره , إنه كان توابا). . .

في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص , عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث , وما يقع في هذه الحياة من حوادث . وعن دور الرسول [ ص ] ودور المؤمنين في هذه الدعوة , وحدهم الذي ينتهون إليه في هذا الامر . . هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله . . .). . فهو نصر الله يجيء به الله:في الوقت الذي يقدره . في الصورة التي يريدها . للغاية التي يرسمها . وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء , وليس لهم في هذا النصر يد . وليس لإشخاصهم فيه كسب . وليس لذواتهم منه نصيب . وليس لنفوسهم منه حظ ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم . وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم , وأن يقيمهم عليه حراسا , ويجعلهم عليه أمناء . . هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجا . .

وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول [ ص ] ومن معه بإزاء تكريم الله لهم , وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم . إن شأنه - ومن معه - هو الإتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار .

التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسا لدينه . وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه , وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجا في هذا الخير الفائض العميم , بعد العمى والضلال والخسران .

والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل:الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح , وفرحة الظفر بعد طول العناء . وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري . فمن هذا يكون الاستغفار .

والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي , والشدة الطاغية والكرب الغامر . . من ضيق بالشدة , واستبطاء لوعد الله بالنصر , وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ? ألا إن نصر الله قريب) فمن هذا يكون الاستغفار .

والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره . فجهد الإنسان , مهما كان , ضعيف محدود , وآلاء الله دائمة الفيض والهملان . . (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). . فمن هذا التقصير يكون الاستغفار . .

وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار . . ففيه إيحاء للنفس واشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز . فأولى أن تطامن من كبريائها . وتطلب العفو من ربها . وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور . .

ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والإتجاه إلى الله طلبا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين . ليرقب المنتصر الله فيهم , فهو الذي سلطه عليهم , وهو العاجز القاصر المقصر . وإنها سلطة الله عليهم تحقيقا لأمر يريده هو . والنصر نصره , والفتح فتحه , والدين دينه , وإلى الله تصير الأمور .

إنه الأفق الوضيء الكريم , الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه , وترقى في مدارجه , على حدائه النبيل البار . الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه , وترف فيه روحه طليقة لانها تعنو لله !

إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحا من روح الله . ليس لها حظ في شيء إلا رضاه . ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق ; وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة ; وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة , بانية عادلة خيرة , . . الإتجاه فيها إلى الله .

وعبثا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته , مقيد برغباته , مثقل بشهواته . عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه , ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده .

وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائما , يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه , أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائما . .

كان هذا هو أدب يوسف - عليه السلام - في اللحظة التي تم له فيها كل شيء , وتحققت رؤياه: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا , وقال:يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا . وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء , إنه هو العليم الحكيم). .

وفي هذه اللحظة نزع يوسف - عليه السلام - نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر . كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام:

(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث , فاطر السماوات والأرض , أنت وليي في الدنيا والآخرة , توفني مسلما , وألحقني بالصالحين). . وهنا يتوارى الجاه والسلطان , وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولمة الإخوان , ويبدو المشهد الأخير مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه , وأن يلحقه بالصالحين عنده . من فضله ومنه وكرمه . .

وكان هذا هو أدب سليمان عليه السلام وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضرا بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه: (فلما رآه مستقرا عنده قال:هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر , ومن شكر فإنما يشكر لنفسه , ومن كفر فإن ربي غني كريم). .

وهذا كان أدب محمد [ ص ] في حياته كلها , وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له . . انحنى لله شاكرا على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة . مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة . . فلما أن جاءه نصر الله والفتح , نسي فرحة النصر وانحنى انحناءةالشكر , وسبح وحمد واستغفر كما لقنه ربه , وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار . وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده , رضي الله عنهم أجمعين .

وهكذا ارتفعت البشرية بالإيمان بالله , وهكذا أشرقت وشفت ورفرفت , وهكذا بلغت من العظمة والقوة والانطلاق . .
من مواضيع : البرق
20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
3 من 8
كان نزول سورة الفتح من اهم العلامات التي عرف بها النبي صلى الله عليه وسلم بـدنو اجله  


إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً}نصر الله بالتمكين لدينه، والفتح فتح مكة،
{ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً}، وهم وفود العرب الذين جاءوا يدخلون في الإسلام، {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}، هذا نعي للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن أجله قد قرب إذا حان ذلك،

_________
فقد كان الفتح في اليوم الثالث والعشرين من رمضان من العام الثامن من الهجرة،
وكان العام التاسع عام الوفود، فدخلت العرب فيه في دين الله أفواجاً،
والعام العاشر كان عام حجة الوداع،
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول.
20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة هيفاء الخبر.
4 من 8
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِي
مِ }تفسير سورة النصر
{إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا}.

{إذا جاء نصر الله والفتح} الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، {نصر الله} النصر هو تسليط الله الإنسان على عدوه بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته، والنصر أعظم سرور يحصل للعبد في أعماله، لأن المنتصر يجد نشوة عظيمة، وفرحاً وطرباً، لكنه إذا كان بحق فهو خير، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» أي أن عدوه مرعوب منه إذا كان بينه وبينه مسافة شهر، والرعب أشد شيء يفتك بالعدو، لأن من حصل في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت أبداً، بل سيطير طيران الريح فقوله: {إذا جاء نصر الله} أي نصر الله إياك على عدوك{والفتح} معطوف على النصر، وعطفه على النصر مع أن الفتح من النصر تنويه بشأنه، وهو من باب عطف الخاص على العام، كقوله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها} [القدر: 4].

أي في ليلة القدر فجبريل من الملائكة وخصه لشرفه، و(ال) في الفتح للعهد الذهني، أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم، وهو فتح مكة، وكان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وسببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صالح قريش في الحديبية في السنة السادسة ـ الصلح المشهور ـ نقضت قريش العهد فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلّم وخرج إليهم من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل خرج مختفياً وقال: «اللهم عمي أخبارنا عنهم» فلم يفاجأهم إلا وهو محيط بهم ودخل مكة في العشرين من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، مظفراً منصوراً مؤيداً، حتى إنه في النهاية اجتمع إليه كفار قريش حول الكعبة فوقف على الباب وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعضادتي الباب وقال: يا معشر قريش،

ما تظنون أني فاعل بكم؟ وهو الذي كان قبل ثمان سنوات هارباً منهم وكانوا الان في قبضته وتحت تصرفه، قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92]. اذهبوا فأنتم الطلقاء، فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام، هذا الفتح سماه الله فتحاً مبيناً، فقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1]. أي بيناً عظيماً واضحاً، ولما حصل عرف الناس جميعاً أن العاقبة لمحمد صلى الله عليه وسلّم وأن دور قريش واتباعه قد انقضى فصار الناس {يدخلون في دين الله أفواجاً} أي جماعات بعد أن كانوا يدخلون فيه أفراداً، ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحوال إلا مختفياً، صاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، وصارت الوفود ترد على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كل جانب حتى سمي العام التاسع (عام الوفود) يقول الله عز وجل إذا رأيت هذه العلامة {فسبح بحمد ربك واستغفره} كان المتوقع أن يكون الجواب فاشكر الله على هذه النعمة واحمد الله عليها ولكن {فسبح بحمد ربك واستغفره} وهذا نظير قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً. فاصبر لحكم ربك} [الإنسان: 23، 24]. كان المتوقع فاشكر ربك على هذا التنزيل وقم بحقه، ولكن قال: {فاصبر لحكم ربك} إيذاناً بأنه سوف ينال أذىً بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأمة {فسبح بحمد ربك واستغفره} عند التأمل تتبين الحكمة فالمعنى أنه إذا جاء نصر الله والفتح فقد قرب أجلك وما بقي عليك إلا التسبيح بحمد ربك والاستغفار {فسبح بحمد ربك} أي سبحه تسبيحاً مقروناً بالحمد. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله. والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم. اجمع بين التنزيه وبين الحمد {واستغفره} يعني اسأله المغفرة. فأمره الله تعالى بأمرين:
الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد
والثاني: الاستغفار. والاستغفار هو طلب المغفرة. والمغفرة ستر الله تعالى على عبده ذنوبه مع محوها والتجاوز عنها. وهذا غاية ما يريد العبد، لأن العبد كثير الذنب يحتاج إلى مغفرة إن لم يتغمده الله برحمته هلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». لأن عملك هذا لو أردت أن تجعله في مقابلة نعمة من النعم، نعمة واحدة لأحاطت به النعم، فكيف يكون عوضاً تدخل به الجنة؟ ولهذا قال بعض العارفين في نظم له:
إذا كان بشكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكرفكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر{إنه كان تواباً} أي: لم يزل عز وجل تواباً على عباده، فإذا استغفرته تاب عليك، هذا هو معنى السورة.

لكن السورة لها مغزى عظيم لا يتفطن له إلا الأذكياء، ولهذا لما سمع عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن الناس انتقدوه في كونه يُدني عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مع صغر سنه ولا يدني أمثاله من شباب المسلمين، وعمر ـ رضي الله عنه ـ من أعدل الخلفاء أراد أن يبين للناس أنه لم يحابِ ابن عباس في شيء، فجمع كبار المهاجرين والأنصار في يوم من الأيام ومعهم عبدالله بن عباس وقال لهم: ما تقولون في هذه السورة {إذاجاء نصر الله والفتح} حتى ختم السورة ففسروها بحسب ما يظهر فقط، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً. فقال: ما تقول ياابن عباس قال: يا أمير المؤمنين هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أعلمه الله له: {إذا جاء نصر الله والفتح} فتح مكة فذاك علامة أجلك، {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً} فقال عمر: «والله ما أعلم منها إلا ما تعلم». فتبين بذلك فضل ابن عباس وتميزه، وأن عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله عز وجل.

لما نزلت هذه السورة جعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي هو أشد الناس عبادة لله وأتقاهم لله جعل يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». فنقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة المحلاوى.
5 من 8
يقول الله تعالى في سورة النصر: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾

والسؤال: لقد قال الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ذكر النصر وعطف عليه بالفتح. فلماذا لم يكتف بواحدة من الكلمتين ؟

وهل هناك فرق ما بين النصر والفتح ؟

وبناء عليه: هل يكفي النصر وحده من أجل أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً ؟

لقد ذكر الله تعالى النصر والفتح معاً في عدة آيات أخرى غير سورة النصر، كقوله تعالى في أول سورة الفتح:  ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً * وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾، وقال تعالى: ﴿وأخرى تحبُّونها نصرٌ من الله وفتح قريب﴾ الصف:13.

فما الذي يعنيه النصر وما المقصود بالفتح ؟

النصر يعني الغلبة المادية، فعندما تدخل معركة حربية فتغلب الطرف الآخر فأنت منتصر، فالنصر هو الغلبة المادية بالقوة.

وأما الفتح فيكون بالغلبة المعنوية عن طريق الإقناع العقلي.

النصر يحتاج إلى قوة وسلاح.

وأما الفتح فيحتاج إلى منهاج.

والناس لا تأتي إليك لتعتنق مبدأك إلا إذا كنت منصوراً فاتحاً، فالنصر هو الغلبة المادية، والفتح هو الغلبة المعنوية إذ تمتلك منهاج حياة يقنع من يريد أن يعيش الحياة بمنهج صحيح. أما إذا امتلكت النصر لوحده دون الفتح، أو الفتح لوحده دون النصر، فلن ترى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

وهنا أذكر العالم الإسلامي الذي يريد ويطلب دخول الناس في دينه أفواجاً، أذكّره من أجل أن يكون على مستوى النصر ومستوى الفتح معاً. وديننا هو المبدأ الوحيد الذي يدعو إلى النصر والفتح، ولهذا قال ربنا تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾.

وعندما سئل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عبد الله بن العباس، عن هذه السورة قال: هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نُعي إليه.

لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة وأدّى الأمانة، انتصر مادياً وبلغ المنهاج كاملاً لمن أرسل إليهم، وهذا يعني أنه قد أدى المهمة كاملة وآن أوان الرحيل، فلقد أتى بالنصر والفتح كاملاً.

وأما الفتح فهو الحضور والوجود من خلال ممارسة لمنهاج إنسانيِّ الموضوع ربانيِّ المصدر، هذا المنهاج يغطي الإنسان فرداً وجماعة بتمام وكمال، وانسجام مع معطيات الزمان والمكان.
20‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة ahmadkhatib.
6 من 8
اخي سورة الفتح هي المبشرة بفتح مكة .
ام سورة النصر هذه  بيَّن الله -جل وعلا- فيهاقرب  أجل نبيه -صلى الله عليه وسلم-
                                                                                                بارك الله فيك
21‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة عنايات الماحي (عنايات الماحي).
7 من 8
لا داعي للحيره تمعن اكثر ولاحظ انها تبدا ب اذا
التي تفيد المستقبل وعليه فهي لم تتحقق لاحد الان .
والله تعالى هو العالم.
22‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة sandra8082.
8 من 8
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



بسم الله الرحمن الرحيم

"إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً".
خلاصة أقوال المفسرين:

إذا جاء نصر الله- على أعدائك والفتح- فتح مكة، فيدخل الناس أفواجاً في دين الإسلام- بشر الله نبيه (ص) بفتح مكة، وتحققت البشارة وفيها معجزة لأنها إخبار بالغيب.

أقول: هناك مؤامرة واضحة الخطوط رسمت خطوطها بعيد وفاة الرسول (ص)على هذه السورة ومدلولاتها الشمولية وإليك الأدلة التاريخية واللغوية على ذلك:

أ. التناقض في أقوال المفسرين في نفس التفسير لكل واحد منهم، إذ ذكر كل منهم قضيتين في تمام التناقض بشأن هذه السورة:

الأولى: أنها بشارة بفتح مكة وإخبار بغيب قد تحقق.

الثانية: أنها نزلت بعد فتح مكة بأكثر من سنة! وهو مثبت في كثير من المصاحف.

فكيف تكون البشارة متأخرة عن البشرى بأكثر من سنة؟ ولا تختلف التفاسير المختصرة التي توضع في هامش المصحف عن ذلك، وهو من أعجب وأغرب حالات الذهول عن الحقائق.. ففي أعلى السورة وفي جميع المصاحف الحديثة والقديمة مكتوبة العبارات التالية:

"سورة النصر ثلاث آيات مدنية نزلت بعد التوبة" مصحف عثماني حديث.

"سورة النصر ثلاث آيات نزلت بعد التوبة مكية" مصحف عثماني قديم.

"سورة النصر ثلاثة آيات وهي آخر السور نزولاً" مصحف عثماني/بيروت.

ومع ذلك يكتب المفسرون بجانب ذلك وعلى نفس الصفحة إنه بشارة بفتح مكة! وإن هذه البشارة قد تحققت! وقد أوضحنا لك بإيجاز ما تضمنته سورة التوبة وأنها نزلت بعد فتح مكة بأكثر من سنة.

ب. إن أهمية السور عند الله واحدة، بغض النظر عن طولها، فالسور القصار تتضمن رموزاً وعلوماً كالسور الطوال.ولا أدل على ذلك من هذه السورة إذ نزلت بعد التوبة الطويلة، فقد كان بإمكان الوحي درج الآيات الثلاث مع التوبة وينتهي الأمر فلماذا جعلها سورة مستقلة؟ ذلك لأنها نزلت بعد التوبة التي هي الإعلان الأخير والبيان الختامي للرسالة كما أسلفناه والتي جاءت لكشف أفواج المنافقين بعد فتح مكة والتي أتفق الجميع على أنها الوحيدة التي أعلنت بنودها في الكعبة عند الحج الأكبر.

سورة النصر هي فعلاً بشارة بفتح ولكنه ليس فتح مكة الماضي بل فتح جديد لم يحدث بعد لتطمين النبي (ص) عل رسالته ودينه وللتعويض عما أصابه من ألم وانزعاج بعد فتح مكة ونزول سورة التوبة (الكاشفة والفاضحة) لأفواج المنافقين حسب تسميات السلف لها.

ج. الثابت أنها نازلة بعد فتح مكة فكيف يكون الخطاب والأخبار بصيغة المستقبل

"إذا جاء نصر الله والفتح"، فمن المؤكد أن النصر والفتح لم يكن آتيا ًوقت نزولها فكيف أصبحت تدل على الفتح القديم لمكة؟.

د. ذكرت بعض المصاحف أنها مكية، ويستحيل أن تكون مكية قبل الهجرة فلا بد أن تكون مكية بعد الفتح وعليه لا يمكن أن يكون الإخبار بعبارة إذا جاء نصر الله والفتح بصيغة المستقبل! منطبقة على فتح قديم؟.

هـ. الخطابات القرآنية عامة وشاملة لكل زمان ومكان وإذا كانت تشير إلى فتح مكة الماضي فالمفروض استخدام صيغة مثل "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" 1/الفتح. بالزمن الماضي. لكن الأغرب من ذلك أن آية الفتح هذه فسرت هي الأخرى بفتح مكة رغم إنها نازلة قبل الفتح وبصيغة الماضي!؟.

قالوا: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" هو وعد بفتح مكة والتعبير الماضي لتحققه وقيل هو الحكم وقيل هو صلح الحديبية! انتهى.

فانظروا كيف قلبوا الأمور كلها بالمقلوب،فصيغة سورة النصر المستقبلية تتحدث عن الماضي وصيغة آية الفتح التي بالماضي تتحدث عن المستقبل- ليجمعوا كل آيات الفتح حول فتح مكة الذي فتح (أبواباً للمنافقين).. فلا فتح بعده ولا فتح قبله!!

و. لم يفرح النبي (ص) بفتح مكة ولم يكن مسروراً به أعظم من سروره بفتوح أخرى أعظم منه، كما هو المأثور من أقواله في فتح خبير وفتح حصون اليهود التي لم يأمل حتى المسلمون بفتحها وجلاء اليهود.

قال تعالى: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار" 2/الحشر.

ومع ذلك فقد أدرج ذكر هذه الفتوح في سور أخرى ولم تعط له سورة مستقلة- بل حاول الشراح التقليل من أهميته.

لقد أستمر أهل مكة في محاربة الرسالة مدة عشرين سنة كاملة يجمعون الجموع لحرب النبي (ص) بكافة الوسائل، وأراد الأنصار الانتقام منهم يوم الفتح فعفا عنهم النبي (ص) وأبدل القائد بولده وقال (ص): (إذ هبوا فأنتم الطلقاء) مما هو مفصل في التاريخ- فكيف يسميهم الله تعالى "أفواجاً" داخلين في دين الله ويسميهم الرسول "طلقاء" وكيف يمتدحهم الله ويذمهم رسوله وعلام إذن سورة التوبة وإعلان بنودها على رؤوسهم في الحج الأكبر؟

ز. الطبراني في معجمه الكبير ذكر حادثة نزول سورة النصر برقم 2676/جـ2 وفيه أنه لما أنزلت قال النبي (ص) "يا جبريل نفسي قد نعيت" فقال جبريل (ع): الآخرة خير لك من الأولى وساق الحديث بتمامه ثم قال: ثم مرض رسول الله (ص) من يومه فكان مريضاً ثمانية عشر يوماً يعوده الناس- ثم قبض".

يدل الحديث على أن سورة النصر هي آخر ما نزل من السور بينها وبين وفاته (ص) ثمانية عشر يوم لا غير، وفي ذلك دلالة قاطعة على أنها السورة المقابلة لسورة التوبة التي تتضمن الفتح العظيم والنصر الكبير على يد المهدي (ع) وهو ما لم يتحقق للآن.. فكانت أعظم بشارة للنبي (ص) بشره بفتح الأرض كلها ودخول الناس كافة إلى دينه.

ح. اعترض الصحابة على دخول عبد الله بن عباس على الخليفة عمر بن الخطاب وهو شاب وقالوا (في أولادنا من هو مثله) فأراد إثبات مقدرته العلمية فأجرى اختباراً بينه وبين الصحابة إذ سألهم عن سورة النصر فيم نزلت فقالوا: "الفتح فتح مكة ونعيت للنبي (ص) نفسه" وسأل ابن عباس فقال ليس كما قالوا، قال فما تقول قال: "نعيت للنبي نفسه والفتح فتح مكة"! وبذلك يفوز ابن عباس في الاختبار ويؤيده الخليفة. أورد ذلك الطبراني في المعجم الكبير.(7) لم يفعل ابن عباس شيئاً سوى أنه قلب الترتيب! بمعنى أن سورة النصر نزلت لتنعى النبي (ص) نفسه وتبشره بفتح مكة، وما دام النعي بعد الفتح القديم فلا بد من فتح جديد، وإلاّ يسقط موضوع المحاورة والاختبار عن كل اعتبار، ومن المعلوم أن جلساء الخليفة من قريش، لا يعجبهم تفسير كهذا. أورد ذلك الطبراني في معجمه الكبير وغيره.(8) تشير هذه المروية إلى أهمية هذه السورة من جهة وإلى قدم المحاولات والمؤامرات لتحجيم معانيها الشمولية والعالمية وتضمنها الوعد الإلهي بهيمنة الدين على سائر الملل وفي كافة بقاع الأرض، ولذا تمكن الخليفة حينما صرح عدة مرات بشأن ابن عباس- تمكن من البرهنة على أعلميته، باستخدام ورقة بالغة الخطورة على أولئك الجلساء عنده.. فلم يكن ذلك في حقيقة الأمر برهاناً على الأعلمية بقدر ما هو تهديد واضح.. لأولئك الذين يعترضون على أمور تافهة في صلاحيات الخليفة هي ليست شيئاً مذكوراً تجاه الأمور البالغة الخطورة التي يتمكن الخليفة ساعة يشاء أن يكشفهم بها!.

الخطورة تكمن في معرفة القائد الذي يكون على يده الفتح والنصر الإلهي بعد أن أكد المفسر الشاب أن الفتح بعد النعي أي بعد وفاة صاحب الرسالة (ص). فهو اتهام واضح للجالسين أو الذين من بعدهم في دينهم بحيث يحتاج الأمر إلى فتح جديد!.

وما كان لابن عباس كما هو واضح أن يقلب المعادلة هكذا أمام من سماهم أشياخ بدر لو لم يتسلم من الخليفة الضوء الأخضر الذي عبر عنه تعبيراً في غاية الوضوح ورد في نص الطبراني وهو "فدعاهم ذات يوم ودعاني وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني.." بإمكاننا أن نضيف عبارة (ما يسؤوهم) بعد كلمة مني فيتم المعنى الذي ذكرناه.

لكن المؤامرة في الواقع لم تكن خاصة بسورة النصر والفتح فقط، بل طالت كل فتح مذكور في القرآن.. حيث جعلوا هذا المصطلح يعبر عن حادث يقع يوم القيامة.. فلننظر في آية الفتح التي في سورة السجدة.






"ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فاعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون". 28-30 / السجدة.

ذكر المفسرون ثلاثة احتمالات لتفسير هذا الفتح، وجمعوا بين الاحتمالات الثلاثة في محاولة لتضييع الحقيقة بينها، وذلك لعدم انطباق أي واحد منها على الآية، ولأن كل عاقل لا بد أن يتساءل عن مدى صحة هذه الاحتمالات فإن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ويستحيل تفسيره بصورة خاطئة ما لم يقع المفسر في تناقض أما في نفس الآية أو في المجاورة لها أو نفس السورة أو مع آيات أخرى بعيدة.

الاحتمالات التي ذكروها هي: يوم القيامة أو فتح مكة أو يوم معركة بدر.

الأول: يوم القيامة:

لا تنطبق الآيات على يوم القيامة لأنه:

أ- ليس في يوم القيامة إيمان وكفر، ليقول:- لا ينفع الذين كفروا إيمانهم.. فهل يصبح الكافر مؤمنا يوم القيامة وهو قد مات كافراً، أليس هذا من التخليط المتناقض لحد مضحك؟ ألم يقرءوا الآيات التي تؤكد على التوبة إلى لحظة الموت وآيات أخرى تؤكد أنهم كفار داخل النار ويظلون كفاراً حتى لو أعيدوا إلى الدنيا؟ إذ يعودون لما نهوا عنه؟.

ب- لفظ الفتح لفظ عسكري، خاص بالدنيا، إذ ليس في يوم القيامة معارك ولا فتوحات.

ج- ذكر سياق الآيات السابقة عليها يوم القيامة مرتين. وإنما جاء التساؤل الجديد بعد المثل المضروب لأحياء الأرض.. وهو واضح إذ يريد به التنويه عن قدرته على إحياء الأرض وإنزال البركات فتساءل المجرمون: متى هذا الفتح فأجاب: قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا ادعوا الإيمان.. كما نفعهم في عصر الرسالة بدخولهم في النفاق.. ففي الطور المهدوي تنزل الملائكة ويحدث الوسم على الجباه وذلك منتهى المهلة لهم فلا ينفعهم إيمانهم.

د- قوله تعالى: ولا هم ينظرون خاص بالدنيا لانتهاء المهلة، إذ ليس هناك انظار يوم القيامة! بل إبليس نفسه لا يأمل بهذا الانظار- ثم أكد المعنى بقوله (فانتظر) المشتق من نفس الجذر اللغوي. ( أنهم منتظرون ) - اشتقاق آخر من نفس المفردة عن الكفار وكل ذلك في الدنيا.

الثاني: يوم فتح مكة:

ويكفي لأبطاله وتهافته أن الذين كفروا قد نفعهم إيمانهم في فتح مكة من السوء كثيراً فأطلق سراحهم النبي (ص) وقال (أذهبوا فأنتم الطلقاء) لدرجة أن القائد العسكري للذين كفروا- أبو سفيان- نفسه قد انتفع به، فبعد جمعه العساكر مدة عشرين سنة، شهد الشهادتين. فأطلق سراحه- بل رجعت السلطة لأولاده وأحفاده وأحيط بمجموعة من الفضائل لازال يرددها إلى الآن من هم على شاكلته بل حاز على فضيلة مذكورة للآن في أول لحظة لإسلامه بل وقبل فك قيوده فبعد ان كان بيته مأوى لإبليس والشياطين خمسين سنة، أصبح في لحظة أماناً للخائفين، فروى أصحابه عن النبي (ص) أنه قال: "ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"- فكيف لم ينفع الذين كفروا إيمانهم يوم فتح مكة؟.

أما إذا افترضنا وجود مستضعفين ونساء لا يعلمون شيئاً عن حقيقة الرسالة ثم رأوا الآيات يوم الفتح ودخل الإيمان إلى قلوبهم حقاً فآمنوا فلماذا لا ينفعهم إيمانهم يوم الفتح، فلا يمكن أن ينسب إلى الخالق تعالى مثل هذا المراد من الآيات، ولو أخذا به وجب تكفير جميع من أسلم يوم فتح مكة.. وهي نتيجة لا نقبلها نحن ولا المفسرون.

فانظر كيف يحيق المكر السيئ بأهله بعدما أرادوا إخراج الآيات عن معناها في اليوم المهدوي، فأين ما يذهبون تصفعهم الآيات.

"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" 1/هود.

الثالث: يوم بدر:

لقد أحس المفسرون بهذا التخبط، ولذلك رموا سهامهم نحو معركة بدر فإذا هي أكثر طيشاً مما هناك.. إذ كانوا يحلمون أن تنقذهم معركة بدر لتفسير هذه الآيات باعتبارها أول فتح فتحه الله لنبيه (ص).

ومن هنا تورطوا أكثر لأنه لا يوجد أي مبرر لعدم قبول إيمان من يؤمن والمعركة قائمة! فربما وجد إنسان نقي السريرة فرأى الآيات ومدد الملائكة وبهاء رسول الله (ص) وأصحابه فآمن.. فلماذا لا ينفعه إيمانه؟!.

من أجل ذلك قال البيضاوي ليخلص من هذه الورطة: والمراد بالذين كفروا الذين قتلوا منهم يوم بدر.

كيف يحصر الذين كفروا- وهو عام- بقتلاهم فقط يوم بدر فعلى رأيه إن الكفار إذا ماتوا موتا ًطبيعياً، ينفعهم إيمانهم.. ثم ما هذه المضحكات فكيف يموت الكافر أو يقتل ويجري الحديث عن إيمانه أو ليس قد قتل كافراً.. فالرجل يتحدث عن شيء لا وجود له لا في القرآن ولا في العقول.. بل يتحدث بلا موضوع أصلاً، لأنه لا موضوع أصلاً عن إيمان بعد موت، فهذا الموضوع منتفي من أساسه.

والظاهر أن هؤلاء لا يفرقون بين هذه الآيات الخاصة بالطور المهدوي وبين آية القيامة في سورة الروم:

"فيومئذٍ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون" 37/الروم.

والفارق بينهما كبير جداً فهذه الآيات هي التي تخص حالهم يوم القيامة لأنها:

أ. جاءت في سياق الحديث عن قيام الساعة ووصف حالهم بعد قيام الساعة مباشرةً.

ب. سماهم هنا الذين ظلموا بدل الذين كفروا، إذ يظهر ظلمهم علاوة على كفرهم لوجود الصحف وسجلات الأعمال.

ج. لا تنفعهم يوم القيامة معذرتهم بدل إيمانهم- لأنه لا يوجد إيمان يوم القيامة ولكن يمكن أن يعتذروا.

د. ولا هم يُستعتبون بدل ولا هم ينظرون: لأنه لا يوجد إنظار يوم القيامة، بل الحساب الذي يحاولون تحويله إلى عتاب، ليعتذروا. ولذا يؤكد القرآن على عدم منفعة اعتذارهم بشكل دائم في يوم القيامة.

قوله تعالى: "فاعرض عنهم، وأنتظر إنهم منتظرون".

أمر الله نبيه بالإعراض عنهم وانتظار ما يحدث فهم منتظرون، فإن كانوا قتلى بدر فكيف يأمره بالإعراض عن القتلى الميتين؟ وإن كان الفتح فتح مكة أو القيامة فكيف يأمره بالإعراض عنهم وهو إنما جاء لينذرهم؟ فمن أجل التخلص من هذه الإشكالات قال البيضاوي:

"فأعرض عنهم أي لا تبال بتكذيبهم وقيل منسوخ بآية السيف".

فما أعجله بذكر النسخ كي لا يعطيك مهلة للتفكير في قوله الأول ثم إسأله وأسأل غيره من الذي قال أنه منسوخ ومتى وكيف يعود مجدداً ليناقض ما قاله أولاً حينما يقول في قوله تعالى (فانتظر إنهم منتظرون):

"انتظر النصرة عليهم إنهم ينتظرون الغلبة عليك" فكيف يقول له أعرض ثم يقول له أنتظر النصرة عليهم؟.

أما عند فهم الآيات بمعناها الحقيقي ليوم الفتح العظيم لكافة الأرض تزول جميع هذه التناقضات التي تسببها التركيبة الإعجازية لكل مفرده فيها والتي لا تقبل أي عوج أو تناقض في المعنى. فقوله تعالى فأعرض عنهم لا يعني الأعراض عن محاربتهم ليحتاج إلى نسخ أو صد هجماتهم العسكرية وتحصين قوته الذاتية، بل أعرض عن البرهنة على وقوع الفتح لأن عليك أن تنتظر وقوعه لأنه وعد ربك، فأنهم منتظرون عدم تحقيقه أو منتظرون بالضم أي أن لهم مهلة وانظار حتى يوم الفتح حيث لا ينفعهم يومئذ إيمانهم ولا هم ينظرون مزيداً من الوقت أكثر من الذي أمهلناهم
23‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة akeela.
قد يهمك أيضًا
أذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا
لو كان الامر بيدي : لفشخت حسن نصر الله فشخة لم يفشخها احد من قبلة او بعدة
مامعنى كلمة (شرم ) ؟
ماذا تعرف عن حسن نصر اللات ؟
ماهي حقيقة نصر اللات ومالذي جعله ياخذ اكبر ممن حجمه ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة