الرئيسية > السؤال
السؤال
ابحث عن خطب الشيخ البوطي مكتوبة قابلة للتحميل
حوار الأديان | المسيحية | جريدة الإمارات اليوم | الإسلام 3‏/2‏/2011 تم النشر بواسطة djilali4846.
الإجابات
1 من 3
نقلا عن موقع الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله تعالى
أما بعد: فيا عباد الله، إن من بدهيات الأمور أن الله سبحانه وتعالى إنما شرَّف عباده بهذا الدين الذي أكرمهم به من أجل حكمة باهرة ينبغي أن تتحقق لعباده في هذه الحياة الدنيا؛ ألا وهي أن تمتد وشيجة الودّ والتضامن والوحدة بين أفراد هذه الأسرة الإنسانية جمعاء، فما شرفنا الله عز وجل بهذا الدين من حيث إنه مُعْتَقَد أو من حيث إنه شريعة وسلوك إلا ضمانة لهذه الألفة، وسعياً لتحقيق أسباب المحبة والوحدة بين أفراد الأسرة الإنسانين جمعاء، وحسبكم في هذا ما تقرؤونه وتسمعونه جميعاً من كلام الله عز وجل القائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 3/103]، ربط الوحدة والبعد عن الفُرقة بالاعتصام بحبل الله، أي لا سبيل إلى أن تلتقي هذه الأسرة الإنسانية جمعاء على صراط واحد من الأُلفة والمحبة والوحدة إلا عن طريق الاجتماع على دين الله عز وجل، الذي عبَّر عنه البيان الإلهي بحبل الله سبحانه وتعالى.
وإذا علمنا هذا فلنعلم أن الاجتهادات المذهبية - وهي مشروعة، وبابها مفتوح إلى قيام الساعة - ينبغي أن تكون خادماً لهذه الوحدة التي أحبها الله سبحانه وتعالى لنا، وما ينبغي أن ينعكس الأمر، ما ينبغي أن تصبح الوحدة - لا أقول الإسلامية فقط بل الإنسانية - ما ينبغي أن تكون الوحدة الإنسانية خادماً للاجتهادات المذهبية، وهنا يستبين الإخلاص لوجه الله سبحانه وتعالى عند أصحاب هذه الاجتهادات المذهبية، يستبين مدى إخلاصهم لله عز وجل، ومدى بعدهم عن هذا الإخلاص. فكلما كان أصحاب الاجتهادات المذهبية يضحّون باجتهاداتهم في سبيل توفير وحدة هذه الأمة فذلك دليل على إخلاص هؤلاء الناس لله عز وجل، وكلما رأينا في الناس من لا يبالي بوحدة هذه الأمة في سبيل الانتصار للرأي، وفي سبيل الانتصار للاجتهاد المذهبي، فلنعلم أن هؤلاء ليسوا مخلصين لله عز وجل، وإنما هم مخلصون لأنفسهم، مخلصون لأنانياتهم. ولقد رأينا في سلف هذه الأمة أصحابِ رسول الله رضوان الله عليهم، ثم من جاء على إثرهم من التابعين ومن تبعهم رأينا مظهر هذا الإخلاص، ورأينا حرقة الجمع على أن يكونوا أعيناً ساهرة في سبيل حماية وحدة هذه الأمة، أن يكونوا أعيناً ساهرة لحماية جسور الأُلفة والمودة التي ينبغي أن تسري بين فئات هذه الأمة الإسلامية جمعاء، وكم رأينا في أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم وفيمن تبعهم من بعد من ضحوا بحقوق اجتهادية لهم في سبيل الإبقاء على وحدة الأمة، وفي سبيل ألا يصيب بنيان هذه الوحدة أي شرخ أو أي زلزال، بل أي خطر يمكن أن يتهددها. هذا مع أن ذلك العصر لم يكن يعاني المسلمين فيه - وقد كان ملقباً كما تعرفون بالعصر الذهبي - لم يكن المسلمون يعانون من أخطار لعدوان يسشري، لم يكن يعانون من خطط يخططها ويرسمها أعداء طغاة يقودون العالم إلى الطغيان، على الرغم من ذلك فقد كانوا يضحون باجتهاداتهم المذهبية المختلفة في سبيل أن يكونوا جميعاً أعيناً ساهرة لوحدة هذه الأمة.
واليوم ينبغي أن نعلم أن ضرورة التمسك بهذا المبدأ يتضاعف، ينبغي أن تكون الاجتهادات والانتماءات المذهبية خلادماً للوحدة الإسلامية والإنسانية، وليس العكس. هذا المبدأ في عصر اليوم ينبغي أن نكون أشد تمسكاً به، وأشد حرصاً عليه، ذلك لأنكم تعلمون جميعاً أن أعداء هذا الدين يحيطون بعباد الله المسلمين من كل جانب، ولأن الخطط تُرسم الواحد إثر الأخرى كلها تتجه إلى هدف واحد، ألا وهو تمزيق المسلمين، القضاء على البقية الباقية من تضامنهم، من تآلفهم، ولا أقول من الوحدة، قُضي على الوحدة منذ زمن بعيد، ولكنكم تعلمون أن الخطط التي يرسمها أعداء هذا الدين الطغاة الذين لا داعي إلى أن نذكرهم بأسمائهم إنما يسهرون الليالي المتواصلة في سبيل القضاء على البقية الباقية مما يمكن أن نسميه التضامن أو التآلف أو التعاون مما بين المسلمين. فما العاصم ضد هذه الخطط؟ ونحن نعلم أن المسلمين اليوم كما كانوا بالأمس تتقاسمهم مذاهب اجتهادية مختلفة - ولا حرج في ذلك ما دامت مذاهب اجتهادية - ما العاصم ضد الوقوع في شَرَك هؤلاء الذين يخططون لهذه الأمة بليل؟ العاصم الأوحد إنما يتمثل في أن نجعل من اجتهاداتنا وانتماءاتنا المذهبية خادماً لوحدة هذه الأمة، وألا تذهب بنا الأنانية إلى حيث نضحي بوحدة هذه الأمة في سبيل اجتهاداتنا في سبيل آرائنا.
ومن قبل ضحى الحسن رضي الله عنه - الحسن بن علي - باجتهاده الذي كان يراه من أن له الحق في أن يدعو إلى نفسه بالخلافة، ضحى بذلك في سبيل وحدة هذه الأمة، وفعل ذلك من قبله كثير، وفعل ذلك من بعده أيضاً كثير، أولئك كانوا مخلصين لله، وكانت اجتهاداتُهم المذهبية غذاءً لدين الله، وما كانوا يتخذون من آرائهم المذهبية تلك إلا سبيلاً يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولما علموا أن الله عز وجل يُهيب بعباده أن يتّحدوا، وأن يتضامنوا، وألا يتنازعوا كانت الأولوية في الولاء إنما هو لوحدة هذه الأمة. وقفوا أمام قول الله عز وجل: {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 8/46] أي إن تنازع الشقيق مع شقيقه - وإن كان سببه انتصار كل للرأي الذي يرتئيه للمذهب الذي ينتمي إليه أو ينادي به - فإن هذا التنازع سيقضي على كل منهما، ولن يكون بعد هذا التنازع غالب ومغلوب، بل سيكون الطرفان مغلوبَين. هذا كلام رقيق يبينه لنا الله عز وجل {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا} سيكون الفشل نصيب الطرفين، سيكون الفشل نصيب كل من يريد أن ينتصر لنفسه، وهكذا تتحطم القُوى بنسبة واحدة، كان هذا في ذلك العصر حيث لم يكن عدو طاغ يتربص بالمسلمين كما هو اليوم، فما بالكم بعصرنا هذا! إن العدو المشترك - يا عباد الله - عندما يسعى سعيه للقضاء على البقية الباقية من تآلف هذه الأمة وتضامنها وتعاونها يُؤَلِّب الفئة من المسلمين على الأخرى، كيف؟ يؤلب كلاًّ منهما على الآخر عن طريق ما يعتز به من اجتهادات، عن طريق ما يعتز به من مذهبية ومبدأ، والنتيجة التي يتربص بها هذا العدو المشترك هو أن يتحطم الطرفان، ولتنتهي المعركة دون أن يكون هنالك غالب ولا مغلوب، ولعلكم تذكرون الحرب العراقية الإيرانية التي نفخ في أُوارها العدو المشترك، ماذا كان القصد؟ وماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن تنتهي تلك المعركة بتحطم كلا الطرفين، ومن ثم يجثم العدو المشترك في أرضه على عرش طغيانه آمناً مطمئناً، وما أشبه الليلة بالبارحة، ليت المسلمين يكرمهم الله بعقلانية، وبرشد ينبههم إلى هذا الخطر الذي أقول، عدونا لا يريد أن ينتصر لفئة على أخرى، عدونا ينظر إلى المسلمين كلهم بعين حمراء، عدونا يتربص بالجميع. لكن كيف السبيل؟ السبيل أن يضرب هذا بذاك، ويضرب ذاك بهذا لكي يتحطم الطرفان، وربنا عز وجل يهيب بنا ألا نتنازع {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 3/103]. أما العاصم الذي يعصم الأمة عن الشرود عن هذه الوصية؟ أما السبيل الذي يجعلنا ندرك هذه الحقيقة البدهية؟ شيء واحد الإخلاص لله عز وجل. وفرق كبير بين من يتبنى مذهباً اجتهادياً في الدين، ويخلص لنفسه من خلال تمسكه بهذا الاجتهاد، ويجعل من اجتهاده هذا غذاءً لأنانيته، غذاءً لذاتيته، ومن يجعل من اجتهاده هذا سبيلاً يسعى به إلى مرضاة الله، بين من يجعل من أفكاره المذهبية مظهراً من مظاهر عبوديته لله، يقول لله عز وجل: يا رب اجتهدت وتبصرت ووصلت إلى هذا، وإنما أبتغي بما قد انتهيت إليه مرضاتك.
عندما يكون المسلمون على هذه الشاكلة لن تكون مذاهبهم المختلفة حائلاً دون الوحدة، وعندما يدرك الإنسان المسلم أن الاجتهاد الذي ينافح عنه ويدافع عنه ويلتمس له الحجة يجب عليه أن يحتفظ بحججه هذه إلى اليوم الذي يرحل فيه عن هذه الدنيا، ويقف بين يدي مولاه وخالقه يملك أن يحتج على تمسكه بالمذهب الذي ينتمي إليه بين يدي الله بهذه الحجة. ذلك هو العاصم، فإن رأيتم أصحاب مذهب من المذاهب الإسلامية والواحد منهم يجعل من اجتهاداته ودلائل اجتهاداته كتاباً يحمله بيمناه إلى الله عز وجل ليحتج بين يدي الله بهذه الحجة، ويقول: يا رب هذه هي حجتي التي جعلتني أستمسك بهذا النهج.
فلنعلم أن هذا الإنسان مخلص لله، ولنعلم أن هذا الإنسان لن يكون مذهبه عائقاً عن تضامن هذه الأمة ووحدتها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بنعمة الإخلاص لوجهه، وأن يحررنا من غوائل نفوسنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
3‏/2‏/2011 تم النشر بواسطة sosorajawia.
2 من 3
http://www.fikr.com/bouti/article.php?PHPSESSID=e640082ecb3971db9baf05dfa7853085&id=298
هذا موقعه الرسمي فيها خطب مرئية و مسموعة و مكتوبة
3‏/2‏/2011 تم النشر بواسطة sosorajawia.
3 من 3
ttp://www.fikr.com/bouti/article.php?PHPSESSID=e640082ecb3971db9baf05dfa7853085&id=298
هذا موقعه الرسمي فيها خطب مرئية و مسموعة و مكتوبة

ل الله سبحانه وتعالى.
وإذا علمنا هذا فلنعلم أن الاجتهادات المذهبية - وهي مشروعة، وبابها مفتوح إلى قيام الساعة - ينبغي أن تكون خادماً لهذه الوحدة التي أحبها الله سبحانه وتعالى لنا، وما ينبغي أن ينعكس الأمر، ما ينبغي أن تصبح الوحدة - لا أقول الإسلامية فقط بل الإنسانية - ما ينبغي أن تكون الوحدة الإنسانية خادماً للاجتهادات المذهبية، وهنا يستبين الإخلاص لوجه الله سبحانه وتعالى عند أصحاب هذه الاجتهادات المذهبية، يستبين مدى إخلاصهم لله عز وجل، ومدى بعدهم عن هذا الإخلاص. فكلما كان أصحاب الاجتهادات المذهبية يضحّون باجتهاداتهم في سبيل توفير وحدة هذه الأمة فذلك دليل على إخلاص هؤلاء الناس لله عز وجل، وكلما رأينا في الناس من لا يبالي بوحدة هذه الأمة في سبيل الانتصار للرأي، وفي سبيل الانتصار للاجتهاد المذهبي، فلنعلم أن هؤلاء ليسوا مخلصين لله عز وجل، وإنما هم مخلصون لأنفسهم، مخلصون لأنانياتهم. ولقد رأينا في سلف هذه الأمة أصحابِ رسول الله رضوان الله عليهم، ثم من جاء على إثرهم من التابعين ومن تبعهم رأينا مظهر هذا الإخلاص، ورأينا حرقة الجمع على أن يكونوا أعيناً ساهرة في سبيل حماية وحدة هذه الأمة، أن يكونوا أعيناً ساهرة لحماية جسور الأُلفة والمودة التي ينبغي أن تسري بين فئات هذه الأمة الإسلامية جمعاء، وكم رأينا في أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم وفيمن تبعهم من بعد من ضحوا بحقوق اجتهادية لهم في سبيل الإبقاء على وحدة الأمة، وفي سبيل ألا يصيب بنيان هذه الوحدة أي شرخ أو أي زلزال، بل أي خطر يمكن أن يتهددها. هذا مع أن ذلك العصر لم يكن يعاني المسلمين فيه - وقد كان ملقباً كما تعرفون بالعصر الذهبي - لم يكن المسلمون يعانون من أخطار لعدوان يسشري، لم يكن يعانون من خطط يخططها ويرسمها أعداء طغاة يقودون العالم إلى الطغيان، على الرغم من ذلك فقد كانوا يضحون باجتهاداتهم المذهبية المختلفة في سبيل أن يكونوا جميعاً أعيناً ساهرة لوحدة هذه الأمة.
واليوم ينبغي أن نعلم أن ضرورة التمسك بهذا المبدأ يتضاعف، ينبغي أن تكون الاجتهادات والانتماءات المذهبية خلادماً للوحدة الإسلامية والإنسانية، وليس العكس. هذا المبدأ في عصر اليوم ينبغي أن نكون أشد تمسكاً به، وأشد حرصاً عليه، ذلك لأنكم تعلمون جميعاً أن أعداء هذا الدين يحيطون بعباد الله المسلمين من كل جانب، ولأن الخطط تُرسم الواحد إثر الأخرى كلها تتجه إلى هدف واحد، ألا وهو تمزيق المسلمين، القضاء على البقية الباقية من تضامنهم، من تآلفهم، ولا أقول من الوحدة، قُضي على الوحدة منذ زمن بعيد، ولكنكم تعلمون أن الخطط التي يرسمها أعداء هذا الدين الطغاة الذين لا داعي إلى أن نذكرهم بأسمائهم إنما يسهرون الليالي المتواصلة في سبيل القضاء على البقية الباقية مما يمكن أن نسميه التضامن أو التآلف أو التعاون مما بين المسلمين. فما العاصم ضد هذه الخطط؟ ونحن نعلم أن المسلمين اليوم كما كانوا بالأمس تتقاسمهم مذاهب اجتهادية مختلفة - ولا حرج في ذلك ما دامت مذاهب اجتهادية - ما العاصم ضد الوقوع في شَرَك هؤلاء الذين يخططون لهذه الأمة بليل؟ العاصم الأوحد إنما يتمثل في أن نجعل من اجتهاداتنا وانتماءاتنا المذهبية خادماً لوحدة هذه الأمة، وألا تذهب بنا الأنانية إلى حيث نضحي بوحدة هذه الأمة في سبيل اجتهاداتنا في سبيل آرائنا.
ومن قبل ضحى الحسن رضي الله عنه - الحسن بن علي - باجتهاده الذي كان يراه من أن له الحق في أن يدعو إلى نفسه بالخلافة، ضحى بذلك في سبيل وحدة هذه الأمة، وفعل ذلك من قبله كثير، وفعل ذلك من بعده أيضاً كثير، أولئك كانوا مخلصين لله، وكانت اجتهاداتُهم المذهبية غذاءً لدين الله، وما كانوا يتخذون من آرائهم المذهبية تلك إلا سبيلاً يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولما علموا أن الله عز وجل يُهيب بعباده أن يتّحدوا، وأن يتضامنوا، وألا يتنازعوا كانت الأولوية في الولاء إنما هو لوحدة هذه الأمة. وقفوا أمام قول الله عز وجل: {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 8/46] أي إن تنازع الشقيق مع شقيقه - وإن كان سببه انتصار كل للرأي الذي يرتئيه للمذهب الذي ينتمي إليه أو ينادي به - فإن هذا التنازع سيقضي على كل منهما، ولن يكون بعد هذا التنازع غالب ومغلوب، بل سيكون الطرفان مغلوبَين. هذا كلام رقيق يبينه لنا الله عز وجل {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا} سيكون الفشل نصيب الطرفين، سيكون الفشل نصيب كل من يريد أن ينتصر لنفسه، وهكذا تتحطم القُوى بنسبة واحدة، كان هذا في ذلك العصر حيث لم يكن عدو طاغ يتربص بالمسلمين كما هو اليوم، فما بالكم بعصرنا هذا! إن العدو المشترك - يا عباد الله - عندما يسعى سعيه للقضاء على البقية الباقية من تآلف هذه الأمة وتضامنها وتعاونها يُؤَلِّب الفئة من المسلمين على الأخرى، كيف؟ يؤلب كلاًّ منهما على الآخر عن طريق ما يعتز به من اجتهادات، عن طريق ما يعتز به من مذهبية ومبدأ، والنتيجة التي يتربص بها هذا العدو المشترك هو أن يتحطم الطرفان، ولتنتهي المعركة دون أن يكون هنالك غالب ولا مغلوب، ولعلكم تذكرون الحرب العراقية الإيرانية التي نفخ في أُوارها العدو المشترك، ماذا كان القصد؟ وماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن تنتهي تلك المعركة بتحطم كلا الطرفين، ومن ثم يجثم العدو المشترك في أرضه على عرش طغيانه آمناً مطمئناً، وما أشبه الليلة بالبارحة، ليت المسلمين يكرمهم الله بعقلانية، وبرشد ينبههم إلى هذا الخطر الذي أقول، عدونا لا يريد أن ينتصر لفئة على أخرى، عدونا ينظر إلى المسلمين كلهم بعين حمراء، عدونا يتربص بالجميع. لكن كيف السبيل؟ السبيل أن يضرب هذا بذاك، ويضرب ذاك بهذا لكي يتحطم الطرفان، وربنا عز وجل يهيب بنا ألا نتنازع {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 3/103]. أما العاصم الذي يعصم الأمة عن الشرود عن هذه الوصية؟ أما السبيل الذي يجعلنا ندرك هذه الحقيقة البدهية؟ شيء واحد الإخلاص لله عز وجل. وفرق كبير بين من يتبنى مذهباً اجتهادياً في الدين، ويخلص لنفسه من خلال تمسكه بهذا الاجتهاد، ويجعل من اجتهاده هذا غذاءً لأنانيته، غذاءً لذاتيته، ومن يجعل من اجتهاده هذا سبيلاً يسعى به إلى مرضاة الله، بين من يجعل من أفكاره المذهبية مظهراً من مظاهر عبوديته لله، يقول لله عز وجل: يا رب اجتهدت وتبصرت ووصلت إلى هذا، وإنما أبتغي بما قد انتهيت إليه مرضاتك.
عندما يكون المسلمون على هذه الشاكلة لن تكون مذاهبهم المختلفة حائلاً دون الوحدة، وعندما يدرك الإنسان المسلم أن الاجتهاد الذي ينافح عنه ويدافع عنه ويلتمس له الحجة يجب عليه أن يحتفظ بحججه هذه إلى اليوم الذي يرحل فيه عن هذه الدنيا، ويقف بين يدي مولاه وخالقه يملك أن يحتج على تمسكه بالمذهب الذي ينتمي إليه بين يدي الله بهذه الحجة. ذلك هو العاصم، فإن رأيتم أصحاب مذهب من المذاهب الإسلامية والواحد منهم يجعل من اجتهاداته ودلائل اجتهاداته كتاباً يحمله بيمناه إلى الله عز وجل ليحتج بين يدي الله بهذه الحجة، ويقول: يا رب هذه هي حجتي التي جعلتني أستمسك بهذا النهج.
فلنعلم أن هذا الإنسان مخلص لله، ولنعلم أن هذا الإنسان لن يكون مذهبه عائقاً عن تضامن هذه الأمة ووحدتها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بنعمة الإخلاص لوجهه، وأن يحررنا من غوائل نفوسنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
3‏/2‏/2011 تم النشر بواسطة ayman 111 (ايمن محمد احمد هيكل).
قد يهمك أيضًا
أريد خطب مكتوبة للشيخ الحويني
من هو محمد سعيد رمضان البوطي
ما هو رأي الدكتور محمد سعيد البوطي فى الداعية عمرو خالد ورحلة الدنمارك ؟
هال حسون و البوطي غفرا للمجرم
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة