الرئيسية > السؤال
السؤال
ما هى حقيقة النزاع بين على ومعاوية رضى الله عنهم .اريد وجهة نظر
الإسلام 9‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة برنس77.
الإجابات
1 من 6
النزاع بين علي و معاوية رضي الله عنهما
إن من المُسلـَّمِ به أن معاوية بن أبي سفيان كان من كبار الصحابة و كان كاتب الوحي[1]، و هو الذي قال عنه النبي «اللهمَّ اجعَلهُ هادياً مَهْديَّـاً و اهدِ به»[2]. و قال أيضاً: «اللهم عَلِّم مُعاوية الكِتاب و قِهِ العذاب»[3]. و قد ثبت من فضائله في السنة الصحيحة الشيء الكثير[4]، ممّا لا يُنكِره إلا جاحدٌ أو جاهل. و لذلك لمّا سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل: «ما تقول –رحمك الله– فيمن قال: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول أنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسَّيف غصْباً؟». قال الإمام أحمد: «هذا قول سوءٍ رديء. يجانبون هؤلاء القوم، و لا يجالسون، و نبيِّن أمرهم للناس»[5].

أما ما يقال من أحاديث في ذم معاوية و بني أميّة، فكلها أحاديث موضوعة[6] وضعها الشيعة أو المتملِّـقون للعباسيين. قال الإمام إبن القَيِّم الجَّوزيّة: «من ذلك الأحاديث في ذمّ معاوية، و كل حديث في ذمه فهو كذب، و كل حديث في ذم عَمْرو بن العاص فهو كذب، و كل حديث في ذم بني أمية فهو كذب، و كل حديث في مدح المنصور و السفاح و الرَّشيد فهو كذب... و كذلك أحاديث ذم الوليد و ذم مروان بن الحكم»[7].

و لعل الحادثة التي يدندن لها المنافقون هي قضية القتال بين أهل الشام و بين أهل العراق. فنقول إنه قد اقتتل جيش علي t في معركة الجمل مع جيش عائشة t و طلحة t و الزبير t، و هُمْ جميعاً من المبشرين من الجنة و من خيرة الصحابة و من خيرة من بهذه الأمة فليست تجريحاً و لا طعناً بهم لأنهم كانو متأوّلين و ذنبهم مغفور. و سيأتي تفصيل ذلك في محلّه بإذن الله.

و أما حديث «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» فهو صحيح. أما الزيادة التي وقعت في بعض نسخ البخاري القديمة: «يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ»، فهي لا تعني أن نشهد على أهل الشام بالنار، و لذلك قال أمير المؤمنين بالحديث ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث: «فالجواب أنهم كانو ظانين أنهم يدعون إلى الجنة، و هم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم. فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها و هو طاعة الإمام، و كذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي و هو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك، و كانو هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم».

و هذه الزيادة تفرد بها البخاري دون مسلم، رغم أن شرط مسلم أسهل. وقد كانت في نسخ صحيح البخاري القديمة ثم تنبّه لها فحذفها من صحيحه لأنها مدرجة. قال إبن حجر في شرح للحديث: «و اعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع، و قال: إن البخاري لم يذكرها أصلاً. و كذا قال أبو مسعود. قال الحميدي: و لعلها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمداً. قال: و قد أخرجها الإسماعيلي و البرقاني في هذا الحديث. قلت –و الكلام لإبن حجر–: و يظهر لي أن البخاري حذفها عمداً و ذلك لنكتة خفية، و هي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي r، فدلّ على أنها في هذه الرواية مُدرجة، و الرواية التي بيّنت ذلك ليست على شرط البخاري». ثمّ بيّن ابن حَجَر عِلّة هذا الحديث باختصار، ثم قال: «فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي r دون غيره، و هذا دالٌّ على دقة فهمه، و تبحّره في الاطلاع على عِلل الأحاديث».

قال شيخ الإسلام: «ثم إن عمّاراً تقتله الفئة الباغية، ليس نصَّـاً في أن هذا اللفظ لمعاوية و أصحابه. بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته و هي طائفة من العسكر. و من رضي بقتل عمّار كان حكمه حكمها. و من المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد الله بن عَمْر بن العاص و غيره. بل كل الناس كانو منكرين لقتل عمار حتى معاوية و عَمْرو»[8].

و هذا و إن كان الإجماع قد انعقد أن علياً أقرب للحق ممن نازعه، فإن من اعتزل الفتنة أصلاً كان أقرب للحق ممن اشترك في الفتنة. و قد جاءت النصوص كلها مؤيدة لهذا. كقول رسول الله r: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ»[9]. و قوله أيضاً في الصحيحين: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِم.ِ وَ الْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي. وَ الْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي»[10]. و هذه الأحاديث استشهد بها الكثير من الصحابة في تعليلهم لعدم الخروج لقتال المسلمين. و اتفقو على تسميتها بالفتنة. و أيّ فتنة هي أعظم من تقاتل الصحابة مع بعضهم بعضاً؟ فلا شكّ أن من اعتزل الفتنة أفضل ممن اشترك فيها.

و هذا هو موقف الغالبية العظمى من صحابة رسول الله r. فقد جاءنا في أصح الأسانيد أن قد هاجت الفتنة و أصحاب رسول الله r عشرات الألوف فلم يحضرها منهم مئة بل لم يبلغو ثلاثين[11]! و لم يشهد صفين من البدريين مع علي إلا ثلاثة فقط[12] على أقصى تقدير. و روى ابن بطة بإسناده عن بكير بن الأشج أنه قال «أما إن رجالاً من أهل بدر لزمو بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجو إلا إلى قبورهم».

و قد قال رسول الله r: «إنّ ابْنِي هَذَا سَيّدٌ. وَلَعَلّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْن مِنَ المُسْلِمِينَ»[13]. فأصلح الله به بين شيعة علي و شيعة معاوية. و أثنى النبي r على الحسن بهذا الصلح الذي كان على يديه، و سماه سيِّداً بذلك لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله و رسوله و يرضاه الله و رسوله. و لو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو الذي أمر الله به و رسوله، لم يكن الأمر كذلك، بل يكون الحسن قد ترك الواجب أو الأحب إلى الله. و هذا النص الصحيح الصريح يبين أن ما فعله الحسن محمودٌ مرضي. و لذا يتبيّن أن ترك القتال كان أحسن، و أنه لم يكن القتال واجباً و لا مستحباً. قال ابن تين: «و فيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل. لأن الحسن و معاوية ولّي كلٌّ منهما الخلافة، و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد في الحياة، و هما بدريان»[14].

و الأحاديث الثابتة تبين أن كِلا الطائفتين دعوتهما واحدة و تسعيان للحقّ الذي تعتقدان، وتبرِّئهما من قصد الهوى و اتِّباع البطلان. فقد أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله r قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَ تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ»[15]. و هذا الحديث –كما ترى– يُثبت أنهما أصحاب دعوة واحـدة و دِينٍ واحـد. و أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله r قال: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. يَقْتُلُهَا أَوْلَىَ الطّائِفَتَيْنِ بِالْحَقّ». فهذا الحديث يبيّن أن كلا الطائفتين يطالبان بالحق و يتنازعان عليه، أي أنّهما يقصدان الحق و يطلبانه. و يبيّن أن الحقّ هو مع علي لأنه قاتل هذه الطائفة و هي طائفة الخوارج التي قاتلها في النهروان. قال الإمام محيي الدين النووي: «فيه التّصريح بأن الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان و لا يفسِقون».

فلذلك نجزم بأن الصواب هو ترك الفتنة أصلاً. إذ إنّ الله يقول: ]وَ إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُو فَأَصْلِحُو بَيْنَهُمَا. فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُو الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُو بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُو إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين[.

فالأمر بقتال الفئة الباغية يكون بعد أن يبدأ القتال. و لم يرد أي دليل على وجوب بدئ قتال الفئة الباغية، بل إن النصوص الصريحة الثابتة عن النبي r تفيد أن ترك القتال كان خيراً للطائفتين. فلم يكن واجباً و لا مستحباً. و إنّ علياً مع أنه أولى بالحق و أقرب إليه من معاوية، لو ترك القتال لكان فيه خيراً عظيماً و كفاً للدماء التي أسيلت. و لهذا كان عمران بن حصين t ينهى عن بيع السلاح فيه و يقول: «لا يُباع السِّلاح في الفتنة»، وهذا قول سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة و ابن عمر و أسامة بن زيد و أكثر من كان بقي من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار الذين اعتزلو الفتنة و لم يشاركـو في القتـال. لذلك قـال الكثـير مـن أئمة أهل السنة: «لا يُشترط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما. ثم إن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت التي تبغي».

ولـو فرضنا أن الذين قاتلـو علياً عصاة وليسو مجتهـدين متأولين فلا يكون ذلك قادحـاً في إيمانهم و استحقاقهم لدخول الجنان، فالله سبحانه و تعالى يقول ]وَ إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُو فَأَصْلِحُو بَيْنَهُمَا. فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُو الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُو بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُو إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُو بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُو اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[[16]، فوصفهم بالإيمان وجعلهم إخوة رغم قتالهم وبغي بعضهم على بعض فكيف إذا بغى بعضهم على بعض متأولاً أنه على الحق فهل يمنع أن يكون مجتهداً سواءٌ أخـطأ أو أصاب؟!

و بالنسبة لبغي معاوية (إن سلّمنا به) فإما أن يكون فيه متأوّلاً أن الحقَّ معه، أو يكون متعمداً في بغيه. و في كلا الحالتين فإنّ معاوية ليس معصوماً من الوقوع في ذلك أو غيره من الذنوب. فأهل السنة لا ينزّهونه من الوقوع في الذنوب. بل يقولون أن الذنوب لها أسباب ترفعها بالاستغفار و التوبة منها أو في غير ذلك. و قد ذكر ابن كثير في البداية عن المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية قال: «فلمّا دخلت عليه فقال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال قلت: ارفضنا من هذا و أحسن فيما قدمنا له. فقال: لتكلِّمني بذات نفسك. قال: فلم أدع شيئاًَ أعيبه عليه إلا أخبرته به. فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهالك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت: نعم، إن لي ذنوباً إن لم يغفرها هلكت بسببها. قال: فما الذي يجعلك أحقّ بأن ترجو أنت المغفرة مني، فوَ الله لما إلي من إصلاح الرعايا و إقامة الحدود و الإصلاح بين الناس و الجهاد في سبيل الله و الأمور العظام التي لا يحصيها إلا الله و لا نحصيها أكثر من العيوب و الذنوب، و إني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات و يعفو عن السيئات، و الله على ذلك ما كنت لأخيَّر بين الله و غيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه. قال: ففكّرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خَصَمَني. قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير». فكيف إذا كان متأولاً؟ لذلك يقول ابن كثير: «معاوية معذور عند جمهور العلماء سلفاً و خلفاً».

يقول إبن تيمية: «و الصّحابة الذين لم يقاتلو معه كانو يعتقدون أنّ ترك القتال خير من القتال، أو أنه معصية فلم يجب عليهم موافقته في ذلك. و الذين قاتلوه لا يخلو إما أن يكونو عصاةً أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين. و على كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم و لا يمنعهم الجنة، فإن الله تعالى قال و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلو فأصحلو بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلو التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحو بينهما بالعدل و أقسطو إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحو بين أخويكم و اتقو الله لعلكم ترحمون. فسماهم إخوة و وصفهم بأنهم مؤمنون مع وجود الاقتتال بينهم و البغي من بعضهم على بعض. فمن قاتل علياً فإن كان باغياً فليس ذلك بمخرجه من الإيمان و لا بموجب له النيران و لا مانع له من الجنان. فإن البغي إذا كان بتأويلٍ كان صاحبه مجتهداً. و لهذا اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين و إن قالو في إحداهما إنهم كانو بغاة لأنهم كانو متأولين مجتهدين. و المجتهد المخطىء لا يكفر و لا يفسق و إن تعمد البغي. فهو ذنب من الذنوب، و الذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة و الحسنات الماحية و المصائب المكفرة و شفاعة النبي r و دعاء المؤمنين و غير ذلك»[17]. قلت و سيمرُّ معنا –بإذن الله– كيف أن عليّ بن أبي طالب اعتبر من قـُتِل من الطّرفين في يوم صفّين شهيداً.

و لا شكّ أن للصحابة ذنوباً كباقي البشر لأنّ أحداً منهم غير معصوم. و لكنّ لهم أجراً عظيماً و ثواباً كبيراً يغفر لهم تلك الذنوب كلها، حيث أن رسول الله r قال «لاَ تَسُبّو أَصْحَابِي. لاَ تَسُبّو أَصْحَابِي. فَوَ الّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا أَدْرَكَ مُدّ أَحَدِهِمْ، وَ لاَ نَصِيفَهُ» فهذا يدلنا على عظم أجر الصحابة. و هم بلا شك أحق الناس بالشفاعة من رسول الله r. و لذلك فأهل الفرقة الناجية متفقون على أن الصحابة هم خير هذه الأمة كلها.

و هذا حاطب بن أبي بلتعة t فعل ما فعل. و كان يُسيء إلى مماليكه حتى ثبت أنّ غلامه قال: «يا رسولَ اللّهِ لَيَدْخُلَنّ حاطِبٌ النّارَ». قال: «كَذَبْتَ، لا يَدْخُلُهَا فَإِنّهُ شَهِدَ بَدْراً وَ الْحُدَيْبِيّةَ»[18]. و قد أرسل كتاب إلى بعض المشركين بمكة يخبرهم بأسرارٍ عسكرية، و انكشَف أمره. فالذي فعله هو خيانة عسكرية حدّها القتل، و قد تصل بصاحبها للكفر. و مع ذلك فإن رسول الله r لم يقتله و لم يكفّره و لم يفسّقه. بل لمّا قال عمر t: «إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَه». فأجابه رسول الله r: «أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُو مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم». فهذه السيئة العظيمة غفرها الله له بشهود بدر، فدلَّ ذلك على أن الحسنة العظيمة يغفر الله بها السيئة العظيمة كما قال الله تعالى: ]أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُو وَ نَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُو يُوعَدُونَ[[19]. و لذلك قال عبد الله بن عمر بن الخطّاب t: «لا تسبو أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة»[20]. و هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. و لكن الحسد إذا حلَّ في قلب عبدٍ اسْتَحَال عِلاجه. كيف و هو أوَّل ذنبٍ عُصِي به الله تعالى عندما حَسَدَ إبليس آدم r؟

أما ما زعمه الشيعة من أن معاوية بن أبي سفيان لم يدخل الإسلام أصلاً و أنه كان منافقاً، فهو في غاية السخف. إذ لمّا مات يزيد بن أبي سفيان في خلافة عمر، استعمل أخاه معاوية. و كان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة و أخبرهم بالرجال و أقومهم بالحق و أعلمهم به، حتى قال علي بن أبي طالب t: «كنّا نتحدث أن السَّكينة تنطق على لسان عمر». و قال النبي r: «إن الله ضرب الحقَّ على لسان عمر و قلبه»[21]، و قال: «لو لم أبْعَث فيكم، لبعث فيكم عمر»، و قال ابن عمر: «ما سمعت عمر يقول في الشيء: إني لأراه كذا و كذا إلا كان كما رآه». و قد قال له النبي r: «وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك». و لا استعمل عمر قط، بل و لا أبو بكر، على المسلمين منافقاً، و لا استعملا من أقاربهما، و لا كانت تأخذهما في الله لومة لائم. بل لمَّا قاتلا أهل الردة و أعادوهم إلى الإسلام، منعوهم ركوب الخيل و حمل السلاح حتى تظهر صِحة توبتهم[22]. فلو كان عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان و أمثالهما ممن يتخوف منهما النفاق، لم يولَّو على المسلمين. بل إنّ الطاعن في عَمْر بن العاص هو طاعن في رسول الله r. إذ أن عَمْراً قد أمَّرَه النبي r في غزوة ذات السلاسل، و في الجيش أبا بكر و عمر، و النبي r لم يولِّ على المسلمين منافقاً. و أرسله كذلك ليدعو أهل عُمان إلى الإسلام فأسلمو. و قد استعمل على نجران أبا سفيان بن حرب أبا معاوية. و مات رسول الله r و أبو سفيان نائبه على نجران. و قد اتفق المسلمون على أن إسلام معاوية خير من إسلام أبيه أبي سفيان، فكيف يكون هؤلاء منافقين و النبي r يأتمنهم على أحوال المسلمين في العلم و العمل؟!

و معاوية ما أراد الحكم ولا اعترض على إمامة عليّ بن أبي طالب t، بل طالب بتسليمه قتلة عثمان ثم يدخل في طاعته بعد ذلك، فقد أورد الذهبي في "السير": «جاء أبو مسلم الخولاني و ناس معه إلى معاوية فقالو له: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا و الله إني لأعلم أن علياً أفضل مني، و إنه لأحق بالأمر مني، و لكن ألستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلومـاً، و أنا ابن عمه، و إنمـا أطلب بدم عثمان، فأتوه فقولو له فليدفـع إليّ قتلة عثمـان و أسلّم لـهُ. فأتوْ علياً فكلّموه بذلك فلم يدفعهم إليه»[23]. و في رواية عند ابن كثير: «فعند ذلك صمّم أهل الشام على القتال مع معاوية»[24].

أما ما يزعم بعض الجهلة أن الخلاف بين علي و معاوية –رضي الله عنهما– كان سببه طمع معاوية في الخلافة، فهذا من باب الدخول في النوايا و القول بغير علم، و الله تبارك و تعالى يقول: ]قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ، وَ الْأِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَ أَنْ تُشْرِكُو بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَ أَنْ تَقُولُو عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ[[25]، و يقول: ]وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُو فَقَدِ احْتَمَلُو بُهْتَاناً وَ إِثْماً مُبِيناً[[26]، و يقول عزّ و جلّ: ]وَ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ[[27].

و الثابت تاريخياً أن معاوية t لم يبايع بالخلافة إلا بعد أن قـُتل علي و تنازل له الحسن عن الخلافة. فلو فرضنا جدلاً أنه اتخذ قضية القصاص و الثأر لعثمان ذريعة لقتال علي طمعاً في السلطة، فماذا سيحدث لو تمكن علي من إقامة الحد على قتلة عثمان؟ حتماً ستكون النتيجة خضوع معاوية لعلي و مبايعته له، لأنه التزم بذلك في موقفه من تلك الفتنة، كما أن كل من حارب معه كانو يقاتلون على أساس إقامة الحد على قتلة عثمان، على أن معاوية إذا كان يخفي في نفسه شيئاً آخر لم يعلن عنه، سيكون هذا الموقف بالتالي مغامرة، و لا يمكن أن يقدم عليه إذا كان ذا أطماع. و معاوية t كان من كتاب الوحي، و من أفاضل الصحابة، و أصدقهم لهجة، و أكثرهم حلماً، فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يريق دماء المسلمين من أجل ملكٍ زائل، و هو القائل: «و الله لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله و بين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه»؟![28]

فلا يعقل أن يصدر عن الصحابة كذب كما أثبتنا بالحجة الناصعة في بحث عدالة الصحابة، و هذا من الذي لا يعقله عاقل أن يصدر من معاوية. ذلك أن العرب كانو يعدون الكذب من أقبح الصفات التي يتنزه عنها الرجال الكرام. و هذه قصة أبي سفيان – و هو يومئذ على الشرك– فيما أخرجه البخاري في صحيحه في قصة سؤال هرقل عن رسول الله r، يقول أبو سفيان: «فو الله لولا الحياء من أن يأثرو عليّ كذباً لكذبت عنه»[29]. فهذا أبوه في الجاهلية يرفض أن يكذب رغم شدة حاجته إلى ذلك خوفاً من أن يؤثر عنه ذلك، فمعاوية رضي الله عنه أحذق من أن يفعل مثل هذا[30]. و لذلك اتفق علماء أهل السنة و الجماعة على أن هذا النزاع كان على دم عثمان و ليس على الخلافة، بل حتى أن أوثق مصادر الشيعة ذكرت ذلك كما سنرى.

يقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية و إن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته و لا يدعيها لنفسه، و إنما كان يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب. و كان مخطئاً»[31]. و يقول شيخ الإسلام بن تيمية: «معاوية لم يَدَّعِ الخلافة، و لم يُبايَع له بها، حتى قـُتِـل علي. فلم يُقاتل على أنه خليفة، و لا أنه يستحقها، و كان يُقرُّ بذلك لمن يسأله»[32]. و يقول الهيتمي المكي: «و من اعتقاد أهل السنة و الجماعة أن ما جرى بين معاوية و علي رضي الله عنهما من الحرب، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي. فلم تهج الفتنة بسببها، و إنما هاجت بسبب أن معاوية و من معه طلبو من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي»[33].

قال العلامة التّقي: «و ليس في الصحابة بعدهم (أي الخلفاء الثلاثة) من هو أفضل من علي، و لا تُنازع طائفة من المسلمين بعد خلافة عثمان في أنه ليس في جيش علي أفضل منه، و لم تفضّل طائفة معروفة عليه طلحة و الزبير، فضلاً أن يفضل عليه معاوية. فإن قاتلوه مع ذلك لشبهة عرضت لهم. فلم يكن القتال له، لا على أن غيره أفضل منه، و لا أنه الإمام دونه. و لم يتسمَّ قط طلحة و الزبير باسم الإمارة، و لا بايعهما أحد على ذلك»[34]. و يقول –رحمه الله–: «و علي t لم يقاتل أحداً على إمامة من قاتله، و لا قاتل أحداً على إمامته نفسه، و لا ادعى أحدٌ قط في زمن خلافته أنه أحق بالإمامة منه، لا عائشة و لا طلحة و لا الزبير و لا معاوية و أصحابه، و لا الخوارج، بل كل الأمة كانو معترفين بفضل علي و سابقته بعد قتل عثمان، و أنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته»[35].

و طالمـا أكّد معـاوية ذلك بقولـه «ما قاتلتُ علياً إلا في أمر عثمان»، وهذا هو ما يؤكده عليّ و من مصادر الشيعة الإثني عشرية أنفسهم، فقد أورد الشريف الرضي في كتاب نهج البلاغة في خطبة لعليّ قوله «و بدء أمرنا أنا التقينا و القوم من أهل الشام، و الظاهر أن ربنا واحد و نبينا واحد، و دعوتنا في الإسلام واحدة، و لا نستزيدهم في الإيمان بالله و التصديق برسوله، و لا يستزيدوننا. الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، و نحن منه براء»[36]. فهذا عليّ يؤكد أن الخلاف بينه و بين معاوية هو مقتل عثمان و ليس من أجل الخلافة أو التحكم في رقاب المسلمين كما يدعي غلاة الرافضة، و يقرر أن عثمان و شيعته هم أهل إسلام و إيمان، و لكن القضية اجتهادية كل يرى نفسه على الحق في مسألة عثمان. و هو ما يؤكده الحديث الصحيح المرفوع «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة. فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق». فالفئتين العظيمتين هما أهل الشام و أهل العراق، و أما الفرقة المارقة فهي فرقة الخوارج.

و قد تحدد موقفهم منذ اللحظة التي حمل فيها الصحابي الجليل النعمان بن بشير t قميص عثمان و هو ملطخ بدمائه و معه أصابع نائلة زوجة عثمان، فوضع القميص على المنبر في الشام ليراه الناس و الأصابع معلقة في كـُمِّ القميص. و ندب معاوية الناس للأخذ بثأر عثمان و القصاص من قتلته، و قد قام مع معاوية جماعة من الصحابة في هذا الشان[37].

أما أن معاوية أمر بسبّ عليّ من على المنابر فكذب، و لا يوجد دليل صحيح ثابت بذلك[38]، و سيرة معاوية و أخلاقه تستبعد هذه الشبهة، أما ما يذكره بعض المؤرخين من ذلك فلا يلتفت إليه لأنهم بإيرادهم لهذا التقول لا يفرقون بين صحيحها و سقيمها، إضافة إلى أن أغلبهم من الشيعة أو من العباسيين. ولو كان ذلك حقاً كيف سكت عنه الصحابة وهم متوافرون دون إنكار؟! وهم الشجعان الذين لا يخافون في الله لومة لائم فهم لا يسكتون على سب رجل من عوام المسلمين دون حق بله عن سب علي t وهو الذي أجمع المسلمون على فضيلته ومنزلته الرفيعة. قال القرطبي: «وأما معاوية فحاشاه من ذلك، لِما كان عليه من الصحبة والدين والفضل وكرم الأخلاق. وما يُذكَرُ عنه من ذلك فكذب. وأصح ما في ذلك قوله لسعد هذا. وتأويله ما ذكره عياض. وقد كان معاوية معترفاً بفضل علي وعظيم قدره»[39]. قال ابن عبد البر: «وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل علي بن أبي طالب tعن ذلك، فلما بلغه قتله قال: "ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب"، فقال له أخوه عتبة: "لا يسمع هذا منك أهل الشام"، فقال: دعني عنك"»[40].

و قد قلنا أن معاوية لم يقاتل علي إلا في أمر عثمان. و قد رأى أنه وٌلِّيَ دَمَ عثمان و هو أحد أقربائه. و استند إلى النصوص النبوية التي تبَيِّن و تظهر أن عثمان يقتل مظلوماً، و يصف الخارجين عليه بالمنافقين إشارة إلى ما رواه الترمذي و ابن ماجة عن عائشة قالت «قال رسول الله r: «يا عثمان! إن ولاّك الله هذا الأمر يوماً، فأَرادكَ المنافقون أن تخْلع قميصك الذي قمَّصَكَ الله، فلا تخلعه» يقول ذلك ثلاث مرات»[41]. عن مرة بن كعب قال «قال رسول الله r تهيج على الأرض فتن كصياصي البقر. فمر رجل متقنع، فقال رسول الله r: هذا وأصحابه يومئذ على الحق. فقمت إليه فكشفت قناعه و أقبلت بوجهه إلى رسول الله r فقلت يا رسول الله هو هذا؟ قال هو هذا. قال: فإذا بعثمان بن عفان»[42]. و قد رأى معاوية و أنصاره أنهم على الحق بناء على ذلك، و أنهم على الهدى و خصوصاً عندما نعلم أن المنافقين الثائرين على عثمان كانو في جيش علي فاعتبروهم على ضلال فاستحلّو قتالهم متأوِّلين. إضافة إلى أن أنصار معاوية يقولون لا يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا و لا يظلمنا، و نحن إذا بايعنا عليّاً ظلمنا عسكره كما ظلم عثمان، و علي لا يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان، و ليس علينا أن نبايع عاجزاً عن العدل علينا[43]. و يقولون أيضاً أن جيش علي فيه قتلة عثمان و هم ظلمة يريدون الاعتداء علينا كما اعتدو على عثمان، فنحن نقاتلهم دفعاً لصيالهم علينا. و على ذلك فقتالهم جائز، و لم نبدأهم بالقتال و لكنهم بدءونا بالقتال، و نحن ندافع عن أنفسنا. خاصة أن قائد جيش علي هو الأشتر النخعي أحد قتلة عثمان.

و كان معاوية يقاتل في ظنه دفاعاً عن الحق و عن دم عثمان المهدور، و لم يكن ممن تأخذه العِزَّةُ بالإثم. فعندما قُتِل عثمان و بويع علي، كتب معاوية إلى علي أن عثمان ابن عمي قد قتل ظلماً و أنا وكيله و الله يقول ]وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً. فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً[[44]. فأرسل إلي قتلة عثمان أقتص منهم. و كان علي يستمهله في الأمر حتى يتمكن و يفعل ذلك. ثم يطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة و أبى أن يبايع علياً هو و أهل الشام. فكان أن جعل الله لمعاوية سلطاناً و جعله منصوراً كما وعد[45]. و لم يعترض معاوية و لا أحد من المسلمين على أحقية علي بالخلافة، و إنما أقصر بعضهم عن بيعته لرغبتهم في أن يثأر من قتلة عثمان أولاً كما أسلفنا من قبل. و كان طريقهم الحق و الاجتهاد و لم يكونو في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهَّمه متوهِّم و ينزع إليه مُلحِد، و إنما اختلف اجتهادهم في الحق. و قد أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله r قال: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَ إِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

فكان معاوية يرى أن علياً أحسن منه و أولى بالخلافة لكن الخليفة عليه تنفيذ حكم الشريعة و الاقتصاص من قتلة عثمان. و إذا لم يقدر الحاكم على تنفيذ أمر الله فعليه أن يوكّل أمر الحكم لغيره، لأن الغرض الشرعي من السلطان هو إقامة حدود الله. و هذا الموقف نابع من عصبية بني أمية القوية إذ خشي أن يتهم بالتقصير في دم بن عمه عثمان. لكن علي بن أبي طالب كان يرى ما لا يراه معاوية. إذ لم يقم لنصرته من المهاجرين و الأنصار إلا القليل، و كانت عامة جيشه من أهل العراق. و أهل العراق لم تكن لهم عصبية تجمعهم، بل كانو شراذم متفرقة. فإذا حاول أن يقتص من قتلة عثمان (و هم حوالي ألفين)، ثارت عليه عصائب العراق و تفرَّق عليه جيشه. فلم يكن من الممكن أن يقتص من قتلة عثمان حتى تهدئ الفتنة و تجتمع كلمة المسلمين و تضعف العصبية القبلية و تجتمع له قوة من غير أهل العراق، فيطلب كل قاتل للمحاكمة العادلة. و هذا الأمر لم يراه معاوية الذي كان يحكم الشام لعشرين سنة. و الشام بلد مدنيّ ليس فيها عصائب و قبائل، بل كان أهلها على قلب واحد. و قد غلط في هذا الأمر طلحة و الزبير و غيرهم من البدريين، و غلطهم كان أكبر لأنهم كانو في المدينة. و لكن الغلط في هذا الأمر لا يضرهم، لأنه غلط في أمر دنيوي[46].

و قد اتفق الفقهاء على أن الحاكم يجوز له تأخير الحد لمصلحة راجحة. و تلك المصلحة لم يراها من خاصم علياً كما أسلفنا. و قد أجمع علماء أهل السنة و الجماعة على أن علياً كان أقرب للحق من معاوية. و أن معاوية أخطأ في اجتهاده و تقديره، إذ كان عليه أن يطيع الخليفة الذي بايعه المهاجرون و الأنصار حتى لو أخَّر تنفيذ الحدود[47]. و من عجائب التاريخ أن الأمويين قد وقعو بما عابو بها علياً، إذ استعان مروان بن الحكم بقتلة الحسين (لعنهم الله) لنفس السبب الذي استعان به علي بقتلة عثمان (لعنهم الله). فسبحان مقلب الأحوال.

أما لماذا بدأ عليٌّ بالحرب فهو لخوفه من أنه لو ترك الأمور تهدئ و معاوية لم يبايع، فقد يطول الأمر و تتمزق بلاد المسلمين و تنفصل الشام عنها. و قد خرج الجيشان إلى صفين و كلٌّ يظن أنه يريد إرهاب صاحبه، و أن الوساطة ستنجح بين الطرفين. و لكن الأيام الطويلة مضت دون أن يصل المسلمون إلى نتيجة. و ما كان بحسبان عليّ أبداً –و لا معاوية– أن يتحول الأمر إلى تلك المجزرة العظيمة بين المسلمين دون أن تحقق ما كان يبغيه. و لكن إذا قدر الله أمراً فلا بد أن يمضيه. و لا يعقل أن يخرج لقتال معاوية لو كان يعلم ما ستؤول له حالة جيشه و المسلمين من بعد ذلك. و الخطأ في ذلك خطأ دنيوي لا يَضرّه[48]، أما الحكم الشرعي في قتال البغاة فلم يغلط به، بل فعله صار حُجَّةً عند الفقهاء من بعده.

و قد ذكر إبن عساكر لطيفةً أحب أن أذكرها هنا، و هو أن العبد الصالح عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله r –أي في الرّؤيا–، و أبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلـَّمت و جلست. فقال لي: «إذا وُلـِّيـْتَ من أمور الناس، فاعمل بعمل هذين: أبي بكر و عمر». فبينا أنا جالس إذ أتي بعلي و معاوية، فأدخلا بيتاً و أجيف عليهم الباب، و أنا أنظر. فما كان بأسرع أن خرج علي و هو يقول: «قضي لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله». ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية و هو يقول: «غُُـفِـر لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله!»[49].







--------------------------------------------------------------------------------

[1]  ثبت ذلك في صحيح مسلم مع الشرح كتاب فضائل الصحابة ـ باب ـ فضائل أبي سفيان جـ16 برقم (2501).

[2]  الحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/236) برقم (3018). و زاد الآجري في كتاب الشريعة لفظة: «و لا تعذبه». كتاب الشريعة للآجري (5/2436-2437) و إسناده صحيح.

و أخرجه البخاري بسند صحيح في التاريخ الكبير (5\240): عن أبي مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن (الصحابي عبد الرحمن) بن أبي عميرة قال النبي r لمعاوية: اللهمّ اجعله هادياً مهدياً و اهده و اهد به. إنظر أيضاً مسند الشاميين (1\190)، و الآحاد والمثاني (2\358)، و كذلك في التاريخ الكبير (7\326).

أبو مسهر قال عنه الخليلي: ثقة إمام حافظ متفق عليه. تهذيب التهذيب (6\90).

سعيد: قال أحمد في المسند: ليس بالشام رجل أصح حديثا من سعيد بن عبد العزيز. سير أعلام النبلاء (8\34).

ربيعة بن يزيد، قال ابن حبان عنه في الثقات: كان من خيار أهل الشام. تهذيب التهذيب (3\228).

عبد الرحمان بن أبي عميرة، صحابيٌّ جليل كما أثبت إبن حجر العسقلاني في الإصابة (4\342).

و الحديث أخرجه من طرق أخرى عديدة: الطبراني في المعجم الأوسط (1\205)، و أحمد في مسنده (4\216)، و الخلال في السنة (2\450). والحديث صحيح بلا شك على شرط مسلم.

[3]  أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7\326) بإسناد صحيح، و أخرجه أيضاً أحمد في فضائل الصحابة (2/913).

[4]  أما ما يتشدّق به بعض الجهلة من نقلهم عن إسحاق بن راهوية أنه قال: «لا يصح عن النبي r في فضل معاوية شيء»، فلا يثبت عنه. فقد أخرج الحاكم كما في السير للذهبي (3/132) و الفوائد المجموعة للشوكاني (ص 407) عن الأصم –أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم– حدثنا أبي، سمعت ابن راهوية فذكره. و في الفوائد: سقطت «حدثنا أبي»، و هي ثابتة، فالأصم لم يسمع من ابن راهوية. قلت: يعقوب بن يوسف بن معقل أبو الفضل النيسابوري –والد الأصم– مجهول الحال، فقد ترجمة الخطيب في تاريخه (14/286) فما زاد على قوله: قدِم بغداد و حدّث بها عن إسحاق بن راهوية، روى عنه محمد بن مخلد. و لم يذكر فيه جرحاً و لا تعديلاً، و له ذكر في ترجمة ابنه من السير (15/453) و لم يذكر فيه الذهبي أيضاً جرحاً و لا تعديلاً، و ذكر في الرواة عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، و لم أجده في الجرح و التعديل، و لا في الثقات لإبن حبّان. و بهذا فإن هذا القول ضعيف لم يثبت عن إسحاق بن راهوية رحمه الله.

[5]  السنة للخلال (2\434). إسناده صحيح.

[6]  أما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب ، فجاء فحطأني حطأة و قال: اذهب و ادع لي معاوية، قال : فجئت فقلت هو يأكل، قال : ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا اشبع الله بطنه. فهو تأكيد لصحبة معاوية t و بأنه من كتاب الوحي، و قد أخرجه مسلم في باب المناقب. و ليس في الحديث ما يثبت أن ابن العباس t قد أخبره بأن رسول الله r يريده، بل يُفهم من ظاهر الحديث أنه شاهده يأكل فعاد لرسول الله t ليخبره. فأين الذم هنا كما يزعم المتشدِّقون؟! و في الحديث إشارة إلى البركة التي سينالها معاوية من إجابة دعاء النبي r. إذ فيها تكثير الأموال والخيرات له t. فلا أشبع الله بطنك تتضمن أن الله سيرزقك رزقاً طيباً مباركاً يزيد عمّا يشبع البطن مهما أكلت منه. و قد كانت تأتيه –رضي الله عنه– في خلافته صنوف الطيبات التي أغدقت على الأمة كما ذكر إبن عساكر في تاريخه.

أما قول الرسول r لعلي t: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فمعاوية t لم يعادي علياً t بل الاختلاف هو حول التعجيل بتطبيق حدود الله. كما أوضحناه مراراً و تكراراً. و قد نقلنا الكثير من ثناء معاوية على عليٍّ و ترحمه عليه بعد استشهاده.

[7]  المنار المنيف (ص117) بتحقيق العلامة عبد الفتّاح أبو غدة. و قد فصّل إبن الجوزي في تخريج هذه الأحاديث في كتابـه الموضوعات (2/15). إنظر أيضاً المنتخب من العلل للخلال (227) لابن قدامة المقدسي.

[8]  الفتاوى الكبرى لإبن تيمية (4\267).

[9] البخاري برقم (18).

[10] البخاري برقم (3334)، و مسلم برقم (5136).

[11]  رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد عن محمد بن سيرين. و إسناده صحيح. إنظر السنة للخلال (2\466). و شواهده أيضاً كثيرة و صحيحة. قال ابن تيمية: «و هذا الإسناد من أصحّ إسناد على وجه الأرض. و محمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته، و مراسيله من أصح المراسيل». منهاج السنة (6/236).

[12]  قال الإمام أحمد حدثنا أمية بن خلد قال لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلا. فقال كذب أبو شيبة والله لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت. السنة للخلال (2\465)، و إسناده حسن. وقد قيل أنه شهدها من أهلي بدر سهل بن حنيف وكذا أبو أيوب الأنصاري، كما ذكر إبن تيمية في منهاج السنة.

[13] أخرجه البخاري برقم (6576). و انظر كذلك رد بن حجر في الفتح (13\67) على من وَهِمَ و ضعّف هذا الحديث.

[14]  فتح الباري (13\67).

[15] أخرجه البخاري برقم (5142).

[16] (الحجرات:9ـ10).

[17] منهاج السنة النبوية (4\393).

[18] أخرجه الترمذي و صحّحه.

[19] (الأحقاف:15-16)

[20]  رواه أحمد في فضائل الصحابة (1/57)، و ابن ماجة (1/31)، و ابن أبي عاصم (2/484)، و الخبر صحّحه البوصيري في زوائد ابن ماجة (1/24)، و المطالب العليّة (4/146)، و حسّنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1/32).

[21] أخرجه الترمذي و صحّحه برقم (3682).

[22] الفتاوى الكبرى (4\259).

[23]  سير أعلام النبلاء (3\140)، بسند رجاله ثقات كما قال الأرناؤوط. و جوّد إسناده إبن حجر في فتح الباري (13/ص86).

[24]  البداية و النهاية (8/132)، و انظر كلاماً لإمام الحرمين و تعليقاً للتباني عليه – إتحاف ذوي النجابة ص 152.

[25]  (الأعراف:33).

[26]  (الأحزاب:58).

[27]  (النور:16).

[28] سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151).

[29] البخاري مع الفتح (1/42).

[30] قال الذهبي: «اتفق له البخاري و مسلم في أربعة، و انفرد البخاري بأربعة و مسلم بخمسة». و أخرج له أصحاب الكتب الستة ستون حديثاً. و قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني في "جزء البطاقة": «روى عن معاوية رضي الله عنه جماعة من أصحاب الرسول r». ثم ساق أسمائهم وأحاديثهم الى أن قال: «وروى عنه وجوب التابعين أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، وهذه منزلة عظيمة ودرجة رفيعة شريفة».

[31]  لمع الأدلة في عقائد أهل السنة (ص115).

[32]  مجموع الفتاوى ( 35/72).

[33]  الصواعق المحرقة (ص325).

[34]  منهاج السنة (6/330).

[35] المنهاج (6/328).

[36]  نهج البلاغة (3\648).

[37]  تاريخ الطبري (4/562)، و البداية و النهاية لابن كثير (7/228).

[38]  و لعلّ أوّل من قام بذلك هو الحجاج عندما حكم العراق في زمن عبد الملك بن مروان. و هذه زلّةٌ كبيرة يذوب لها قلب المؤمن، و الحساب عند رب العالمين.

[39] إنظر شرح صحيح مسلم.

[40] الإستيعاب (3\1108).

[41]  سنن ابن ماجة، المقدمة ـ باب ـ فضائل أصحاب الرسول r برقم (112) و راجع صحيح ابن ماجة برقم (90). و أخرجه الترمذي عن أبي الأشعث الصنعاني كتاب الفضائل برقم (3704) وراجع صحيح الترمذي برقم (2922). و في إسناده عند الترمذي عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة مدلس و قد عنعن.

[42]  فضائل الصحابة لأحمد (1\449 ـ450) برقم (720) وقال المحقق: إسناده صحيح. و يشهد لهذا الحديث ما أخرجه أبو حاتم قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا همام عن قتادة عن محمد بن سيرين عن كعب... الحديث. و فيه قتادة و هو ثقة مدلس. و لكنه يصح لاعتضاده بسند صحيح.

[43]  راجع منهاج السنة لابن تيمية (4\384).

[44]  (الإسراء:33).

[45]  راجع تفسير الآية في تفسير إبن كثير.

[46]  و هو ما يسمى عند الفقهاء بتحقيق المناط.

[47] قال ابن حزم في "الفصل" (4\159): «فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه و أصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا، و إنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط له أجر الاجتهاد في ذلك. و لا إثم عليه فيما حُرِمَ من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله r أن لهم أجراً واحداً و للمصيب أجرين.

و لا عجب أعجب ممن يجيز الاجتهاد في الدماء و في الفروج و الأنساب و الشرائع و الأموال التي يدان الله بها من تحريم و تحليل و إيجاب، و يعذر المخطئين في ذلك!

و يرى ذلك مباحاً للّيث والبتي و أبي حنيفة و الثوري و مالك و الشافعي و أحمد و داود و إسحاق و أبي ثور و غيرهم كزفر و أبي يوسف و محمد بن الحسن بن زياد و ابن القاسم و أشهب و ابن الماجشون و المزني و غيرهم. فواحد من هؤلاء يبيح دم هذا الإنسان، و آخر منهم يحرمه –كمن حارب و لم يقتل أو عمل عمل قوم لوط. و غير هذا كثير. و واحد منهم يبيح هذا الفرج، و آخر منهم يحرمه، كبكر أنكحها أبوها و هي بالغة عاقلة بغير إذنها و لا رضاها. و غير هذا كثير. و كذلك في الشرائع و الأوامر و الأنساب. و هكذا فعلت المعتزلة بشيوخهم كواصل و عمرو و سائر شيوخهم و فقهائهم. و هكذا فعلت الخوارج بفقهائهم و مفتيهم. ثم يضيقون ذلك على من له الصحبة و الفضل و العلم و التقدم و الاجتهاد كمعاوية و عمرو و من معهما من الصحابة رضي الله عنهم. و إنما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون.

و في المفتين من يرى قتل الساحر، و فيهم من لا يراه. و فيهم من يرى قتل الحر بالعبد، و فيهم من لا يراه. و فيهم من يرى قتل المؤمن بالكافر، و فيهم من لا يراه. فأي فرق بين هذه الاجتهادات و اجتهاد معاوية و عمرو و غيرهما، لولا الجهل و العمى و التخليط بغير علم؟!».

[48] قال أبو العباس: «و أما قتال صفين، فذكر أنه ليس معه فيه نص، و إنما هو رأي رآه. و كان أحياناً يحمد من لم يَرَ القتال». الفتاوى (4\284).

[49]  القصة أخرجها ابن عساكر في تاريخه (59/140) بسندين إلى ابن أبي عروبة، و هو ثقة حافظ. و قد جمعت الروايتين في قصة واحدة. كما و أن ابن أبي الدنيا أورد الرواية الثانية في المنامات (رقم 124).
9‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة حمزة المغربي.
2 من 6
http://knol.google.com/k/%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%87#%28D8%29%28A7%29%28D9%29%2884%29%28D8%29%28A7%29%28D8%29%28B3%29%28D9%29%2885%29%28D8%29%28A7%29%28D8%29%28B9%29%28D9%29%288A%29%28D9%29%2884%29%28D9%29%288A%29%28D9%29%2887%29
19‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة الأسياد (بلال المومني).
3 من 6
حقيقة النزاع تعود لرغبة معاوية في الحكم وتطلعه لحكم مصر فظل يحاول اخذ الخلافة حتى تمكن من ذلك في عهد علي بعد ان ولي محمد ابن ابي بكر علي مصر وكانت شخصية محمد تميل الي الفساد فاستطاع معاوية التغلب عليه واخذ مصر من تحت يده ثم انتشر انصاره فى الشام ودول الحجاز مم سهل عليه التخلص من انصار العلويين
وانشاء دولته
18‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة the best 4 ever.
4 من 6
حقيقة الموضوع بكامل الصراحة ان الاسلام ليس دين ,بل هو دولة لذا تميز بالصراع منذ بدايته ومثال نزاع علي ومعاوية وعائشة وقتل محمد نفسه مسموماً من اليهودية انتقاما لمصرع اهلها , وقتل عمر وعثمان وعلي وكلهم خلفاء راشدين حسب ما تواتر عن السنة . كل هذا دلالة علي قولي بان الاسلام ليس دين بل هو دنيا كان الصراع علي السلطة والاموال التي تنهب من الاقطار المغلوبة علي امرها هو الاساس في كل اقتتال بين المسلمين
29‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة ماجد الكوشي.
5 من 6
فانه قد قيل في قصة قتال معاوية لسيدنا علي رضي الله عنه ما يلي:لما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه اجتمع طلحة والزبير وأكثر المهاجرين والأنصار وأتوا علياً ليبايعوه فأبى وقال :"أكون وزيراً لكم خيراً من أن أكون أميراً ومن اخترتم رضيته". فألحوا عليه وقالوا : لا نعلم أحداً أحق منك ولا نختار غيرك ، فخرجوا به إلى المسجد وبايعوه وكان أول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم بايعه الناس .

وكان رضي الله عنه لما خرج إلى المسجد للمبايعة قال: هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أردتم وقد افترقنا أمس وأنا كاره فأبيتم إلا أن أكون عليكم، فقالوا: نحن علىما افترقنا عليه الأمس، قال: "اللهم اشهد".

ثم بعد المبايعة خطب الناس ووعظهم ثم دخل بيته وذلك يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

ثم ظهر القول واللغط في قتل الخليفة عثمان وإقامة الحد والقود على من قتله فقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: لا قدرة لي الآن على ما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق. وهرب مروان وبنو أمية إلى الشام، وأشار المغيرة بن شعبة على أمير المؤمنين أن يبقي العمال والولاة حتى يستقر الأمر فأبى إلا أن يعزلهم، ثم جاء المغيرة في الغد وسأله فأشار عليه بعزل العمال، فجاء ابن عباس وأخبره بخبر المغيرة فقال: نصحك في الأمس وغشك اليوم. قال عليّ: فما الرأي عندك؟ قال: تقر معاوية الآن، فقال علي رضي الله عنه : والله لا أعطيه إلا السيف،قال ابن عباس: أنت رجل شجاع ولست صاحب رأي في الحرب أما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: " الحرب خدعة" قال: بلى ، قال ابن عباس: والله ان أطعتني لأتركنهم ينظرون في دبر الأمور ولا يعرفون ما كان في وجوههم من غير نقصان عليك، فقال علي: يا ابن عباس لست من هنيئاتك وهنيئات معاوية في شيء، فقال ابن العباس: أطعني والحق بمالك بينبع وأغلق بابك فإن العرب تجول وتضطرب فلا تجد غيرك وإن نهضت مع هؤلاءالقوم يحمّلك الناس دم عثمان غداً فأبى علي،قال علي لابن عباس: سر إلى الشام فقد وليتكها، قال : إذن يقتلني معاوية. وكان المغيرة يقول : نصحته فلم يقبل.

ثم أن معاوية جمع جنداً ليطالب بدم عثمان فبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان" وعزم على الخروج من المدينة إلى الشام وأمر بالتجهيز ودفع اللواء إلى ولده محمد بن الحنفية واستخلف على المدينة تمام بن العباس وذلك سنة "36" فلقيه عبد الله بن سلام فقال: يا أمير المؤمنين لا تخرج من المدينة فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا.
فبدر الناس إليه فقال: دعوه فنعم الرجل من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم. ولحقه ابنه الحسن عليه السلام ولامه وعذله في خروجه فلم يقبل منه وتوجه أمير المؤمنين بالجنود قاصداًالكوفة.

و أما خبر وقعة الجمل

فإن عائشة كانت قد خرجت من المدينة إلى مكة وعثمان محصور في بيته فقضت نسكها وأرادت الرجوع إلى المدينة فبلغها أن عثمان قد قتل فتأسفت أسفاً شديداً وقالت: قتل عثمان مظلوماً، ورجعت إلى مكة فاجتمعت الغوغاء من القبائل وأهل الأمصار وتكلم معها طلحة والزبير في مداركة هذا الأمر، وأركبها يعلى بن منبه جملاً اسمه عسكر كان اشتراه بمائة دينار وتوجهوا من مكة بنحو ثلاثة آلاف فيهم مروان،وطلحة، والزبير، وابان، والوليد ولدا عثمان يطالبون بدم عثمان حتى مروا بمحل فنبحت عليهم كلاب فسألت عائشة ما اسم هذا المحل قالوا: ماء الحوْأب (موضع بئر في طريق البصرة) فقالت: ردوني وأناخت بعيرها، وقالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه "ليت شعري أيتكنّ تنبحها كلاب الحوْأب" (أورد الهيثمي في المجمع 7/234 روايتين الأولى عزاها لأحمد وأبي يعلي والبزار وقال: رجال أحمد رجال الصحيح،والثانية وعزاها للبزار وقال: رجاله ثقات .

وأقامت بهم يوماً وليلة إلى أن قيل النجاء النجاء قد أدرككم علي بالعسكر فارتحلوا نحو البصرة فجاء القعقاع فبدأ بعائشة فقال: أي أماه ما أشخصك؟ قالت: أريد الاصلاح بين الناس وقرأت ((لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)) (سورة النساء-114) ثم ذهب إلى طلحة والزبير وقال لهما: سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت، الاصلاح،قالا: كذلك، قال: فأخبروني ما هو الاصلاح؟ قالا: قتلة عثمان فإن تركهم ترك للقرآن،قال: فقد قتلتم منهم ستمائة من أهل البصرة فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فإن قاتلتم هؤلاء كلهم اجتمعت مضر وربيعة على حربكم فأين الاصلاح؟ قالت عائشة: فما تقول أنت؟ قال: هذا الأمر دواؤه التسكين، فإن سكن سكنت الأمور، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير ولا تعرضونا للبلاء فنتعرض له فيصرعنا وإياكم، قالوا، قد أصبت وأحسنت فإن قدم عليّ وهو على مثل رأيك صلح الأمر.

فرجع القعقاع وأخبر علياً فأعجبه وأشرف القوم على الصلح . ثم خطب أمير المؤمنين وأمرهم بالرحيل من الغد وأرادوا الانصراف فحضر قبائل من العرب بنو بكر بن وائل،وعبد القيس وأشاروا على عليّ بالمناجزة واجتمع جماعة على الزبير وأشاروا عليه بالمناجزة فاعتذر كل منهما بما وقع بينه وبين القعقاع.

ثم اجتمع عليّ والزبير فقال له عليّ: أما بايعتني؟ قال: نعم والسيف على عنقي (يعني من أصحاب الفتنة الموجودين في المدينة وقت قتل عثمان) .

ثم قال عليّ للزبير: أتذكر يوم قال لكرسول الله صلّى الله عليه وسلم "لتقاتلنه وأنت له ظالم" (أورده الهيثمي في المجمع 7/235 وعزاه لأبي يعلي وقال فيه عبد الملك بن مسلم) فقال: اللهم نعم ولو ذكرت قبل مسيري ما سرت ووالله لا أقاتلك أبدا، فقال عليّ: لأصحابه أن الزبير قد عهد أن لايقاتلكم.

ورجع الزبير إلى عائشة وقال: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا أعرف أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: ادعهم واذهب.

وكان مع عائشة من قبائل العرب نحو ثلاثين ألفاً ومع عليّ رضي الله عنه نحو عشرين ألفاً كلهم مسلمون فبات الذين يحبون الفتنة من الفريقين يتشاورون فاتفقوا على إنشاب الحرب بين الناس فجاؤا في الغلس (ظلمة آخر الليل) ولا يشعر بهم أحد وباشروا الحرب فبعث طلحة والزبير رجلاً يسأل ما هذا الذي وقع، وسمع عليّ الضجة فقال: ما هذا؟ وركب ونادى في الناس أن كفوا فلم يرجعوا والتحم القتال حتى انهزم أصحاب الجمل وأصيب طلحة بسهم في رجله ودخل البصرة إلى أن توفي رضي الله عنه سنة ست وثلاثين عن ست وستين سنة من عمره.

فلما رآه عليّ رضي الله عنه جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: عزيز عليّ أبا محمدأن أراك مجندلاً تحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عُجري وبُجري (همومي وأحزاني) وترحم عليه.

وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بنتيم بن مرة لقب طلحة الخير والجواد والفياض وهو من العشرة المبشرين بالجنة ومن السابقين، أسلم هو وأبو بكر فأخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية وكان شديداً قوياً فشدهما في حبل ليمنعهما عن الصلاة فلما جاء وقت صلاتهما انحل الحبل فانطلقا يصليان فلذا كانا يسميان القرينين. هاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم يشهد بدرا لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان قد أرسله مع سعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار فلما رجع قال له النبي صلّى الله عليه وسلم: لك أجرك وسهمك (رواه الحاكم في المستدرك 3/368 باب مناقب طلحة بن عبيد الله) وأبلى يوم أُحد بلاء عظيماً، ووقى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بنفسه كان يتقي عنه النبل بيده حتى شلت يده (رواه البخاري في صحيحه في المناقب : باب ذكر طلحة بن عبيد الله) وحمل رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ظهره ليصعد الصخرة فيراه الصحابة، وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بينه وبين الزبير بمكة، وبينه وبين أبي أيوب بالمدينة، كان من أغنياء الصحابة كانت غلته كل يوم ألف دينار.

قيل رآه رجل في المنام يقول له: حولوني فقد أذاني الماء، رأى ذلك ثلاث ليال فأخبر ابن عباس فحفروه فإذا شقه الذي يلي الأرض قد اخضرّ من نزّ الماء ولم يتغير جسمه فاشتروا له داراًبالبصرة ودفنوه فيها.

ثم ذهب الزبير إلى وادي السباع بعد أن ذكره عليّ رضي الله عنه فمر بعسكر الأحنف وتبعه ابن الجرموز فكان يؤانسه ويسالمه حتى إذا قام يصلي غدر به فقتله، ورجع بفرسه وسلاحه وخاتمه إلى الأحنف فقال: والله ما أدري أأحسنت أم أسأت، وجاء عمرو بن الجرموز إلى عليّ رضي الله عنه وقال للحاجب: استأذن لقاتل الزبير، فقال عليّ: "بشره بالنار" (رواه الحاكم في المستدرك 3/367 في ذكر مقتل الزبير، ورواه بنحوه أحمد في فضائل الصحابة 2/747) ولم يأذن له.

وهو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو ابن أخي خديجة جدة الأشراف، أسلم بعد أبي بكر بزمن يسير وهو ابن خمسةعشر سنة وهو حواريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم هاجر الهجرتين، وأول من سل سيفاً في سبيل الله، شهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها، وفتح مصر كان من الأغنياءالأسخياء، كان له ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم فكان يتصدق به وعمره سبع وستون سنة.
ولما بلغت الهزيمة البصرة ورأوا الخيل طافت بالجمل وشبت الحرب ورموا الهودج بالنبال، وصارت عائشة تستغيث، وتكثر الدعاء على قتلة عثمان، وضج الناس بالدعاء فقال عليّ رضي الله عنه: ما هذا؟ قالوا: يدعون على قتلة عثمان، فقال: "اللهم العن قتلةعثمان" وأحاطوا بالهودج يحمونها وهم يتساقطون من السهام فنادى عليّ اعقروا الجم ليتفرقوا فضربه رجل فسقط الجمل له صوت شديد. وجاء القعقاع وزفر بمن معهما وحملواالهودج ووضعوه على الأرض وهو كالقنفذ من السهام وأمر عليّ رضي الله عنه بحمل الهودج من بين القتلى وأمر محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة وينظر هل بها جراحات. وأتاها عليّ رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا أمه، قالت: بخير، قال:غفر الله لك،قالت: ولك.

وجاء وجوه الناس إليها وفيهم القعقاع بن عمرو فسلموا عليها فقالت: وددت أني مت قبل اليوم بعشرين سنة، وقال عليّ رضي الله عنه مثل قولها.

ولما دخل الليل أدخلها أخوها محمد البصرة إلى بيت صفية بنت الحارث بن أبي طلحة من بني عبدالدار ام طلحة الطلحات.

ثم صلّى عليّ على القتلى من الجانبين وكانوا نحو عشرة آلاف قتيل، ثم دخل البصرة فبايعه أهلها، وبلغه أن بعض أهل الغوغاء عرّض لعائشة بالقول والإساءة فأحضرهم وأوجعهم ضرباً.

ثم جهزها عليّ رضي الله عنه إلى المدينة بما احتاجت إليه وبعثها مع أخيها محمد وأرسل معها أربعين من نسوة البصرة لمرافقتها، وجاء يوم ارتحالها فودعها واستعتبت له واستعتب لها، ومشى معها أميالاً وشيعها بنوه مسافة يوم، وذلك في غرة رجب فذهبت إلى مكة فقضت الحج ثم رجعت إلى المدينة.

وأما خبر وقعة صفين

وهو موضع قريب من الرقة على شاطئ الفرات" فإنه لما كانت محاصرة عثمان بالمدينة خرج عمرو بن العاص منها إلى فلسطين ومعه ابناه عبد الله ومحمد فلما بلغه الخبر بقتل عثمان ارتحل يبكي كما تبكي النساء، وقصد دمشق وبلغه بيعة عليّ فاشتد الأمر عليه وأقام ينتظر ما يفعله الناس، ثم بلغه سير عائشة وطلحة والزبير وسمع أن معاوية بالشام لم يبايع علياً رضي الله عنه فاستشار ابنيه في المسير إلى معاوية، فقال له عبد الله: توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم والشيخان بعده وهم راضون عنك فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى تجتمع الناس، وقال له محمد: أنت ناب من أنياب العرب فكيف يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صيت، فقال: يا عبد الله أمرتني بما هو خير لي في ديني، ويا محمد أمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي.

فلما رجع عليّ رضي الله عنه من وقعة الجمل إلى الكوفة أجمع على التوجه إلى الشام بعسكره، وقد كان عسكر معاوية سلك الفرات فشكى الناس إلى عليّ العطش فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية بأنا سرنا ونحن عازمون على الكف عنكم حتى نعذر إليكم فسابقنا جندكم بالقتال ورأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وقد منعتم الماء والناس غير منتهين فابعث إلى أصحابك يخلون عن الماء حتى ننظر بيننا وبينكم. فأشار عمرو بتخلية الماء وأشار ابن أبي سرح والوليد بن عقبة بمنع الماء فتشاتم معهم صعصعة ورجع وجاء الأشعث بن قيس إلى الماء فقاتلهم وجاء عليه الأشتر بجماعته فملكوا الماء وأرادوا منعهم منه فنهاهم عليّ رضي الله عنه عن ذلك وأقاموا يومين.
ثم بعث عليّ إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة وذلك أول ذي الحجة سنة ست وثلاثين فدخلواعلى معاوية وتكلم معه بشير بن عمرو بعد أن حمد الله وأثنى عليه أمره بالموعظة الحسنة وناشده الله أن لا يفرق بين الجماعة ولا يسفك الدماء فقال: هلا أوصيت صاحبك بذلك، فقال: بشير ليس مثلك هو أحق بالأمر بالسابقة والقرابة، قال: فما رأيك؟ قال: تجيبه إلى ما دعا إليه بالحق، قال معاوية: ونترك دم عثمان لا والله لا أفعله أبداً،فقال شيث بن ربعي: يا معاوية إنما طلبت دم عثمان تستميل به هؤلاء السفهاء الطغام (أوغاد الناس) إلى طاعتك، ولقد علمنا أنك أبطأت على نصرة عثمان لطلب هذه المسألة فاتق الله ودع عنك ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله، فأجابه معاوية بما لا يرضي،وقال: انصرفوا فليس بيني وبينكم إلا السيف، فقال شيث: أقسم بالله لنعجلنها لك، ورجعوا إلى عليّ بالخبر فأقاموا يقتتلون ثم جاء المحرم فذهبوا إلى الموادعة حتى ينقضي طمعاً في الصلح، ثم جرت المخابرات والإنذارات والمواعظ من أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى معاوية وهو يطاول ويطلب قتلة عثمان فلما انسلخ المحرم نادى أمير المؤمنين في الناس بالقتال وعبّى الكتائب وقال: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا، ولا تأخذوا مالاً، ولا تهيجواامرأة وإن شتمتكم فإنهن خِساف الأنفس والقوى (الخاسف: المهزول والمراد هنا ضعافالأنفس والقوى والله أعلم) ، ثم حرضهم ودعا لهم .

وكان مع عليّ رضي الله عنه تسعون ألفاً وكان مع معاوية مائة وعشرون ألفاً كلهم مسلمون فابتدؤا القتال مناوبة قبيلة لقبيلة إلى خمسة أيام، وخرج عمار بن ياسر وقال: اللهم إني لا أعمل عملاً أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين، ثم نادى : من سعى في رضوان الله فلا يرجع إلى مال ولا ولد فأتاه عصابة فقال: اقصدوا بنا هؤلاء الذين يطالبون بدم عثمان يخادعون بذلك عما في نفوسهم من الباطل، حتى دنا من عمرو بن العاص وقال: يا عمرو بعت دينك بمصر تباً لك، فقال: إنما أطلب دم عثمان، قال: أتشهد أنك لا تطلب وجه الله؟ فالتحم القتال حتى قُتل عمار بن ياسر بن عامر المدلجي ثم العنسى من أجلاء الصحابة ومن السابقين هو وأبوه وأمه شهد بدراً وأُحداً والخندق وبيعة الرضوان.

قال صلّى الله عليه وسلّم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن ام عبد" (عزاه السيوطي في الجامع الصغير 1/197 للترمذي عنابن مسعود، والروياني عن حذيفة، وابن عدي 7/2654 عن أنس ورمز السيوطي له بالصحة: وذكره ابن عدي أيضاً عن ابن مسعود 2/666)، وقال: "من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عماراً أبغضه الله" (رواه أحمد في مسنده 4/89-90) فلما قُتل عمار حمل عليّ رضي الله عنه ومعه ربيعة ومضر وهمدان حملة شديدة يقولون: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية" (رواه البخاري في الصلاة: باب التعاون في بناء المسجد ومسلم في الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ورواه الترمذي في المناقب: مناقب عمار بن ياسر، وأحمد في مسنده 2/161، 164، 206) فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتفض حتى بلغوا معاوية فناداه عليّ: علام يقتل الناس بيننا هلمّ أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال عمرو: أنصفك، قال معاوية: لكنك ما أنصفت، ثم اشتد القتال وخرج الأشتر وقتل صاحب رايتهم فلما رأى عمرو شدة أهل عليّ وخاف من الهلاك قال لمعاوية: مر الناس يرفعوا المصاحف على الرماح ويقولوا: كتاب الله بيننا وبينكم فإنه يرتفع القتال، ففعلوا فقال الناس: نجيب إلى كتاب الله، وقال عليّ: يا عباد الله امضوا على حقكم فإن معاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم صحبتهم أطفالاً ورجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال، وويحكم والله ما رفعوها إلا مكيدة وخدعة، فقالوا: لا يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فلا نقبل، فقال: إنما قاتلناهم ليدينوا بكتاب الله، فقال: مسعر بن فك التيمي وزيد بن حسين الطائي في عصابة صاروا بعد ذلك خوارج يا عليّ: أجب إلى كتاب الله وإلا دفعنا برمتك (أعطيت الشيء برمته أي بجماعته) إلى القوم وفعلنا بك ما فعلناه بابن عفان، فقال: ان تطيعوني تقاتلوا، وان تعصوني فافعلوا ما بدا لكم قالوا: فابعث إلى الأشتر فكفه عن القتال فبعث إليه فأبى وقال: قد رجوت أن يفتح الله لي، وبعث الأشعث بن قيس إلى معاوية لأي شيء رفعتم المصاحف قا للنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله في كتابه تبعثون رجلاً ترضونه ونحن نبعث رجلاً آخر ونأخذ عليهما أن يعملا بكتاب الله ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال الأشعث رضينا وقبلنا فرضي أهل الشام عمرو بن العاص ،

فقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى الأشعري، فقال عليّ: لا لا أرضاه، فقالوا : لا نرضى إلا به، فقال عليّ: إنه فارقني، فقالوا: لا نرضى إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء قال: فاصنعوا ما بدالكم، فبعثوا إلى أبي موسى وكان قد اعتزل القتال فقالوا له: إن الناس قد اصطلحوا فحمد الله قالوا: وقد جعلوك محكماً فاسترجع، وجاء أبو موسى العسكر وطلب الأحنف بنقيس من عليّ أن يكون معه فأبى الناس ذلك.

وحضر عمرو بن العاص عند عليّ لكتابة القضية فكتبوا بعد البسملة: "هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين، فقال عمرو: ليس هو بأميرنا، فقال الأحنف: إني أتطير بمحوها فمكث ملياً فقال الأشعث: امحها، فقال عليّ رضي الله عنه (الله أكبر)، وذكر قصة الحديبية وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعليّ : "إنك ستدعى إلى مثلها فتجيبها" (رواه بنحوه النسائي في خصائص علي ص/108 بألفاظ(
فكتب هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ على أهل الكوفة ومن معهم ومعاوية على أهل الشام ومن معهم، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه، وأن لا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات مما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص، وما لم يوجد في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من عليّ ومعاوية ومن الجند العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يورداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا. ثم أجّلا القضاء إلى شهر رمضان وأن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام، وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشام، ووضعوا خطوطهم في الصحيفة وأرّخوا الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة (37) واتفقوا على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل (وهي على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، معجم البلدان 2/487) أو باذُرح (بلد في أطراف الشام، معجم البلدان 1/129) في شهر رمضان.

ورجع عليّ رضي الله عنه وقومه حتى دخلوا الكوفة ولم يدخل معه الطائفة التي صارت فيما بعد من الخوارج ورجع الناس من صفين وكان إقامة الجميع بصفين مائة وعشرة أيام كان فيها بين الفريقين تسعون وقعة وأحصيت القتلى من الجانبين فكانوا من قوم معاوية خمسة وأربعين ألفاً، ومن قوم عليّ رضي الله عنه خمسة وعشرين ألفاً من صحابة وتابعين، منهم ستة وعشرون رجلاً من أهل بدر.

وإلى الله المشتكى وإليه يرجع الأمر كله.
ولما أنقضى الأجل وحان وقت اجتماع الحكمين بعث عليّ رضي الله عنه أربعمائة رجل فيهم أبو موسى وعبد الله بن عباس ليصلي بالناس ولم يحضر عليّ رضي الله عنه، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل وجاء معاوية واجتمعوا بدومة الجندل وشهد معهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة واجتمع الحكمان وتفاوضا، فطلب عمرو من أبي موسى أن يجعل الأمر إلى معاوية فأبى فقال: لم أكن أوليه وأدع المهاجرين الأولين، وطلب أبو موسى من عمرو أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فأبى عمرو فقال عمرو: ما ترى أنت؟ قال : أرى أن نترك علياً ومعاوية ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤن، فأظهر له عمرو أن هذا هو الرأي.

ثم أقبلا على الناس وقد اجتمعوا ينتظرون وكان عمرو قد عهد إلى أبي موسى أن يتقدمه في الكلام لم اله من الصحبة والسن، قال: يا أبا موسى أعلم الناس أن رأْينا قد اتفق، فقال: إنارأينا أمراً نرجو الله أن يصلح به الأمة، فجاء إليه عبد الله بن عباس وقال له: ويحك أظنه خدعك فاجعل له الكلام قبلك، فأبى، فصعد أبو موسى وقال: أيها الناس إنا نظرنا في أمر الأمة فلم نر أصلح لهم مما اتفقنا عليه، وهو أن نترك علياً ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد تركتهما فولوا من رأيتموه أهلاً، فجاء عمرووقال:إن هذا قد ترك صاحبه وقد تركته كما تركه وأثبت معاوية فهو ولي ابن عفان وأحق الناس بمقامه، فقال له أبو موسى: لا وفقك الله مالك غدرت وفجرت.

وركب أبو موسى ولحق بمكة حياءً، وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ورجع عبد الله بن عباس بالخبر إلى عليّ رضي الله عنه فمن ذلك أخذ أمر علي بالضعف وأمر معاوية بالقوة.

وأما خبر مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه

فإنه اجتمع ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وعمرو بن بكير التميمي، والبرك بن عبدالله التميمي واسمه الحجاج فتذاكروا في شأن المقتولين بالنهروان وقالوا: لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا العباد ، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب، وقال البرك: وانا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو ابن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاقدوا وتعاهدوا واتخذوا سيوفاً مسمومة وتواعدوا لسبع عشرة ليلة منشهر رمضان سنة (40) .

فوثب ابن ملجم وقد خرج عليّ رضي الله عنه إلى صلاة الصبح فضربه بالسيف في جبهته فمسكوه وأحضروه مكتوفاً بين يدي عليّ رضي الله عنه فقال: أي عدو الله ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً وسألت الله أن يقتلك به، قال: أراك مقتولاً به، ثم قال عليّ رضي الله عنه: إن هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا تحرضوا على دماء المسلمين وتقولون قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا إلا قاتلي.

ثم دعا الحسن والحسين ووصاهما فقال: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا، وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم، وقال لمحمد بن الحنفية: أوصيك بمثل ذلك وتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك، ولا تقطع أمراً دونهما ووصاهما به.

كانت وفاته رضي الله عنه وكرّم الله وجهه لإحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين أو تسع وخمسين سنة من عمره فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
17‏/6‏/2010 تم النشر بواسطة سبع الليالي.
6 من 6
من انت ياماجد الساذج حتى تتكلم عن الاسلام  الاسلام اسمى منك ومن كلامك التافه
ولايحق لك ان تتكلم فيما لايخصك
15‏/8‏/2010 تم النشر بواسطة صوت الأرض.
قد يهمك أيضًا
ما هو المكان الذي عقد فيه التحكيم بعد موقعة صفين بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن ابي سفيان ؟
الفتنة التي اشعلت بن ابي طالب ومعاوية بن سفيان
من هم دهاة العرب ؟
نرى اننا السنة نحب سيدنا ابو بكر وعمر وعثمان ومعاوية والسيدة عائشة ولكننا لم نقل .....
ما مصير الذين قتلوا في حروب عائشة والزبير ومعاوية ضد علي والحسن والحسين؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة