الرئيسية > السؤال
السؤال
كيف ان الاسلام دين البشرية والاسلام رسالة الانبياء؟
http://www.balagh.com/matboat/bhos/34/r60rmaud.htm
الفتاوى | العبادات | الفقه | الحديث الشريف | الإسلام 19‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة معروف.
الإجابات
1 من 9
سبحان الله

كتاب رائع جدا

هذا رابط الكتاب

اسم الكتاب الاسلام دين البشرية

الرابط مباشر

http://www.balagh.com/matboat/bhos/34/denalbasharea.zip

و تقبل تحياتي
19‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة سعد عيد.
2 من 9
(1)
الاسلام دين البشرية

1 ـ  الاسلام بين العنوان والمضمون
تختلف الاسماء من حيث انطباقها على المسمى ، وصدق تعبيرها عنه اختلافاً كبيراً حسب الكيفية التي وضع بها الاسم عنواناً للمسمى ، والطريقة التي أطلق فيها للدلالة عليه .
إذ قد يطلق الاسم تارة على المسمى إطلاقاً ارتجالياً ، بلا مناسبة بينهما ، ولا دلالة حقيقية في الاسم تدل عليه . . كما هو الحال في كثير من الاسماء والعناوين والاوصاف التي نتعامل معها يومياً ، ونلتقي بها كثيراً . . .
مثال ذلك الشخص الذي نسميه خزعلاً .
. .فنحن بتسميتنا لهذا الشخص لم نراع العلاقة الحقيقية بين الاسم الذي نطلقه على هذا الشخص ، وبين الحقيقة المتجسّدة فيه . . فخزعل في لغة العرب هو الضبع ، ولا علاقة بين ذات الانسان وماهية الضبع . . ومع ذلك فنحن نطلق هذا الاسم على أفراد النوع الانساني ، بلا علاقة حقيقية ، ولا مناسبة بينهما . . فيكون اختيارنا لهذا الاسم ، واطلاقنا له اختياراً مرتجلاً ، واطلاقاً بلا مناسبة ، ولا دلالة حقيقة تعبر عن ذات المسمى . .
وقد يطلق الاسم تارة أخرى على المسمى ، وقد اختير اختياراً دقيقاً ووضع وضعاً صادقاً بشكل يجعل من المسمى أو المضمون والمحتوى المندرج تحت هذا الاسم ، أو المصطلح ، حقيقة كلية تنطوي في صيغة هذا الاسم والعنوان ، وتكمن في أرجائه .
وهكذا فعل القرآن حينما اختار اسم «الاسلام» عنواناً لشريعة سيد المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)واسماً لمطلق الخضوع والعبودية لله وحده . . .
فالقرآن بفصاحته ، وبلاغته ، وعمق تعبيره ، ودقة اختياره للكلمة ، والمفهوم ، والاسلوب ، لا يمكن أن يكون إلاّ دقيقاً حينما اختار هذا الاسم عنواناً عاماً لهذا الدين . . وإلاّ معبراً في اختياره هذا أصدق التعبير عن واقع هذا الدين وحقيقته . . لذا فقد جاء هذا الاختيار القرآني دقيقاً وشاملاً بشكل حافظ على التناسب والارتباط بين منهاج الشريعة وأهدافها من جهة ، وبين الاسم الاسلام الذي سميت به الشريعة من جهة أخرى .
ونستطيع أن نكتشف هذه العلاقة القائمة بين الشريعة وبين مضمونها وأهدافها إذا عدنا إلى قواميس اللغة أولاً ، وعرفنا أن كلمة «الاسلام» تعني في لغة العرب الخضوع والاستسلام . . ثم انتقلنا (من قواميس اللغة) إلى محتويات الشريعة . . العقائدية ، والتشريعية ، والتوجيهية ، وقمنا بدراستها وتحليلها واستنتجنا من خلال ذلك أن هذه البنية الدينية بكامل وحدتها تستهدف (الخضوع والاستسلام لرب العالمين ، والتحرر من كل خضوع واستسلام لطواغيت البشر ، وخرافات الوهم) . فإذا قمنا بمثل هذه المتابعة والاستقراء ، استطعنا أن نكتشف السر الكامن في العلاقة بين عنوان الشريعة وهويتها ، والمناسبة التي دعت القرآن إلى نقل هذه الكلمة «الاسلام» من معناها اللغوي إلى وضعها الاصطلاحي ، وإعطائها دلالة شرعية خاصة .
(2)
واستطعنا أن نستنتج أيضاً أن هذا الاسم دالّ على مسماه (الدين) وأن التطابق دقيق بين العنوان والحقيقة العقائدية والتشريعية المنطوية تحته . . .
وإن هذا الدين لم يسم (بالاسلام) إلاّ لانه منهاج الاستسلام والخضوع لرب العالمين ، ودعوة الخلاص والتحرر من كل عبودية ، وضع الانسان قيدها في عنقه .
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرسُول النَّبِيَّ اْلاُمَّيَّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ والانجيل يَأمُرُهُم بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيَّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَاْلاَّغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الاعراف/157)

2 ـ  الاسلام رسالة الانبياء
وعندما نحاول البحث في هذا الموضوع ، ونواصل إغناء مثل هذا المفهوم لابد لنا من أن نتابع الاستعمالات القرآنية لكلمة «الاسلام» ونتحرى موارد اطلاقها ، وحالات انطباقها من خلال الايات القرآنية الكثيرة التي تحدثت عن الدين والعبودية والاسلام لرب العالمين على لسان الانبياء والمرسلين من نوح (عليه السلام)إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فإذا فعلنا مثل هذه المتابعة استطعنا أن نكتشف الاستعمال الدقيق لهذه الكلمة «الاسلام» والتشخيص الواضح لمعناها . . واستطعنا أن نعرف أيضاً أن الاسلام دين الرسل ، ودعوة الانبياء ، والعنوان الجامع لها .
وقد أورد القرآن الكريم الاستعمالات المتكررة لكلمة الاسلام ; بمعنى الايمان الصادق والخضوع الكامل لامر الله سبحانه ، بصيغ وأساليب متعددة; كصيغة الامر والدعاء والاخبار . . الخ على لسان الانبياء والصفوة المؤمنة من أتباعهم ، وهم يعلنون إسلامهم ، أو يدعون إليه فيستجيبون .
قال تعالى حاكيا عن لسان نوح (عليه السلام) قوله:
(فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سأَلْتُكُم مَّنْ أَجْر إنْ أَجْرِيَ الاَّ عَلَى الله وأُمِرْتُ أنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .
(يونس/72)
وقال تعالى في مورد آخر ، راوياً صيغة الخطاب الالـهي الموجه لابراهيم(عليه السلام):
(إذْ قَالُ لَهُ رَبُّهُ أَسلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبَّ الْعَالَمِين *وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .(البقرة/131ـ132)
وقال تعالى:
( . . . مِّلَّةَ أبِيِكُمْ إبْرَاهِيَم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ . . .) .(الحج/78)
وقال تعالى متحدثاً عن لسان يوسف (عليه السلام):
(رَبَّ قَدْ آتَيْتني مِنَ الْمُلْك وَعَلمْتَّنِي مِن تّأْويلِ اْلاَحَادِيثِ فَاطِ رَ السَّمَوَاتِ وَاْلاَرْضِ أَنتَ وَليِّ فِي الدُّنْيَا وَاْلاخِرَهِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالِصَّلِحِينِ) .(يوسف/101)
(3)
وقال تعالى ناقلاً حوار موسى (عليه السلام) مع قومه:
(وَقَالَ مُوسَى يَاقَّوْمِ إن كُنتُمْ آمَنتُم بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كُنتُم مُّسْلِمينَ) .(يونس/84)
وقال تعالى:
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيَها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادواْ . . .) .
(المائدة/ 44)
وقال تعالى: (وَإذْ أَوْحَيْتُ إلَى الحواريين أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي ، قَالُوْاْ آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِموُن) .(المائدة/111)
ومثل مقالة الانبياء جميعاً قال سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):
(إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ولَهُ كُلُّ شَيء ، وَأُمِرْتُ أنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .(النمل/91)
وهكذا تلتقي وتجمع هذه الدعوات الالـهيه على امتداد خط الاسلام لرب العالمين ، بمعناه الحقيقي المرادف لمعنى العبودية ، والايمان الصادق بالله تعالى ، والذي بدا واضحاً في استعمال إبراهيم (عليه السلام) لهذه الكلمة وقوله: (أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، واتخاذه هذا الاسلام ديناً يتعبد به ، وأمانة يوصي بها بنيه وأتباعه ، وشعاراً لاهل التوحيد ، وعنواناً لدعوة الايمان:
( . . .مِلَّةَ أَبِيِكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسلِمينَ مِن قَبْلُ . . .) .(الحج/78)
وهكذا يوصلنا القرآن الكريم إلى أن الانبياء جميعاً كانوا يسيرون على هذا الخط الايماني الموحد ، ويتجهون نحو غاية واحدة ، وهي: «تحقيق العبودية لله ، وإسلام البشرية لرب العالمين ، وتحريرها من عبادة الطواغيت ، والاهواء ، ومن كل صنوف العبوديات البشرية الضالة» .
وللحقيقة ذاتها اعتبر القرآن الكريم الايمان بكل الانبياء والرسل ركناً أساسياً من عقيدة المسلم ، ودليلاً تاريخياً ومنطقياً على صدق الرسالة المحمدية ، قال تعالى:
(قُولُواْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إبْرَاهِيمَ وَاسْمَاعِيلَ وَإسْحقَ وَيَعْقوبَ وَاْلاَسْبَاطِ وَمَا أوتيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أوتيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرَّقُ بَيْنَ أَحَد مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .(البقرة/136)
(قُلْ مَا كُنتُ بدْعاً مِّنَ الرُّسُل وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إنْ أَتَّبعُ إلاّ مَا يُوحَى إِليَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاّ نَذِيرٌ مُّبيِنٌ) .(الاحقاف/9)
ومن هنا نفهم أن الانبياء جميعاً حملوا للبشرية دينا واحداً ، وبشروا بعقيدة واحدة ، قد جعلها الله سبحانه أساساً ومنطلقاً لاصلاح البشرية ، وسبباً لانقاذها من التخبط والضياع في ظلمات التيه والجاهلية التي أفرزتها عصور الخرافة ، وحاكت نسيجها أساطير الشعوب المتدنية ، فعانى الانسان منها ما عاناه من عبادة الطواغيت ، ومن الفقر ، والظلم ، والجهل ، والفساد ، وما زال يعاني ، وسيبقى يعاني ما لم يعد الى منهج الانبياء ، ودعوة الرسل التي انصبت
(4)
جميعها في مصب واحد ، واستهدفت هدفاً واحداً; وهو انقاذ الانسانية ، وخلاص البشرية ، جيلاً بعد جيل ، وأمة بعد أمة ، من تلك المآسي والعبوديات .
وقد أراد الله سبحانه ، لرسالاته هذه جميعاً أن ينصب عطاؤها ، وتلتقي روافدها في مجرى واحد ، وتتركز أنوارها في بؤرة واحدة ، وتكتمل دعواتها في دعوة واحدة . . فكانت دعوة الاسلام ، ورسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هي الدين الخالد ، وخاتمة الاديان والرسالات ، والمنهاج المهيمن على مناهج الرسل ، والمستوعب لها:
(وَأَنزَلْنَآ إليْكَ الْكِتَّابَ بِالْحَقِ مُصَدِّقاً لمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكتَّابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ الله وَلاَ تتبَّعْ أهْواءهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً . .) . (المائدة/48)
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ باِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .
(الصف/9)
مهيمناً على كل تلك الرسالات والشرائع بما يحمل بين جنبيه من عوامل السعة والشمول والخلود; ليمتد عبر مساحة التاريخ البشري ويستوعب كل مظاهر التطور والنمو في الحياة الانسانية . . . . وهكذا كان تيار الدين عطاءً متدفقاً كالنهر العظيم ينحدر صافياً ، ويسير ممتداً مع امتداد البشرية ، متمثلاً في الاسلام العظيم ، الدين الذي دعا إليه الانبياء ، ونادى به المرسلون فاغترفوا منه بقدر حاجة شعوبهم ، وامكانات أممهم ليتركوا تياره منسابا إلى من يعقبهم من أجيال وأمم وأنبياء ، وليأخذ كل جيل منه حاجته ، وليستمر نهر الرواء متدفقاً بالحياة والخصب والنماء للبشرية جميعاً ، وللانسانية في مختلف عصورها .
لذلك بعث الله الانبياء على فترات مختلفة من حياة البشرية ليرشدوا الانسان إلى شرائع هذا النهر الروحي العظيم الذي يبعث في إنسانيتهم الخصب والحياة:
(يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَّجِيبوُا لله وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِماَ يُحْيِيكُمْ . . .) .(الانفال/24)
ولذا كان نداء الانبياء الى شعوبهم وأممهم جميعاً هو خطاب واحد ونداء واحد . . .
ذلك لانهم كانوا جميعاً دعاةً للاسلام الذي هو دين البشرية كلها من بداية نشوئها ، وحتى نهاية أجلها على هذه الارض; فهو المادة التعبدية ، والاصلاحية التي صيغت وشرعت منه كل الرسالات والشرائع .
أما الفوارق التي نشاهدها بين ما يبلغه رسول وآخر يكمن سببها في حاجة البشرية ، ومستوى وعيها ، وادراكها ومدى تحملها .
لذا فان البشرية في منتهى نضجها وتكاملها ، كانت مهيأة لاستيعاب كل هذا الدين «دين الاسلام» وحمل دعوته والسير على هدى منهاجه ، ورسالته .
وهذا ما أوضحه القرآن الكريم وأكده بقوله:
(إنَ الدّينَ عِندَ الله الاسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتوُاْالْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْد مَآجاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ ، وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإنَّ الله سَريعُ الْحِسابِ) .(آل عمران/19)
(5)
(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ اْلاسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي اْلاخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .(آل عمران/85)
فكان هذا الدين هو الدين الذي استقى منه الانبياء رسالاتهم واستمدوا دعواتهم من غير أن يكلفوا بحمل هذا الدين أو تبليغه كاملاً الى أممهم،وشعوبهم،بل كلفوا وأمروا بتبليغ ما يصلح تلك الامم ، ويسد حاجاتها ، ويأخد بيدها الى طريق الهدى والسلام; كما أشار إلى ذلك البيان القرآني المتحدث عن الدين والرسالات ، وعن وحدة المصدر والغاية ، فيؤكد أن الدين واحد: «وهو الاسلام» ، وأن دعوات الانبياء ورسالاتهم جميعاً شرعت (أي تفرعت واستمدت)منه.
قال تعالى: (شَرَعَ لَكمُ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ، وَالَّذي أَوْحَينا إِلَيْك ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُواْ الِّدينَ وَلاَ تَتَّفَرَّقُواْ  فِيُهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ، الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) .(الشورى/13)
وهكذا يثبت القرآن لنا وحدة الخط والاتجاه الذي سار عليه الانبياء ، ويؤكد أنهم (عليهم السلام)جميعاً أمروا باقامة الدين ، ونهوا عن التفرقة فيه . . . فوجهة البشرية واحدة ، وغايتها في الحياة واحدة; تستوعبها أطر الدين ، ودعوته العقائدية والاصلاحية ، مع تفاوت جزئي في المنهج والطريقة .
لذلك لا يصح أن نسمي دعوات الانبياء أدياناً متعددة ، بل هي دعوات متعددة ورسالات مختلفة لدين واحد حملها الانبياء إلى أجيال البشرية .
وقد اتضح لنا من استعراض القرآن لمفاهيم الدين والرسالات والاسلام: أن الدين الاسلامي هو الاطار الجامع لكل أهداف الدين الالـهي ، وهو الصيغة الكلية للرسالة الالـهية الكبرى التي تصبغ صورة الانسان والحياة على هذه الارض ، وهو المادة الاساسية التي شرعت منها الرسالات والدعوات الالـهية من قبل ، لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)وغيرهم من الرسل والانبياء ، (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكَتابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) .(الزخرف/4)
وهو صيغة الدين الالـهي الكلية التي ألقيت بكاملها الى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ليبلغه ويدعو البشرية إليه بأرقى منهج ، وأنضج شريعة .
لذا كانت الدعوات والرسالات السابقة كلها دعوات منسوخة لان دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الدين كله الذي شرعت منه الشرائع والرسالات ، وهو المنهج الذي أريد للبشرية في نهاية شوطها التاريخي أن تهتدي به ، وتصنع حياتها على هدى دعوته ورسالته .
أما الرسالات السابقة للاسلام فهي رسالات مؤقتة ودعوات محدودة ، وممهدة لرسالة الاسلام ، ودعوته الكبرى .

3 ـ  موازنة بين الر سالات الالـهية
ـ أين تلتقي الرسالات
قال تعالى:( . . . وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأْتِيَ بِآيَة إلاَّ بِإذْنِ الله لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُواْ الله ما يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِنَدهُ أُمُّ الْكِتَابِ) .(الرعد/38ـ39)
(6)
يشير هذا النص القرآني الصريح إلى وجود ظاهرة النسخ ، والتبديل في الشرائع والرسالات الالـهية ، كما يؤكد دوران هذا النسخ والتبديل على محور عقائدي ثابت ، وهدف تشريعي متحرك حول أصول الدين وقواعده الاساسية التي تنبثق من علاقة الانسان بخالقه ، وتدور حول طبيعة تكوين هذا الانسان ، وفطرته لتشيد سلوكه وأهدافه ونظام حياته ، بأفضل صيغة تشريعية وتعبدية ممكنة في هذه الحياة .
لذا كانت الرسالات والشرائع التي بشر بها النبيون ، والمرسلون تلتقي في أصول وقواعد ، وغايات أساسية ، كما تختلف في نقاط ومواقع تشريعية وتكليفية واضحة .
ولكي يكون واضحاً لدينا في أي المواضع تختلف هذه الرسالات والشرائع ، وفي أيها تلتقي على خط  هذا الدين الموحد الثابت القواعد والاسس عند الله سبحانه ، علينا أن نتابع الرسالات الالـهية ، ونشخص محور دعوتها ، ومحتوى بنيتها كما رواها لنا القرآن الكريم ، وكما عرفناها من سيرة الانبياء ودعوتهم ، لنقف على المبادئ الاساسية التي تلتقي بها الرسالات ، والاخرى التي تختلف فيها .

ـ المبادئ المشتركة
فاذا قمنا بمثل هذه المتابعة والاستقراء استنتجنا ما يأتي:
1 ـ ان الرسالات جميعاً تلتقي في العقيدة ، فهي القاعدة الاساسية التي يبنى عليها هيكل الدين بكامله ، وتشاد عليها مفاهيم الانسان وتصوراته العامة عن الكون والحياة . . . ولقد كانت عقيدة التوحيد القائمة على أساس الايمان بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الاخر ، هي الجامعة الكبرى التي تجمع بين رسالات الانبياء ، والروح الكلية التي تملا أبعاد دعواتهم ، . . . فما من نبي إلاّ ودعا إلى الايمان بالله وعبادته وتوحيده ، وبشر بالثواب وانذر بالعقاب .
وتأكيدا على هذه الحقيقة ، وتوجيهاً للبشرية نحوها ، عرض القرآن الكريم نماذج من خطاب الانبياء ، وصيغ دعواتهم التي وجهوها إلى أممهم وشعوبهم . . .
قال تعالى:
( . . . وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إسْرائيِلَ اعْبدُواْ الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ . . .).(المائدة/72)
(وَإلَى عَاد أخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُواْ الله مَالَكُم مِّنْ الَه غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).(الاعراف/65)
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَومِهِ فَقَالَ يَا قَوْم اعْبُدُواْ الله مَالَكُم مِّنْ إلَه غَيْرُهُ . . .).(الاعراف/59)
(وَإلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْم اعْبُدُوا الله مَالَكُم مِّنْ إلَه غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنةٌ مِّن رَّبِّكُمْ . . .).(الاعراف/73)
(وَإلَى مَديَنَ أَخَاهُم شُعيْباً قَالَ يا قَوُم اعْبُدُواْ الله مَالَكُم مِّنْ إلَه غَيْرُهُ قَدْ جآءَتْكُم بَيّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم فَأوْفُواْ اْلكيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي اْلاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنُينَ).(الاعراف/85)

(7)
(وَإبْراهِيمَ إذْ قَالَ لِقوْمهِ اعْبُدُاْ الله وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).(العنكبوت/16)
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبوُاْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ . . .).(لنحل/36)
(وَمَآ أَرْسَلْنَا من قبلك مِن رَّسُول إلا نوحِي إلَيْهِ أَنَه لا إلَهَ إلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ).(الانبياء/25)
2 ـ ان الرسالات جميعها تتحد في الدعوة إلى الاخلاق الفاضلة والقيم الانسانية ، وتنادي بفعل الخير وتدعوا لاصلاح الانسانية ، وتطهير النفس البشرية ، وتنظيم الحياة على أساس الحق والعدل . ومقاومة الظلم والبغي والفساد .
ولقد كان الانبياء جميعاً المثل الاعلى ، والقدوة الصالحة في القول والعمل وحب الخير; قال تعالى:(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بأَمْرِنَا وَأَوحَيْنَآ إِلْيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراَتِ وَإقَامَ الصَّلاَةِ وإيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ).(الانبياء/73)
ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن العناصر المشتركة بين الرسالات والدعوات الالـهية جميعاً أن نشير إلى شبهة حساسة ، كثر الحديث عنها في أوساط المستشرقين وتلامذتهم المتأثرين بتيار الاستشراق المعادي للاسلام . . . تلك الشبهة القائلة بأن القرآن كان من وضع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنه متأثر بالتوارة والانجيل ، وأن كثيراً من مفاهيمها ظاهرة في القرآن مما يؤكد ـ كما يزعم هذا التشكيك ـ أن محمداً قد اقتبس أفكاره من هذين الكتابين بعد أن احتك بالقساوسة والرهبان . . وقد اعتبرت هذه الشبهة اكتشافاً خطيراً ـ كما تصور أصحابها ـ يهدد كيان القرآن ورسالته . . . ولكننا نؤكد أن المرء لا يحتاج دليلاً على ابطال شبهة تأثر القرآن بالفكر اليهودي والمسيحي أكثر من فهمه أن الاصل الذي انبثقت منه الرسالات هو أصل واحد . . . وان الهدف والغاية من كل الرسالات هي واحدة . . . وأن عناصر كثيرة تجمع بين هذه الدعوات الالـهية جميعاً . . . وانما يشاهد من اشتراك في الاصول والمفاهيم والاهداف مرده إلى وحدة المصدر ، وهي الوحي الالـهي ، . . . ووحدة الغاية وهي تعبيد الانسانية لله وحده ، وانقاذها من مختلف عبوديات البشرية . . . وليس مصدره الاقتباس والتأثر الشخصي كما يزعم المشككون .
ومتى ما عرفنا ذلك استطعنا أن نؤكد أن التشابه والاشتراك بين الاسلام والرسالات السابقة له حقيقة رسالية تدل على صدق نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لشهادتها أن دعوة الاسلام تحمل ذات الدعوة والاهداف التي دعا اليها النبيون من قبل .
ـ أين تختلف الرسالات . . .؟
أما المواضع التي تختلف فيه الرسالات الالـهية التي بشر بها الانبياء ، فهي المبادئ التشريعية ، ومناهج الاداء العبادي ، وطريقة تنظيم الحياة; فلكل رسالة ودعوة صيغتها التشريعية المناسبة التي تعبر بها عن قواعد الدين وأهدافه الكبرى في الحياة . . . كما لها منهجها في تنظيم المجتمع . وطريقتها في العبادة .
. . . وهذا ما أوضحه القرآن ، وأكد عليه بصريح قوله:
(8)
(وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ باِلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وِمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزلَ الله وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُل جَعَلْنَا منكم شِرْعَةً وَمِنهَاجاً وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِيَما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ . . .).(المائدة/48)
فهذا التوضيح القرآني كاف لان يبين لنا أن الاختلاف بين الرسالات هو اختلاف في التشريع ، وفي منهاج الحياة وأنظمة الحكم . . . وهو اختلاف جزئي في مواقع معينة من محتوى الدين ، وليس اختلافاً كلياً في الدين .
إذاً إن القرآن نفسه يؤكد هنا أ نّه كتاب إلـهي مصدق للرسالات السابقة ، ومعبر عن أهدافها ـ ولكنه مهيمن عليها ـ أي إن مناهجه ، وأحكامه ، وقوانينه وتشريعاته هي التي يجب أن تسيطر وتسود; لانها التشريعات والمناهج المناسبة لحياة البشرية في طورها الاخير ، ولانها الصيغة التشريعية المستوفية لتطور الانسانية ، وتناميها الحضاري المتصاعد .
لذا كان الاسلام خاتمة الشرائع والرسالات ، ودين البشرية الذي يقود الانسانية في مسيرتها التكاملية في الحياة .
. . . وإذاً فالفوارق الاساسية بين كل رسالة وأخرى من الرسالات والشرائع الالـهية ، كامن في قواعد التشريع التي تحقق أهداف الدين ومبادئه الكلية المشتركة بين دعوات الانبياء ورسالاتهم جميعاً ، مراعيةً بذلك الظروف والاوضاع والاستعدادات البشرية ـ سواء العقلية منها أم الجسدية والنفسية ـ .
لذا كانت الواجبات والتكاليف العبادية والتشريعات ، والقوانين التنظيمية التي بشر بها الانبياء «الحلال والحرام» مراعية لتلك الاوضاع ومتناسبة معها .
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
3 من 9
لماذا تعددت الرسالات . . .؟
مما ساقه القرآن الكريم من صور ونماذج لحياة الانبياء وطبيعة رسالاتهم ، وصراعهم مع أعداء الله نستطيع أن نكتشف سرَّ تعدد الرسالات واختلافها في بعض الجوانب ، ومن ثم نستنتج بصورة أدق لماذا تعدد الرسل والانبياء . . .؟
وقبل أن ندخل في هذا الموضوع لا بد لنا من أن نعرف أنه ليس جميع الانبياء لديهم رسالات خاصة بهم ، يبلغون الناس بها ويدعونهم اليها .
بل ان العددالاكبر من الانبياء ـ لم تكن لديهم رسالات خاصة بهم ـ وانما بعثوا داعين إلى إحياء رسالات الانبياء والرسل الذين سبقوهم ، بعد أن حصل الانحراف عنها ، واُدخل التزييف عليها .
لذا كان هؤلاء الانبياء دعاة اصلاح ، وهداية وتصحيح ضمن مناهج أنبياء سبقوهم ، وأصحاب رسالات تقدموا عليهم .
ونعود الان فنجيب على سؤالنا لماذا تعددت الرسالات . . .؟
ولماذا بعث الله سبحانه هذا العدد الكبير من الرسل . . .؟
(9)
ولم يكتف برسالة واحدة ، وبرسول واحد ، يتبعه الناس جيلاً بعد جيل . . .
وللاجابة على هذا السؤال علينا أن نتتبع الاسباب ، والدواعي التي نتج عنها تعدد الرسل ، واختلاف الرسالات من خلال النظر إلى تراكمات التاريخ ، وتحليل حياة الشعوب ، ومحتوى الرسالات . . . فبالقيام بمثل هذا العمل الاستقرائي نستطيع أن نستنتج ما يلي:
1 ـ ان سبب تعدد الرسالات ، والرسل والانبياء يعود إلى طبيعة الانسان المخاطب بهذه الرسالات والدعوات; فالناس ليسوا سواء في قابلياتهم ، واستعداداتهم الفكرية والجسمية والنفسية ـ من بداية نشأتهم حتى نهاية اكتمالهم على سطح هذا الكوكب لذلك كان الدين يسير مع تصاعد البشرية ، واكتمال نموها ، ونضج مداركها وحاجاتها ، كلما ترقت وتصاعدت حركة مسيرها . . . وتلك حكمة الله . . . ومظاهر عدله ، فهو العادل الحكيم ، الذي لا تتناقض إرادته ، ولا تتضارب غايته ، ولا يجور حكمه .
لذا جاءت التكاليف والتشريعات جميعها متناسقة مع قدرة الانسان وطاقته (لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلاّ وسْعَهَا) ومحققة لخيره ومصالحه .
فعلى هذه القاعدة جرى التنسيق محكما بين مسيرة التكوين البشري وقواعد التشريع الديني بشكل بعيد عن التناقض أو التعارض .
وعلى هذه  القاعدة أيضاً جاءت الرسالات الالـهية متفاوتة في سعتها ، ونوع معالجتها ، ومناهج تنظيمها ، لتشكل مراحل تأريخية متصاعدة في مسيرة الدين الواحد تتناسب مع صلاح البشرية ورقي الانسانية . . . ولذلك كانت كل رسالة في سلم الدعوات الالـهية هي أرقى وأكمل من الرسالة التي سبقتها في مسيرة الحياة .
2 ـ ان بعض الاقوام كانت تصاب بأمراض جاهلية - حسب ظروفها ، وبيئتها الطبيعية والاجتماعية ـ تختلف عن أمراض غيرها من الشعوب والامم; لذلك تأتي الرسالة الجديدة كعلاج يستهدف استئصال ذلك المرض ، وعمل رسالي موجه لاقتلاع جذور هذا الانحراف ، والعمل على تصحيحه; لاعادة الموازنة الطبيعية لحركة النفس ، والمجتمع ، ودفع الحياة باتجاهها الانساني السليم .
وقد حدثنا القرآن الكريم عن ظواهر جاهلية مرضية كثيرة ظهرت بصيغ وكيفيات متعددة على طول خط التاريخ ، وعلى عرض مساحة الحياة البشرية فساق لنا نماذج مختارة منها; كشواهد ودروس للعبرة والاتعاظ . فحدثنا عن الانحراف المالي والتجاري لقوم مدين ، والانحراف الجنسي لدى قوم لوط ، والانحراف المادي الجشع عند بني إسرائيل . . . الخ .
لذا كانت رسالات أنبيائهم تنصب في جانب كبير منها على معالجة هذا المرض ، واقتلاع جذوره .
3 ـ ان تعدد الانبياء يفيد استمرار التذكير والتنبيه ، واستمرار عملية التفاعل الاجتماعي والاصلاحي مع الدعوة الجديدة ، وتأكيد هداية الانسانية ، وقيادتها على هدى الانبياء ، ليتم فضل الله ولطفه على الناس جميعاً ، ولتقوم حجته بينهم; فلا يعتذر أحد منهم يوم الحساب عن
(10)
جريمته ومعاصيه ، ولا يتذرع بالجهل وانعدام التذكير; قال تعالى:
(رُسُلاً مُّبَشَّرينَ وَمُنذِرينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً).(النساء/165)
4 ـ بعد اكتمال رشد البشرية العقلي ، ونموها النفسي كانت بحاجة إلى رسالة شاملة خالدة; تستوعب كل مظاهر التمدد والنماء في الحضارة المدنية ، ولديها القدرة على توجيه ، وقيادة قدرات الانسان ، وطاقاته المتنامية; لتمتد معه امتداداً زمنياً ،  .مكانياً موازياً لحياته ، ودافعاً لها . . . والانسان في قمة تطوره ونضجه العقلي في هذه المرحلة ، يكون بحاجة إلى رسالة تخاطب العقل ، وتراعي نضجه ونموه .
ويكون العقل في هذه الحالة هو الرقيب ، والحجة على الانسان لان دور العقل مع وجود الشريعة هو دور الانبياء . . . فهو الدليل على صدقها ، والوسيط إلى فهم أغراضها ، وتقبل دعوتها… والداعي إلى الالتزام بها ، والعمل بمناهجها وحمل رسالتها .
والانسان في  مرحلة نموه ، واكتماله العقلي والعلمي مؤهل لان يدرك بعقله ووعيه قيمة هذا الدين ، ويقتنع به . . .
لذلك أشادت السنة النبوية المطهرة بدور العقل ، ومكانته ومسؤوليته في هذا المجال اذ جاء في الحديث الشريف: (إن لله على الناس حجتين ، حجة ظاهرة وحجة باطنة; فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة ، وأما الباطنة فالعقول)() .
وهكذا يكون العقل هو الرسول الباطن للشريعة ، والداعية المواظب على اظهار عظمتها وقيمتها ، والمبرر الاول لدوام رسالتها ، وقيام حجتها في غيبة الرسل ، وانقطاع الانبياء .
أما المبرر الثاني لتمركز حجة الاسلام ، وانتصاب أدلته; فهم الدعاة وحملة الرسالة (الامِرُونَ باِلْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ); لانهم يؤدون دور الرسل ويسيرون على خط الانبياء .
لذا فإن الاسلام أوجب مسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على أتباعه ، وخصوصاً العلماء الذين يتمتعون بالقابليات ، والمؤهلات العلمية والثقافية ـ ليقوموا بدور الانبياء في التبليغ ، والدعوة إلى الاسلام ، وارشاد الناس ، وهدايتهم ، واصلاحهم; قال تعالى:
(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأمرُون باِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكُرِ وأُولئك هُمُ الْمُفْلِحُونِ).(آل عمران/104)
فلذلك تعددت الرسالات ، وختمت برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بلغ الدين بأرقى درجات تكامله الموازية لارقى درجات تكامل البشرية ونموها .




(11)
ـ النسخ والتكامل في الرسالات الالـهية
(قُولُوا آمَنَّا باِلله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلى إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .(البقرة/136)
تلتقي الرسالات الالـهية جميعا على خط واحد ، وتتجه نحو غاية واحدة وهي: إنقاذ البشرية ، وتعبيد الناس لله ، عن طريق المبادئ الايمانية السامية . . . والمناهج التشريعية المتمثلة في القوانين ، والاخلاق ، والنظم ، والعقائد ،  .والعبادات التي بشر بها النبيون ، ونادى بها المرسلون ، على امتداد خط التاريخ الانساني ، وعلى عرض ساحة الحياة البشرية بشكل مراحل وكيفيات موازية لنمو البشرية التعبدي والحضاري ، وتكاملها الاصلاحي .
فكل نبي كان يمهد لنبي آخر ، ويعمل على انضاج البشرية من الناحية الفكرية ، والروحية ، والسلوكية; لتكون مهيأة لتلقي الرسالة الالـهية الاتية . . .
وهكذا توالت الرسالات تسير على هذا الخط - خط الهدم والبناء ـ هدم العقائد والنظم ، والقوانين ، والاخلاق الفاسدة في كل بيئة ، وفي كل تشكيل حضاري تهبط في أرضه لتمارس عملية البناء . . . بناء شخصية الفرد والمجتمع بناءً فكريا وروحياً يقوم على أسس المبادئ الدينية السامية ، التي تتعهد بتوفير الخير والصلاح للانسان في آخرته ودنياه .
وعلى هذه الشاكلة سار البناء التكاملي في مسيرة الانبياء حتى اتخذ صيغته النهائية في رسالة سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم); فكانت رسالته هي خاتمة الرسالات ، ومنهاجه هو منهاج التكامل البشري بأرقى صيغة إيمانية ، وحضارية ممكنة:
(. . .الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلاَمَ دِيناً. . .).(المائدة/3)
(إن الدِّينَ عِندَ الله الاسلام . . .) .(آل عمران/ 19)
(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرةِ مِنَ الْخَاسِرينَ) .(آل عمران/85)
وقد حققت الرسالات الالـهية عملية النمو والتكامل في بُنيتها التشريعية والحضارية العامة بواسطة اسلوبين مهمين هما:
1 ـ اسلوب النسخ: وهو عبارة عن ابطال شريعة سابقة وايجاد البديل الارقى «شريعة لاحقة لتحل محلها وتملا فراغها» .
قال تعالى:
( . . . وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إِلاَ بِإذْنِ الله لِكلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتّابِ) .(الرعد/38ـ39)
وكما خضعت الشرائع والرسالات لظاهرة النسخ والابدال بكامل وجودها وسارت على قاعدة الاقرار الزمني المؤقت لمهمتها (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ) ، خضعت كذلك أحكام الشريعة الاسلامية الواحدة . ضمن اطار وحدتها إلى قاعدة التدرج والتكامل الذاتي في أحكامها ، وتنامي قوانينها وأساليبها ، واحلال البديل في الوسائل ، والاساليب والاحكام وقد عبر القرآن الكريم عن هذه
(12)
الظاهرة التشريعية في سير وتكامل الشريعة الاسلامية بقوله:
(مَا نَنسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَآ ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ) .
(البقرة/106)
توصلاً للحكم ، وسيراً نحو التشريع الانضج الذي يسلك كقاعدة قانونية ، وكصيغة تشريعية ، توجه نشاط الانسان ، وتقنن أنماط سلوكه وعلاقاته .
2 ـ والاسلوب الثاني من أساليب التكامل في الرسالات هو اسلوب التوسع،والنمو والامتداد في الاحكام ، والقوانين والمفاهيم . . . فكل رسالة خوطبت بها البشرية فى مرحلة من مراحل حياتها هي أوسع أفقا ، وأشمل تنظيماً ، وأكثر استيعاباً لنشاط الانسان ، وأرقى تناولا لجوانب الحياة المتعددة ، وأقدر على تشكيل صيغة حياتية متطورة من الرسالة التي سبقتها .
وهكذا سار التوسع والشمول حتى بلغ مداه في رسالة خاتم المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، . . . وقد سجل القرآن هذه الظاهرة التشريعية في بنية الرسالات ، وأوضح تلك العلاقة بين مبادئها فقال:
(وَأَنزَلْنَآ إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيه مِنَ الْكتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبعْ أَهوآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكْلٍّ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وَلَكِن لَيَبْلوَكُمْ فيمَآ آتَاكُمْ فَاسْتَبقُو الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِئكُم بِمَا كُنُتمْ فِيهِ تَختَّلِفونَ).(المائدة/48)

ـ الرسالات بين الاصالة والتحريف
لقد واجهت الرسالات والدعوات الالـهية محاولات جاهلية متعددة لطمس معالمها ، وتشويه مبادئها ، واقامة الحواجز والموانع أمامها; لاعاقة مسيرتها ، والحيلولة دون انتشار دعوتها . . . وافراغها من محتواها الاصلاحي; ليتسنى لاولئك الجاهليين الالتفاف على تلك المبادئ ، والتآمر على دعوة الانقاذ والخلاص .
ولعل أخطر ما واجهته الرسالات من عمليات الطمس والمحاربة هو عملية التزييف ، والتحريف تنفيذاً لاهواء حفنة من الجاهلين المتسلطين ، والمنتفعين الذين أرادوا أن يخضعوا الدين لاهوائهم ويستهلكوا أهدافه في إطار مصالحهم . . .
وقد لعب كثير من علماء اليهود «الاحبار» وعلماء النصارى «القساوسة والرهبان والاباء» دوراً خطيراً في تزييف الرسالتين اليهودية ، والمسيحية حتى حولوها إلى ديانات شبه وثنية ، وطمسوا صفاتها الالـهية ، فأخضعوا الدين لاهوائهم ، ومصالحهم ، وأدخلوا عليه رواسب أفكارهم المنحرفة; فغدا الدين صيغة مشوهة من الخرافات ، والاساطير التي يرفضها العقل السليم ، ويسخر منها العلم الصحيح .
فأساءوا بهذا التزييف والتحريف إلى دعوة الدين والايمان . . . فلم يعد الانسان يواجه في هذه الصورة الدينية التي رسمتها تصورات الاحبار والقساوسة غير الخرافات والاساطير . . .

(13)
وغير الدعوة الى التحجر والركود،وتركيع الانسان بين يدي الطغاة والمستبدين. . . فكانت هذه الصورة سبباً للنفور من الايمان،ومشجعاً لاعلان الحرب والمعاداة ضد فكرة الدين. . . والانسان على حق عندما يتخذ هذا الموقف من تلك التصورات الزائفة المحرفة ، وعندما ينفر من هذا الفهم المتحجر المشوه لرسالة الدين بعد أن أفرغت من محتواها الالـهي الحق ، وبعد أن غدت صيغة مشوهة لا تمثل فكرة الايمان ، ولا تعبر عن دعوة الانبياء . . .
وقد تحدث القرآن الكريم كثيراً عن هذا التحريف ، والتزييف ، وبينه في مواضع كثيرة من آياته المقدسة ، في معرض حديثه عن اليهود والنصارى فقال:
(لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْركْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا للظالمين مَنْ أَنَصَار * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوآ إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَـه إِلاّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(المائدة/72ـ73)
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُم بأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ).(التوبة/30)
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَـهاً وَاحِداً لا إِلَـهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونّ).(التوبة/31)
(فَوَيْلٌ لِّلِّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَروُا بِهِ ثَمَناً قلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) .(البقرة/79)
وهكذا يوضح لنا القرآن الكريم صورة الانحراف التي أحدثها أحبار اليهود ورهبان النصارى في العقيدة والتشريع ، وفي الفهم الايماني الذي دعت إليه التوراة والانجيل فاشترعوا القوانين والانظمة ، وفلسفوا الحياة ، وعرضوا صورة العقيدة اليهودية والمسيحية بالطريقة التي تخدم مصالحهم ، وتتناسب ومستوى وعيهم وتصورّهم الخرافي المتحجّر ، فأحدثوا منعطفا خطرا في مسيرة هاتين الرسالتين الالـهيتين . . . ساهم في حرف وتضليل قطّاع كبير من أجيال البشرية ، وابنائها; فاتّخذ هذا التحريف صيغة المعتقد ، واحتلّ موقع الدين في نفوس المنتمين إليه والاتباع دونما وعي ، أو تعامل عقلي ونقدي سليم ، بل عدّوا تلك المفاهيم والمعتقدات من المسلّمات ، والمعارف الالـهية التي لا تقبل الجدل .
وان نحن حاولنا دراسة التوراة والاناجيل المتداولة بين أيدي أصحابها ، وقمنا بنقدها ومناقشتها على أساس الفكر الديني الصحيح ، لوجدنا صورة خرافية بعيدة كل البعد عن روح التوراة المنزّلة على موسى (عليه السلام) ، والانجيل المنزّل على عيسى (عليه السلام) ، والشواهد كثيرة على ذلك ، والادلة عديدة ، نذكر منها:
1 ـ يتداول المسيحيون الان اربعة أناجيل()،يختلف الواحد منها عن الاخر ، اختلافا كبيرا ، ويتناقض معه تناقضا واضحا .
(14)
ونحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل كتابا واحدا إلى عيسى (عليه السلام) ، ولم ينزّل كتبا وأناجيل متعددة ، فمن أين جاء هذا التعدّد؟  .كيف نشأ هذا الاختلاف . .؟!
انّ التفسير الوحيد الذي لا يقبل الشّك لهذه الظاهرة هو التحريف ، والتزييف الذي تعرّضت له الكتب الالـهية . . . «التوارة والانجيل» فضاعت أصالتها ، وفقدت سلامة وجودها .
2 ـ من المسلّم به أنّ الاديان كلّها صادرة عن الله تعالى وكلّها تؤمن بتوحيد الله ، وتنزهه عن صفات البشر جميعا ، في حين نشاهد التوراة المتداولة بين أيدي اليهود الان تخرج بشكل سافر على عقيدة التوحيد ، وتشوّه هذا المبدأ الاساسي في رسالات الانبياء جميعا مدّعية أنّ عزير ابن الله ، كما تدّعي الاناجيل الموضوعة نفس الدعوة ، فتعتقد أنّ المسيح هو ابن الله ، وأن المسيح يحمل طبيعة إلـهيّة ، إلى جانب طبيعته البشرية ، وهو متّحد مع الله . فهو الالـه بصورة بشر .
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
4 من 9
وقد حملت التوراة والاناجيل تناقضات سافرة في الاقوال حول الله تعالى ، فهي تثبت ان الله إلـه واحد والله لا إلـه سواه()،وان الله لم يره أحد قط()،ولكنها في موارد أخرى تنسف هذا التوحيد وتأتي بأفكار واضحة الشرك تؤكد الدس والتحريف فتقول ان الالهة متعددة()، وان موسى وهارون ومن معهما من شيوخ بني اسرائيل قد رأوا الله في جبل سيناء ، ورآه قبل ذلك يعقوب وجها لوجه ، وصارعه ليلة كاملة ، وظهر لابراهيم عند بلوطات حمرا وفي أمكنة أخرى()،ورآه قبل جميع هؤلاء آدم في الجنّة وكانت له مع جميعهم شؤون .
وواضح كل الوضوح لدى الفهم الديني السليم أنّ هذا التفكير تفكير محرف ، واعتقاد وثني شاذ ، ومنحرف عن مبادئ الدين الذي جاء به موسى وعيسى (عليهما السلام) .
3 ـ انّ هذه الكتب الموجودة الان في أيدي اليهود والمسيحيين تتهم الانبياء بالزّنا ، وشرب الخمر ، والاحتيال ، والتزييف . . . فتضع الانبياء ـ وهم المقدّسون الّذين يمثلّون السّمو الاخلاقي ، والاستقامة السلوكية ـ تضعهم في صفوف المنحرفين والمجرمين ، وقد حفلت التوراة ، والاناجيل المحرّفة التي تدين محرّفيها ، ومزوّري دعوتها بالعديد من هذه الدعاوي الباطلة ، التي تتّهم الانبياء ، والمرسلين المطهّرين من الذّنوب والاثام بشتّى صنوف الرذيلة ، والمفارقات المحرّمة .
فقد ورد في التوراة ، في الاصحاح التاسع عشر من سفر التكوين ، قصّة لوط (عليه السلام) مع ابنتيه في الجبل ، انّ الكبيرة قالت لاختها:
(أبونا قد شاخ ، وليس في الارض رجل ، ليدخل علينا ، هلمي نسقي أبانا خمرا ، ونضطجع معه ، فنحيي من أبينا نسلا ، فسقتا أباهما خمرا في تلك اللّيلة ، واضطجعت معه الكبرى ، وفي اللّيلة الثانية سقتاه خمرا أيضاً ودخلت معه الصغيرة فحملتا منه ، وولدت البكر ابنا
(15)
وسمّته «موأب» وهو أب الموأبيين ، وولدت الصغيرة ابنا فسمّته «بن عمي» وهو أبو بني عمون)().
وفي الاصحاحين الحادي والثاني عشر من صوموئيل الثاني:
انّ داوود النبي زنى بامرأة أوريان المجاهد المؤمن معه ، وحينما أراد أن يتخلّص منه أرسله إلى الحرب ، وجعله في ا لمقدمة ، فقتل ثم استولى على زوجته().
وفي الاصحاح الثامن والثلاثين من التكوين:
انّ «يهوذا» بن يعقوب زنى بزوجة ابنه المسماة «ثامار» ، وانّها حبلت منه وولدت له ولدين «فارص» و «زارح» ، وقد ذكر انجيل متي في الاصحاح الاول نسب يسوع المسيح وسليمان وأباه داود من نسل فارص «هذا الذي ولد من زنا يهوذا بكنّته ثامار» .
وفي الاصحاح الاول من كتاب هوشع:
أنّ أول ما تكلم الرّب لهوشع ، قال الرّب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى ، وأولاد زنى ، لان الارض قد زنت تاركة الرّب ، فذهب وأخذ «جومر» بنت ويلام ، فحبلت ، وولدت له ابنين وبنتا ، وفي الاصحاح الثالث: أنّ الرّب قال له: (اذهب أيضا أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية ، كمحبّة الرّب لبني اسرائيل) .
وفي الاصحاح الثاني من انجيل يوحنّا: (انّ المسيح حضر مجلس عرس فنفذ خمرهم ، فعمل لهم ستة أجران من الخمر بطريق المعجزة)().
وفي الحادي عشر من انجيل لوقا: (انّ المسيح كان يشرب الخمر ، بل كان شريب خمر ـ أي كثير الشرب ـ)().
وواضح لدى كل إنسان مؤمن بالله ، أنّ مثل هذه الاقاويل ، انّما هي دس وافتراء على الانبياء ، وتشويه لشخصياتهم النّاصعة الطّاهرة .
ولو قرأنا الاناجيل والتوراة المحرّفة لوجدناها تعجّ بالخرافات والاكاذيب المدسوسة التي تكشف هدف الوضّاع ، ومقاصد المحرّفين الذين دسّوا على الانبياء والرّسل فاستهدفوا النّيل من عقيدة التوحيد والتعريض بشخصيات الانبياء .
4 ـ ومن الادلّة الواضحة على تزييف هذه الكتب ، هو سريان روح الفكر الوثني فيها ، كالشّرك ، وتجسيد الالـه ، والاعتقاد بأنّ المسيح هو الله بصورة إنسان . . .
فقد تأثّر وضّاع الاناجيل وكتّاب الفكر المسيحي بالفكر الوثني السّائد آنذاك ، فأدخل أولئك الوضّاع كثيرا من عقائد الرومان الوثنيين ، وأفكارهم; فشوّهوا وجه الانجيل النّاصع ، واستحدثوا صيغة مشوّهة جديدة للعقيدة المسيحية ، ممّا يؤكدّ بعد النّص ، وغربة روح الانجيل النقيّة .
(16)
فالصّيغ المتداولة بين الايدي الان هي صيغ الاناجيل التي كتبت بعد عشرات ومئات السنين من تاريخ رفع المسيح (عليه السلام) إلى بارئه .
فقد كتبها الرّهبان والقساوسة بالشكل الّذي تصوّروه ، وأرادوه . . متأثرين بالحضارة الرومانية الوثنية ، وبالفكر اليهودي المزيّف . . . الّذي لعب دورا بعيدا في تحريف الانجيل ، وتشويه المسيحية .
انّ المنقبين من مؤرخي الاديان ومتتبعي الاثار توصّلوا إلى أنّ عقيدة «التثليث» صورة منقولة عن عقائد الرّومان والبوذيين الوثنية ، وأنّ فكرة «الاقانيم» تعود إلى الفرس والهنود المشركين الاقدمين ، وأنّ الاب والابن ترجع إلى مصدر برهمي قديم .
وحتى عقيدة الصّلب وعقيدة الفداء ، فقد كانتا لاهالي (النيبال) في إلـههم (أندرا) ، ولقدماء المصريين المشركين في مخلصهم (أوزيريس) ، وحتى البنوّة الالـهية كانت للرّومانيين في (روملوس) حيث زعموا أنّ امُّه (رياسلفيا) المنذورة للعفّة ، ولدته من (مارس) إلـه الحرب . وللهنود المشركين القدماء الذين يؤمنون بـ (سافتري) الشمس الالـه الواحد وبابنه (آني) النار الذي تجسد في (فايو) الرّوح الحي في بطن (مايا) العذراء .
ونجد قصة الفداء في الهندوكية ، وتقديم كرشنا نفسه للموت من أجل تخليص الانسان من الخطيئة الاصلية ، وكذلك موضوع العمادة عند الامم الوثنية السابقة للمسيحية . .
ومن يتتبّع تاريخ الاديان يجد ظلالا كثيرة من الوثنية الرّومانية ومن البرهمية والصينية ، ومن الديانات القديمة الاخرى قد ارتسمت بوضوح على اليهودية والمسيحية القائمتين().
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقائق ، قبل أن تثبت في عصرنا الحاضر بمئات السنين ، حيث ورد في معرض احتجاجه على الّذين زعموا ان الله هو المسيح بن مريم ، وعلى الذين قالوا انّ الله ثالث ثلاثة بقوله تعالى:(قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ،وَلاَ تَتَّبِعُوا أهْوَآءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سواء السَّبِيلِ)().(المائدة/77 )
والعجيب أنّ بولس الّذي وضع بتعاليمه ورسائله الاربع عشرة أساس العيسوية ، كما هي الان ، كان  من أشد أعداء المسيحية منذ ظهورها حتى ما بعد المسيح ، ولذا قد يصحّ القول بأن ديانة المسيح قد اقصيت تماما عن حياة النصارى منذ ذلك اليوم الذي اعتبرت فيه رسائل بولس أساس المسيحية .
ومُنذُئذ عزلت الاناجيل والاسفار القديمة عن حياة الناس العملية لتكون مرجعا تاريخيا لا سلطان له على أي توجيه ، وقد اعترف الكثيرون من أحرار الفكر في العالم الغربي (انّ الدين الّذي اخترعه بولس ، وسمّاه المسيحية ، لم تكن له علاقة بتعاليم المؤسس)().
(17)
ويتحدث نيتشه عن البون الشاسع بين تعاليم المسيح وديانة بولس فيقول: (لقد كانت دعوة المسيح في جوهرها دعوة الى النظام والقوة ، أمّا بولس فقد حوّلها إلى دين صار ملاذا للخائفين والمذعورين) . ولذلك أطلق نيتشه على بولس اسم «باسكال اليهودي» لانّه بنظره ميّال إلى الخرافات والمكر().ويعبّر ـ كولن ولسون ـ عن هذا بقوله: (انّ قول المسيح: كن سيّد نفسك ، قد تلاشى وحلّ محلّه مسيح آخر من اختراع بولس)().
وقد ورد في رسالة بولس إلى روميه: (لتخضع كل نفس للسلاطين . . لانّه ليس سلطان إلاّ من الله . . ومن يقاوم السلاطين يقاوم ترتيب الله . .) .
و(انّ المسيحية لم ترتكز على تعاليم المسيح ، وانّما ارتكزت على عقيدة ميتافيزيكية اخترعها بولس)() ، ولهذا يأسف الكثير من احرار الفكر ، لانّ حركة الاصلاح البروتستانتية لم تكن لصالح فكرة المسيح ، بل لصالح مسيحية بولس() . وقد أكدّ ذلك (ويلز) في (ملخّص التاريخ) بقوله: انّ المسيح لم يبشّر بالمسيحية المعروفة اليوم ، وانما أحدثها بولس المتعلّم بالاسكندرية ، ومنها أخذ تعاليمه الوثنية ، التي استحالت فيها آلهة قدماء المصريين ايزيس وهورس وسيزاييس إلى الاب والابن وروح القدس . .) .
5 ـ وقد استمرت الكنيسة المسيحية على مواصلة التزييف والتشويه ، ومسخ روح المسيحية الحقّة . . وطمس معالم رسالة المسيح (عليه السلام) إلى درجة صوّرت معها للمسيحين أن بامكانها أن تغفر ذنوبهم ، وأن تدخلهم الجنّة مهما خالفوا ، ومهما فعلوا من جرائم وشرور ، بشراء براءات من الكنيسة يتعهّد فيها البابا بالمغفرة ، ومحو الذنوب لقاء مبلغ معيّن من المال .
والذي يدرس نظام الحياة في الكنيسة ، ويتابع سيرة البابوات وسلوك القساوسة والرهبان ، يكتشف الدواعي الاساسية الكامنة وراء هذا التزييف والتلاعب بالقيم والمبادئ المسيحية التي دعا لها المسيح (عليه السلام) .
فقد فعلت الكنيسة كل ذلك من أجل أن تجمع المال وتكدّس الثروة ، وتمارس صنوف اللّذة والاستمتاع المحرّم باسم الدين ، وتحت ستار التطهير من الذنوب; فأصدرت صكوكا وتعهّدات للمذنبين تنصّ فيها على: ربّنا يسوع يرحمك يا فلان ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة . . . وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات ، والاحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها ، وأيضا من جميع الافراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها ـ مهما كانت عظيمة وفظيعة ومن كلّ علّة ـ وان كانت محفوظة لابينا الاقدس البابا والكرسي الرسولي . وأمحو جميع أقذار الذنب ، وكل علامات الملامة ، التي ربّما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة ، وأرفع القصـاصـات التي كـنت تلتزم بمكابدتها في
(18)
الطهر ، وأدرك حديثا إلى الشركة في اسرار الكنيسة ، واقرنك في شركة القديسين ، ادرك ثانية إلى الطهارة ، والبر اللذين كانا لك عند معموديتك حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح وان لم تمت سنين مستطيلة .فهذه النعمة تبقى غير متغيّرة ، حتى تأتيك ساعتك الاخيرة باسم الاب والابن والروح القدس)().
وانّ من يتفحّص هذا الصك يجد أنّ الكنيسة أباحت لاتباعها كل فعل ، ومقارفة محرمة مهما تكن عظيمة . . فبامكانهم ـ مع هذا التعهد ـ أن يتركوا عبادة الله ويأكلوا أموال الناس ، ويظلموا أخوانهم في الانسانية ، ويقترفوا شتّى المخالفات والاثام والذنوب; من كذب وزنى وغش وعدوان ، ثم يشتروا الصكوك البابوية التي تتعهّد بمحو الذنوب ، وادخال المسيحي المثقل بالذنوب والمعاصي إلى الجنّة .
وهكذا يضع البابا نفسه في موضع الالـه الذي يغفر ويعفو ، ويدخل الجنّة ، وهو يدري أن لا حقّ له بذلك بل هو بشر كغيره من الناس ، لا يملك لنفسه نفعا ولاضرّا . . ولكنه يريد أن يجمع المال والثروة لاشباع شهواته ، وملذاته ، ويسير جهازه الضخم المرتبط بسلطته .
وقد حمل القرآن الكريم على هذا السلوك الجشع الذي سلكه الرهبان والاحبار الذين حوّلوا المسؤولية الدينية ، إلى اقطاعية ماليّة جشعة ، تستغفل الذهنيات الساذجة ، وتمتص الدّماء ، وتستهلك جهود الانسان . . . حمل عليهم ليكشف طبيعة التكوين المزيّف لهذه الزعامة الدينية ، ويفضح الاهداف النفعيّة المتناقضة مع أهداف الدين ، ودعوته الاصلاحية الشاملة فقال:(يَآ أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ اْلاَحبَار وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سِبِيِل الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيِل الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أليم) .(التوبة/34)

4 ـ  مُحمد بشارة الانبياء
قدمنا في بحوث سابقة من هذا الكتاب أن رسالة الانبياء الكبرى ودعوتهم الجامعة هي «الدين»; فهم جميعاً بعثوا ليبشروا به ديناً واحداً هو دين الاسلام . . . دين الخضوع والاستسلام لامر الله ، دين الهداية والانقاذ للبشرية مع تفاوت في درجات التبليغ ، واختلاف في منهج التعبد والبناء الاجتماعي . . . ومع هذا التفاوت في الرسالات ، والدعوات الالـهية فان معالمها الرئيسية جميعاً تتركز في الرسالة الشاملة لهذ الدين ، رسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .فهي جميعاً قبس من أنوار هذا الدين ، وتشكيله عقائدية ، وتشريعية من مادة هذا المنهاج الكبير . . . وهي جميعاً تسلك كخطوات تمهيدية ، ومبادئ تحضيرية لاعداد البشرية من أجل حمل رسالة هذا الدين والايمان بدعوته .. . . لذا كان طبيعياً أن يوجه الانبياء ـ أصحاب الرسالات الكبرى ـ كموسى وعيسى (عليهما السلام)أتباعهم إلى انتظار
(19)
هذا الدين العظيم; لاعتناق دعوته ، والتصديق برسالته ، والايمان بنبيه «محمد» (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أشارت الكتب الالـهية المقدسة ـ التوراة والانجيل ـ إلى مجيء هذا النبي العظيم ، موجهة أتباعها إلى انتظار الدين ،والانضواء تحت دعوته ، والتصديق برسالته .ولقد كان اليهود ينتظرون بعثة نبي يبعثه الله منقذاً وهادياً للبشرية ويعرفونه في كتبهم وتباشير مستقبلهم .
ولقد كانوا يصرحون بذلك وينتظرون بعثته لينتصروا به على العرب من الاوس والخزرج .
ولقد سجل القرآن هذه الحقيقة وذكر اليهود بها فخاطبهم بقوله:
(وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكَافِرينَ) .(البقرة/89)
ولقد حدثت أحداث ووقائع تاريخية مشهورة في التاريخ اليهودي من قبل مجيء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دلت على ذات المعنى الذي أشارت اليه الاية الكريمة من بعد البعثة .
( . . . وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَّمَا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . . .) .
فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الاية قوله:ـ (كانت اليهود يستفتحون أي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني اسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه; فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، يا معشر اليهود اتقوا الله واسلموا; فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد; ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث ، فقال سلام بن مِشكم أخو بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو الذي كنا نذكر لكم; فانزل الله تعالى هذه الاية .
وروى العياشي باسناده رفعه إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام); فقال: كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مابين عَير وأُحُد; فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يقال له حداد; فقالوا حداد واحد سواء فتفرقوا عنده; فنزل بعضهم بتيماء ، وبعضهم بفدك ، وبعضهم بخيبر; فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض اخوانهم فمّر بهم اعرابي من قيس فتكاروا منه ، وقال لهم أمرُّ بكم ما بين عَير وأحد فقالوا له اذا مررت بهما فآذِنا بهما; فلما توسط بهم أرض المدينة ، قال ذلك عَير ، وهذا أحد; فنزلوا عن ظهر إبله ، وقالوا له قد أصبنا بغيتنا; فلا حاجة بنا إلى ابلك ، فاذهب حيث شئت ، وكتبوا إلى اخوانهم الذين بفدك وخيبر: انا قد أصبنا الموضع ، فهلموا إلينا; فكتبوا اليهم: انا قد استقرت بنا الدار ، واتخذنا  بها الاموال ، وما أقربنا منكم; فاذا كان ذلك فما أسرعنا اليكم ، واتخذوا بأرض المدينة أموالا ، فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك ، تبّعاً ، فغزاهم ، فتحصنوا منه ، فحاصرهم ثم أمنهم فنزلوا عليه ، فقال لهم اني قد استطبت بلادكم ، ولا أراني الا مقيماً فيكم; فقالوا له: ليس ذلك لك ، انها مهاجر نبي ، وليس ذلك لاحد حتى يكون ذلك . فقال لهم: فاني مخلف فيكم من أسرتي من اذا كان ذلك ساعده ونصره ، فخلف حيين تراهم الاوس والخزرج; فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا ، فلما بعث الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)آمنت به
(20)
الانصار ، وكفرت به اليهود . وهو قوله تعالى:
(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتحون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا . . . إلى آخر الاية)().

ـ بشارة الانجيل بمجيء رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)
على الرغّم من التحريف الذي تحمله الاناجيل المتداولة ، فانّ ما وصل منها بأيدينا لازال يحمل البشارة برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومع ذلك فانّ المترجمين للاناجيل حاولوا أن يحرّفوا ذلك أيضا كما سيتّضح فيما يلي:ـ
جاء في انجيل يوحنا:
(ان كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي ، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم «بار قليط» ـ معزيا ـ آخر يمكث معكم إلى الابد . . .)().
(وأمّا المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي ، فهو يعلّمكم كل شيء ، ويذكّركم بكل ما قلته لكم)().
(لا أتكلم معكم كثيراً لان رئيس هذا العالم يأتي ، وليس له فيّ شيء)().
(ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا اليكم() من الاب روح الحق الذي من عند الاب ينبثق فهو يشهد لي  . . .)() .
(لكني أقول لكم الحق ، انّه خير لكم أن أنطلق ، لانّه ان لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ،  ولكن ان ذهبت أرسله لكم() ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة ، أما على خطية فلانهم لا يؤمنون بي ، وأما على برّ فلاني ذاهب إلى ربي ولا ترونني أيضا ، وأما على دينونة فلانّ رئيس هذا العالم قد دين .
انّ لي أُموراً كثيراً أيضا لاقول لكم ، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الان ، وأما متى جاء ذلك روح الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق; لانّه لا يتكلّم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمور آتية ، ذلك يمجدني لانّه يأخذ مما لي ويخبركم . . .)().
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
5 من 9
وبالتأمل في هذه النصوص نجد أنها تشير إلى:

(21)
1 ـ أن المسيح (عليه السلام) يوصي ويبشّر بمجيء معزٍّ بعده .
2 ـ وأن مجيئه مشروط بذهابه .
3 ـ وأنّه مرسل من قبل الله تعالى .
4 ـ وأنّه يعلّم كل شيء .
5 ـ وأنّه يذكّر بما قاله المسيح (عليه السلام) .
6 ـ وأنّه يشهد للمسيح (عليه السلام) .
7 ـ وان العالم سيتبع دينه .
8 ـ وأنّه لا يتكلّم من نفسه  بل يتكلّم بما يسمع .
9 ـ وأنّه يخبر بامور آتية .
10 ـ وأنّه يمجد المسيح (عليه السلام)  .
11 ـ وأنه يبقى معهم إلى الابد .
واذا راجعت صفات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنجد أنّ هذه تنطبق عليه تماما ، فانّه يحمل القرآن الذي هو (تبيان لكل شيء) ، ويخبر عن أمور آتية وقعت بعد نزوله ، وانه يشهد للمسيح (عليه السلام)بالنّبوة ، والرسالة ، ويمجّد المسيح (عليه السلام) وهو لا يتحدث من نفسه بل بما يوحى إليه:
(وَمَايَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى) .(النجم/3ـ4)
وقد انتشر دينه في العالم ، وقرآنه حي خالد إلى الابد . ويزداد يقيننا أكثر اذا علمنا أنّ كلمة المعزي هي ترجمة محرفة لكلمة (بيريكليتوس) اليونانية التي كتب بها انجيل يوحنا منذ البداية ، وهي تعني في ترجمتها الدقيقة (أحمد) ، وقد حرّفت الكلمة في الاناجيل عند ترجمتها إلى (باريكليتوس) والتي تعني المعزي .
وذلك ينطبق حرفيا مع ما أثبته القرآن من كلام المسيح (عليه السلام) إلى بني اسرائيل:
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ . . .)(الصف/6)
من يراجع التاريخ يجد أن تبشير المسيح (عليه السلام) بنبي يأتي بعده كان من الامور المسلّمة لدى النصارى من زمن المسيح (عليه السلام) ، وقبل ظهور الاسلام ، وقد نقل المؤرخون مثل «وليم مور»() ، بأنّه وجد من أتقياء المسيحيين بعد المسيح(عليه السلام) ، من ادعى كونه هو «البارقليط» الموعود ، وان ناسا كثيرين قد اتّبعوه مصدقين . . وذلك يؤكد بأن النصارى ظلّوا قرونا قبل البعثة النبوية ينتظرون هذا المرسل . وقد دفع هذا الاعتقادبالبعض إلى إستغلاله والادعاء بانه هو النبي الموعود منهم (منتسي) الذي كان رجلا روحانيا وادعى في عام (187) بانه هو الرسول الذي أخبر عنه المسيح وقد تبعه جماعة من الناس . وهذا
(22)
بدوره يؤكدّ أنّ مسيحي القرون الاولى كانوا يفهمون البار قليط انسانا رسولا سويا لا ملاكا ولا روحا إلـهيا ، حيث حاول بعض القسسة تفسير البار قليط بأنّه روح القدس ، وانّه حلّ بعد المسيح على تلاميذه فأنطقهم بكلّ اللغات! . . .
كما انّنا لم نجد فى التاريخ ورود معارضة من قبل نصارى صدر الاسلام عند نزول القرآن وإخباره بأن التوراة والانجيل قد بشرتا برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن نقلت وقائع تأريخية عن نقاش اليهود والنصارى فيما اذا كان الرسول الموعود هو هذا أم غيره ، ممّا يؤكّد أنّ البشارة الواردة هي بشارة برسول إنسان يرسل من قبل الله تعالى . . . وقد دخل الاسلام كثير من اليهود والنصارى بسبب تلك البشارة المثبتة في كتبهم .
وقد أشار القرآن إلى هذه الحقائق مثبّتا اياها ، ومحتجا بها على اليهود والنصارى بقوله:
(الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمَّيَّ الَّذِي يَجِدونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالانِجيلِ يَأْمُرُهُم بِاْلمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . . .) .(الاعراف/157)
(وَإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَريَمَ يَابَنِي إسَرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرَا بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .(الصف/6)
ولقد تجلت هذه الحقائق لدى كل منصف وباحث عن الحق . . . يريد الاستجابة لدعوة الهدى . . . كالنجاشي ملك الحبشة المسيحي الذي استجاب لكلمة الحق حينما وجه إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا يدعوه فيه للايمان ويحثه على الدخول في الاسلام ، فاسلم ، وسجل كلمته الخالدة التي احتضنها قلب التاريخ فحفظها شهادة انصاف . . . وكلمة منصف لا يتأثر بموروثات البيئة ، ولا يخضع لضغط الكبرياء والعصبية . . .
قال كلمته الخالدة:
(أشهد الله أنه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب . . .)() .
وهكذا يتضح لكل منصف وباحث عن الحق أن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بشارة الانبياء ومنتظر الرسل المرجو لاصلاح البشرية وانقاذها . . يبشر به الانبياء ويدعون الله لبعثته .
فهذا أبو الانبياء ابراهيم (عليه السلام) بشر قبل موسى وعيسى بالبعثة ودعا ربه أن يبعث في هذه الامة نبياً منها ، هادياً ومنقذاً فكانت هذه الدعوة اشارة إلى مجيء نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم); كان القرآن قد كشف عنها ، في آيتين متناسقتين في الصيغة والمعنى; فقال تعالى حاكيا عن لسان ابراهيم دعاءه:
(رَبَّنَا وَابْعثْ فِيهم رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيْعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِيّهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .(البقرة/129)

(23)
فكان هذا الدعاء المستجاب بشارة ، واشارة إلى بعثة نبي الرحمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)هادياً ومرشداً من ذرية ابراهيم (عليه السلام) .
هذا الدعاء الذي وجد جوابه في قوله تعالى:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُّميين رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِيّهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُّبِين) .(الجمعة/2)
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(انا دعوة أبي ابراهيم وبشارة عيسى(عليهما السلام))()


5 ـ  دور الانبياء في تاريخ الصراع
(وَكَذَلِك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الُمجْرِمِينَ...). (الفرقان/31)
إن من يتابع مسيرة البشرية ويرصد عملية الصراع في تاريخها الطويل المرير يشاهد اتجاهين متعاكسين ، وقوتين متعارضتين:
أولهما قوى الشر والبغي والضلال والانحراف والكفر والطغيان . . . متمثلة في نفر من الطغاة والمستبدين; أمثال فرعون والنمرود وأبي جهل ، وطبقات المتنفذين والظالمين ، في كل عصر وأمة . .
كما يشاهد في الجانب الاخر قوة الايمان والخير والحق والسلام ، والدعوة إلى العدل والرحمة والمساواة; متمثلة في الانبياء ، كابراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعهم ممن حمل رسالة التوحيد ، وبشر بدعوة الايمان .
فتلك الفئة المؤمنة تظهر دائماً على مسرح التاريخ لتشن حرباً مقدسة ضد قوي الضلال، والانحراف ، وتلتحم معها على طول خط الصراع . . . فما من نبي إلاّ وقاسى هو وأتباعه الظلم ، والاضطهاد والتعذيب والمطاردة; بسبب دعوة الخير والاصلاح ، وتحدي الظلم والكفر والطغيان.  . . . وما من دعاة إلى الحق والخير والايمان إلاّ وقاسوا مثل ما قاسى الانبياء(عليهم السلام)فتحملوا السجن والارهاب والتشريد والابادة والتعذيب على أيدي الطغاة والجلادين من أعداء الله ، والانسان . . . وقد صور القرآن الكريم ملحمة الصراع والكفاح بين الانبياء والرسل من جهة ، وبين أعداء الله والحق من جهة أخرى فتحدث قائلا:
(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهنوُ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيل الله ، وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَالله يُحِبُ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ، وَثَبِّتْ أقْدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى الْقَوْم الْكاَفِرِينَ) (آل عمران/146ـ147)
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الُمجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) .(الفرقان/31)

(24)
ولقد كان لنبينا العظيم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وللصفوة المجاهدة معه دور بارز في الصراع من أجل الحق ، وصنع تاريخ الخير والسلام على ظهر هذه الارض . . . لذلك فقد كان القرآن الكريم دؤوبا على تثبيت نبيه العظيم ، والطليعة الرائدة في مواقع الجهاد ، والدفاع عن الحق والعدل ، واثراء مسيرة الايمان بروح التضحية والفداء; التزاماً بخط الانبياء ، وتطابقاً مع سنن الله ، وجرياً مع منطق الصراع والتغيير والاختبار الالـهي; فخاطبه قائلا:
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُلوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ، كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُون لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ سَاعَةً مِّن نَّهَار ، بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاّ الْقَوْمُ الفَاسِقُونَ) .(الاحقاف/35)
فبهذا الصراع التاريخي الطويل أشاد الانبياء وأتباعهم خط الكفاح والمقاومة ضد الكفر والظلم والفساد;فايقظوا في البشرية روح البطولة والقوة،وقادوها في طريق الرفض والمعارضة للطغاة والظالمين;الذين ييدون أن يستعبدوا الانسان،ويكونوا آلهةتعبد في الارض من دون الله.
فكان الله تعالى يأخذهم بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر ، ويمنح نصره وهدايته الفئة المؤمنة المجاهدة على امتداد خط الصراع واتساع ساحة المقاومة:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْديَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ الله لَمَعَ الُْمحْسنِينَ) .(العنكبوت/69)
( . . . فاَنتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤمِنيِن)(الروم/47)

6 ـ  لماذا اخترنا الاسلام؟
أقوال بعض من اهتدى إلى الاسلام
(انّ الاسلام هو أوضح الاديان في اثبات وجود الله تعالى من واقع الحياة ، وهذا يمثل الحقيقة ، لان الله هو الحق ، وهذه الحقيقة التي هي ضالّة الانسانية كلّها ، تحت يد المسلمين ، فلو أمكن اجلاؤها لدخل الناس جميعا في دين الله أفواجا)() .
الحاج الدكتور عبد الكريم ساتيو الياباني
استاذ اقتصاد في احدى الجامعات اليابانية
(انني تتبعت كل الايات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية والتي درستها من صغري واعلمها جيداً ، فوجدت هذه الايات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة ، فأسلمت لانّي تيقنت أنّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بالحق الصريح من قبل أكثر من ألف سنة ، من قبل أن يكون معلم أو مدرس من البشر ، ولو كان كل صاحب فن من الفنون أو علم من العلوم قارن كل الايات القرآنية المرتبطة بما تعلم جيداً كما قارنت أنا لاَسلم بلا شك ، ان كان عاقلا خاليا من الاغراض)().
الدكتور جرينيه الفرنسي
كان يعمل في مجلس النوّاب الفرنسي
(25)
(25)
(انّ دين الله واحد ، وان الاسلام أتى مصدقا لما سبقه من ديانات السماء ، ومصححا لما نالها من تحريف بفعل الكهنة ، وان القرآن الكريم في العصر الحاضر هو الكتاب السماوي الوحيد
الذي لم ينله . . . ولن يناله تحريف أو تبديل ، وقد وعد الله بحفظه مصداقاً لقوله تعالى في القرآن:(انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون)).()
الفونس ايتين دينيه (1861ـ1929) فنان فرنسي أسلم وبدّل اسمه إلى (ناصر الدين)
(لا أستطيع اليوم أن أقول أي النواحي استهوتني أكثر من غيرها ، فانّ الاسلام على ما يبدو لي بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضاً ، ويشدّ بعضها بعضاً ، فليس هناك شيء لا حاجة اليه ، وليس هناك نقص في شيء . فنتج من ذلك كلّه ائتلاف متزن مرصوص ، ولعل هذا الشعور من ان جميع ما في الاسلام من تعاليم وفرائض قد وضعت موضعها هو الذي كان له أقوى الاثر في نفسي)().
الكاتب والصحفي النمساوي الكبير ليوبولد فايس (محمد أسد)
(من مفاخر الاسلام أنّه مبني على العقل ولا يطالب معتنقيه أبداً بتجميد طاقاتهم الفكريّة مخالفا بذلك عقائد أخرى تلزم تابعيها بالاعتقاد الاعمى لمذاهب وآراء معيّنة دون تفكير فيها)().
«البروفيسور هارون مصطفى ليون الاوربي»
السكرتير العام للجمعية الدولية لعلم اصول اللغات والعلوم والفنون الجميلة ورئيس تحرير مجلة (فيلومات) العلمية الصادرة في لندن .
(وجدت في الاسلام المنطق والعقل ، ووجدت المسلمين يؤمنون بالله ورسوله الذي هو بشر مثلهم اختاره الله لينقل رسالة الايمان إلى الناس ، ويتلو عليهم كتابه الذي هو دستور الحياة ، ينظّم شؤونهم بحيث يعيشون في تعاون وسعادة وبساطة ، وبلا مظاهر كاذبة)().
«مارشيلا مايكل انجلو» سيدة ايطالية
(الاسلام هو الدين القادر على التصدّي لموجات الالحاد والتفكيك التي تعاني منها المجتمعات الصناعية الحالية ، وان الاسلام سيجذب الكثيرين من خريجي الجامعات وخاصة هؤلاء الذين أعيتهم وأثقلتهم المناقشات العقائدية)().
(26)
«اللورد دو كلاس هاملتون»
مليونير انجليزي أسلم وبدّل اسمه إلى (عادل هاملتون)
(ليست هناك نعمة من نعم الدنيا يستمتع بها الانسان أعظم من أن يشرح الله صدره للاسلام فيهتدي بنوره حتى يبصر حقائق الدنيا والاخرة فيميّز الحق من الباطل ، وطريق السعادة من طريق الشّقاء ، واني لاسجد لله شكراً على هذه النعمة الجليلة التي حباني بها والتي ملات نفسي بالسعادة الحقيقية وأتاحت لي أن أستظل بهذه الدوحة الكبرى الوارفة الظلال المتعددة الثمار ، وهي دوحة الاسرة الاسلامية والاخوّة في الاسلام)().
«مرمادوك بكثول» (1875ـ1936)
أديب ومفكر انجليزي مشهور ، اسلم وتسمّى باسم محمد ، وتعتبر ترجمته لمعاني القرآن الكريم من اهم جهوده العلمية على الاطلاق .
(ان خلاص العالم من ازمته يكمن في اتباع المنهج الاسلامي ، فالاسلام يملك مفتاح الاصلاح لانه يمتاز بقاعدتين; هما التسامي وروح الجماعة)().
(ان القرآن يعلمنا أن نرى في كل حادث وفي كل شيء آية من آيات الله ورمزاً لوجود أعلى يُسيّرنا ، ويُسيّر الطبيعة والمجتمع ، وهدف الدين الرئيسي هو التناسق والوحدة الصادرة عن الله والعائدة اليه ، ومما يجعل الانسان إنساناً هو اتجاهه إلى تحقيق ارادة الله .
ان الغرب الان بحاجة إلى الاسلام اكثر من أي وقت مضى ،ليعطي للحياة معنى ، وللتاريخ مغزى ، وحتى يغير اسلوب الغرب في الفصل بين العلم والحكمة أو فصل التفكير عن الوسائل ، وفصل التفكير عن النتائج ، ان الاسلام لا يضع حاجزاً بين العلم والايمان ، بل على العكس من ذلك يربط بينهما باعتبارهما وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة .
ان الاسلام يدعو الانسان إلى أن يفتش ويبحث عن نهايته العظمى ومآله ، كما يمكن للاسلام أن يعيد احياء الامل في مجتمعاتنا الغربية المتأثرة بالفردية بطريقة من النمو تقود العالم باجمعه إلى الانتحار)().
«البروفيسور روجيه غارودي»
أديب ومفكر وفيلسوف فرنسي بارز ، شغل منصب رئيس المجلس الوطني الفرنسي من 1956-1958 اسلم جارودي في 11/رمضان/1402 هـ . وبدّل اسمه إلى (رجاء) واحدث اسلامه ضجّة كبيرة في الغرب .
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
6 من 9
شمولية الإسلام

الشمول في اللغة:


تعنى الاحتواء والتضمين،وشمله بمعنى احتواه وعمه وتضمنه.

وشمولية الإسلام تعنى احتواء وتضمن رسالة الإسلام لكل ما يمكن أن يحتاجه الإنسان ، شرط إن يحسن فهم مضمون ومقاصد مفردات الرسالة




وفى الشرع :


الإيمان بقول الله تعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ،وبقوله تعالى:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

- أى أن القرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء ، حيث يقدم القواعد الكلية والخطوط الرئيسية والمرجعيات والمعايير والكلية للعيش فى الحياة الدنيا كما يتدخل فى بعض التفاصيل ليقررها مباشرة لسبب ما فى علم الله.


- هذا التبيان لكل الأزمنة والأماكن على المعمورة الأرضية .


- الإسلام دين رحمة للعالمين جميعا المسلمين وغير المسلمين آمنوا به أو لم يؤمنوا فستصيبهم رحمته من تواصلهم مع المسلمين المؤمنين به .


- ورحمة الرسالة واسعة بما فيها من حقائق كلية للكون وللحياة وفلسفة الحياة وقواعد العيش الآمن على الأرض وحقائق المخلوقات وفلسفة وكيفية تسخيرها للإنسان والانتفاع بها ، وإجابات لأسئلة كثيرة يعجز العقل الإنساني عن الوصول إليها .




- وقواعد ونظم وسياسات (الأحكام والتشريعات / الأوامر والنواهي) لحماية وتحسين وتجويد حياة البشر وحمايتهم من الوقوع في الزلل والانحراف والخطأ ، وأيضا رحمة تقرير القواعد الكلية لحل المشاكل ومواجهة التحديات .

- ورحمة للعالمين بإقرار قواعد وأسس التعايش السلمي الآمن بينهم باختلاف عقائدهم وانتماءاتهم .




[تحرير] الشمولية في القرآن، والسنة :
- ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (النحل 89 ) .

- ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) ( البقرة 85) .

- في القضاء: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (البقرة 187) .

- في العبادات: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (البقرة 183) .

- في الاقتصاد: ( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة 275) .

- في التجارة : ( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة 187) .

- الرسول في رده على قبيلة بني شيبان عندما كان يعرض نفسه على القبائل في الجزيرة العربية طالبًا إسلامهم ومنعتهم،ووافقوا على توفير الحماية شرط أن تكون بين الصريان أي من الخليج إلى البحر الأحمر(حماية جزئية مشروطة)، فرفض الرسول الكريم عرضهم مقررا حقيقة كبرى من حقائق الإسلام « إنه لا يقوم بهذا الدين إلا من أحاطه من جميع جوانبه» (سيرة ابن هشام 2/ 163) .




[تحرير] المفاهيم الستة الأساسية في المفهوم المعاصر لشمولية الإسلام :
-الاعتقاد الجازم بشمول الدين لكافة مناحي الحياة واحتياجات الخلق

-الإلمام بالمقاصد العامة للشريعة

-الاجتهاد المستمر ضرورة لاستمرار إقامة الدين في واقع حياة الناس

-شمولية الدين تعنى شمولية الزمان والمكان

-رعاية الإسلام شملت المسلمين وغير المسلمين من غير إكراه

-المرجعية الدينية لكافة شئون الحياة.




[تحرير] حقيقة وماهية شمولية الإسلام :
الشمولية في الإسلام كما أراده الله تبارك وتعالى في القرآن

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" )

وكما دعا إليه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم« إنه لا يقوم بهذا الدين إلا من أحاطه من جميع جوانبه» وكما فهمه الصحابة وتابعوهم بإحسان في خير قرون هذه الأمة ، والله لو سألني أحدكم عن شراك نعله لوجدته في كتاب الله

وكما نرجو ونعمل لإحيائه وتطبيقه من جديد فتتوحد عليه مفاهيم الأمة فالإسلام:

- دولة ووطن، أو حكومة وأمة.

- وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى.

- وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة.

- وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة.

- وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء.

- كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء




[تحرير] شمولية الإسلام في الفكر الإسلامي المعاصر  :
- رسالة تجمع بين الدنيا والآخرة، بين الروحانية والمادية، بين المثالية والواقعية .


- رسالة تشمل شؤون الفرد وشؤون الأسرة وشؤون المجتمع وشؤون الأمة وشؤون الدولة وشؤون العلاقات الدولية.


- منهج حياة ينظم حياة الإنسان من أدق تفاصيلها وامتداد إلى الشأن العام وبناء الدولة وتنظيم علاقاتها الدولية ببقية دول العالم.(بداية من نظافته الشخصية وأدب المائدة،وكيف يأكل ويتزوج ويعاشر زوجته امتدادا إلى بناء الدولة على أسس العدل والإحسان والأمانة والأخلاق والقيم والتشريعات، وتنظيم العلاقات الدولية ) .


- يشمل كل أطوار حياة الإنسان، حيث يقرر للإنسان التشريعات التي تحفظ له حقوقه الإنسانية بداية من خلقه جنينا في بطن أمه حيث تقر للحمل المستكن حقوقه ثم مولده وحقوق وطريق رضاعته إلى تربيته وتنشئته إلى أن يشب وينشأ ويصبح قادرا على العمل ورعاية نفسه.


- الإسلام دين الأنبياء جميعا، كل الأنبياء كانوا مسلمين (مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ولا نَصْرَانِيّاً ولَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً) كل الأنبياء أعلنوا أنهم مسلمون فهو شمل الزمن كله الماضي والحاضر والمستقبل.




- الإسلام دين لكل الأمم لأنه رحمة الله للعالمين (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، (إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ) وليس رسالة للعرب لوحدهم أو لأهل الشرق وحدهم بل هو للعالمين كافة




- دين استوعب شؤون الدنيا والآخرة حيث قدم المناهج والقواعد العامة التى يستقيم عليها امر الحياة فى مجالاتها المختلفة وزاد فى بعض النواحى فقدم التفصيلات والاحكام والتشريعات . وفى أمر الآخرة أجاب وفسر لنا الكثير ومن الغيبيات التى كانت مجهولة للانسان،قدم لنا تصورا كاملا عن حياة الانسان فى الآخرة بداية من كيفية خروج الروح الى القبر الى يوم القيامة بمشاهده وتفصيلاته انتهاء الى الحياة الابدية والمستقر النهائى فى الجنة او النار.




[تحرير] العلاقة بين شمولية الإسلام و عالمية الإسلام :
الإسلام يتضمن الشمول المكاني والشمول الزماني والشمول الموضوعي :


- الشمول الزماني:إنه الزمن،الإسلام دين الماضي والحاضر والمستقبل.


- الشمول المكاني:تعنى أن الإسلام دين عالمي ليس مختصا بالشرق فقط ولا ببلاد العرب فقط بل هو دعوة عالميه مرسلة للناس كافة .


- الشمول الموضوعي : تعنى أنه يستوعب شؤون الحياة كلها الخاصة والعامة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ….الخ .


وهو منهج حياة يتعايش مع غيره من المعتقدات المختلفة وقيم معها العلاقات وفيه من التشريعات والأحكام التي تقيم وتنظم علاقات متنوعة وعادلة .




[تحرير] العلاقة بين شمول الشريعة وشمول الإسلام؟
- الإسلام والشريعة شيء واحد، هناك أحيانا نقصد بكلمة الشريعة مقابل العقيدة، نقول الإسلام عقيدة وشريعة، يقصدون الشريعة التشريعات العملية ولكن أحيانا حينما نقول الشريعة نقصد بها رسالة الإسلام ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) . فحينما يقولون:الشريعة يقصدون بها الإسلام كله،ولذلك يقول علماء الأصول أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين لا يخل فعل من أفعال المكلفين ولا واقع من الوقائع إلا ولله تعالى فيها حكم من الأحكام الخمسة،إما فرض واجب،إما مستحب أما حرام، إما مكروه،إما مباح أي عمل من الأعمال لا يخرج عن هذه الخمس .





- والشريعة حاكمة عدل وهذا معنى شمول الإسلام بمعنى أن كل شيء لابد أن تتدخل فيه الشريعة ويتم في إطار الشريعة فيكون في إطار المقررات الخمسة للشريعة ( فرض واجب/ مستحب/حرام / مكروه / مباح ) .




[تحرير] إشكاليات معاصرة في العقل المسلم العام :
من أهم الإشكاليات العصرية في فهم الإسلام والتي جاءت بسبب :

1- التغييب المتعمد أحيانا للفهم الاسلامى الصحيح .

2- وأيضا بفعل ظهور الكثير من الأفكار والمفاهيم الإنسانية المتعددة وفتح ساحات العقول الإنسانية لها فئ حين تعمد فيه تغييب الفهم الاسلامى الصحيح فتوارث المسلمين أجيال جيلا بعد جيل الكثير من المفاهيم المبتورة أو المخلوطة عن الإسلام .




3- وقف باب الاجتهاد الاسلامى مع النصف الثاني من الدولة العباسية والذي اعتبر خطأ استراتيجيا فادحا حيث توقف معه الإسقاط والتطبيق التحديثي المتجدد لمفاهيم الإسلام على الأرض وفى واقع الناس ومن ثم بدأ الانفصام والبعد والفصل التدريجي بين الإسلام وواقع حياة الناس،خاصة مع تشابك وتعقد مجالات الحياة واجتهاد كل الأنظمة الأرضية في تقديم وتجريب حلولها المختلفة في وقت حوصر فيه الإسلام والعقل المسلم داخل المسجد مما أدى إلى حالة غربة كبيرة بين الإسلام وبين حياة الناس المعاصرة .




4 - الفهم المجتزأ للإسلام ، بمعنى حوصلة الإسلام في جزء منه وهذا ما جسده الشيخ محمد الغزالي في مثال الفيل


قال: إن جماعة عميان وجدوا فيلا فلما طلب منهم وصف الفيل واحد وضع يده على ناب الفيل فقال الفيل هو عبارة عن عظم أملس كذا. واحد وضع يده على بطن الفيل قال هو جسم كبير مفرطح . واحد وضع على خرطوم الفيل أو زلومته فقال شيء أشبه بكذا وكذا ، والحقيقة هي أن الفيل مجموعة هذا كله،وإنما قال كل واحد منهم ما عرف أو فهم أو تحسس .




أمثلة لبعض المفاهيم المبتورة أو المغلوطة عن الاسلامى :


- الإسلام عبادة وفقط ولا شأن له بإدارة أمور الحياة حيث يختص تطبيقه بفترة تاريخية سالفة كان الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي يناسب ذلك .


- أما الآن في ظل العالم المعاصر بتعقيداته المختلفة لم يعد الإسلام صالحا لها .


- الإسلام دين مقدس ويجب حفظه واحترامه وتقديره وتقديسه وحمايته داخل حدود المسجد فقط ، ويجب أن تظل له قدسيته الخاص بعيدا عن الواقع والسىء الذى نعيشه الآن .


- الإسلام جاء بنصوص قرآنية ومفاهيم عامة اقرب منها للشعارات لمجالات الحياة المختلفة .

- دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر، أي الفصل بين الدين والسياسة مع العلم بأن الدين هو الحياة ، والسياسة هي إدارة شئون الناس محليا وإقليميا وعالميا .

- الإسلام بناء للعقيدة واجتهاد في العبادة وزهد في الدنيا وانعزال عن دنيا الناس وعن المعاصي والآثام والصبر على ذلك حتى لقاء الله والجنة .


- الإسلام علم ومعرفة واجتهاد دائم في تحصيل علوم الدين من قران وحديث وفقه وسير و…. الخ .

- نزعة روحية للسلف ولمرحلتهم التاريخية العطرة التي عاشوا فيها مجد وعز الإسلام، والارتباط بهم والتعلق بهم ومحاولة تمثلهم في نفس طريقة تفكيرهم وعيشهم .

- الإسلام جهاد وقتال للأعداء قائم إلى يوم الدين ومن ثم البحث عن مناطق الصراع الساخنة التي يتوفر فيها فرصة للقتال بغض النظر عن أية اعتبارات او أولويات عسكرية وسياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تربوية وفى سياق عاطفي تغيب عنه الرؤية البنيوية والمشروع المتكامل لإقامة نموذج الدولة الإسلامية المعاصرة .




[تحرير] شمولية الإسلام في فكر الإمام الشهيد حسن البنا:
يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس للإخوان: "نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة... فالإسلام عقيدة وعبادة, ووطن وجنسية, ودين ودولة, وروحانية وعمل, ومصحف وسيف". وبناء على شمولية الإسلام يقرر الإمام البنا أن دعوة الإخوان المسلمين:


1.دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.


2.وطريقة سنية:لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء،وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.


3.وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير.


4.وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.


5.وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

6.ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

7.وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه.

8.وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.




[تحرير] شمولية الإسلام عند جارودى :
رحلة طويلة من البحث والدراسة من أجل الوصول إلى اليقين بعدها اهتدى روجيه جارودي إلى الإسلام وقد جاء اعتناق المفكر الفرنسي للإسلام عبر دراسات متعمقة للكثير من الديانات والأفكار وواقع حياة الناس بعدها كان لشمولية الإسلام الأثر الكبير في تغير فكر ومعتقد ومسار حياة جارودى .


رحلة جاردوى إلى الإسلام عبر فهم شمولية الإسلام :


قبل أن يشهر إسلامه في الثاني من يوليو عام 1982 :


- اعتنق البروتستانتية وهو في سن الرابعة عشرة .

- ثم انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي .


- في عام 1945 انتخب نائبا في البرلمان ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوريون عام 1953، وفي عام 1954 حصل على الدكتوراه في العلوم من موسكو. ثم انتخب عضوا في مجلس الشيوخ .


- في عام 1970 أسس مركز الدراسات والبحوث الماركسية وبقي مديرا له لمدة عشر سنوات.

- ومن خلال دراساته المتعمقة للإسلام وصل إلى مجموعة من الأفكار

التي كان لها الأثر المباشر في قناعته بان الإسلام دين سماوي وإنه الدين الحق والدين الأصلح للبشرية إنه دين الله دين الفطرة التي خلق الله الناس عليها .

- الوصول إلى النقطة التي يلتقي فيها الوجدان بالعقل دونما تعارض .


- القرآن الكريم يقوم على اعتبار الكون والبشرية وحدة واحدة. يكتسب فيها الدور الذي يسهم به الإنسان معنى، وان نسيان الله خالق هذا الكون يجعلنا عبيدا هامشيين خاضعين للعديد من الاعتبارات الخارجية . - الأحداث اليومية فى حياة الناس تبدو ضبابية وتقوم على النمو الكمي والعنف، في حين أن ذكر الله في الصلاة فقط يكسبنا وعيا بمركزنا وبموردنا: الذي هو أصل الوجود .


- الإسلام دين المستقبل حيث يتحدث عنه باستمرار ويعد ويؤهل ويجهز له بشكل مستمر ويسخر لأجل ذلك أحداث التاريخ السابقة ومنطق العقل الواقع والدعوة لإعمال العقل واستشراف المستقبل .


وبعد ذلك وعندما شرح الله صدره للإسلام تكونت لديه قناعة بأن الإسلام ليس مجرد دين يختلف عن بقية الأديان فحسب، بل إن الإسلام هو الدين الحق منذ ان خلق الله آدم.


- في هذه المرحلة اختلطت الكثير من القناعات لدى جار ودي لكن بقي الإسلام القناعة الوحيدة الراسخة، ورغم حداثة إسلام جار ودي وكثرة المصاعب التي واجهته سواء من حيث اللغة والثقافة استطاع أن يؤلف أكثر من أربعين كتابا في شرح معاني الإسلام وإجلاء حقائقه للناس ، والدعوة إليه .




- ومن أهم كلماته عن الإسلام:(إن شمولية الإسلام جعلته يستوعب كل من حوله من الديانات والأفكار والمناهج والأشخاص والأحداث) [ روجية جاردوى ]




شمولية الإسلام :إيمان بشمول وكمال الدين كمنهج حياة


يقرر القواعد الكلية لكافة مجالات الحياة

-إيمان وفهم واجتهاد وتطبيقات عملية في واقع المسلم اليومي

- فهم الحقائق والقوانين والمقاصد الكلية للإسلام

-إسقاط وتفعيل هذه الحقائق على كافة مجالات الحياة باجتهادات عقلية في سياق الواقع الحياتي دائم التحديث

-التطبيقات العملية في كافة تفاصيل الحياة اليومية للناس ( اقتصادية ، سياسية ، اجتماعية ، فنية ...الخ )


بما يحقق أفضل المصالح ويضمن تحقيق أعلى مستويات الجودة في حياتهم ومستوى معيشتهم وسعادته




[تحرير] بعض الأمثلة والتطبيقات العملية لمفهوم الشمولية على مستوى الفرد المسلم المعاصر :
1- الإيمان الجازم بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وقدرته على حل كل المشاكل المعاصرة في حال توافر العقل المسلم المعاصر المجتهد القادر على فهم النصوص والمقاصد الإسلامية وإنزالها على الواقع .

2- الاجتهاد في كافة أبواب العبادة من شعائر تعبدية وتحصيل العلم المعاصر النافع والتفوق الدراسي والعلمي والمهنئ والاجتماعي والاقتصادي كل ذلك في شكل متوازي سواء بسواء .

3- الانفتاح والتواصل مع أبناء المجتمع بكافة معتقداتهم وأفكارهم وانتماءاتهم وتكوين علاقات طيبة معهم والتعاون معهم لخدمة الوطن وإصلاحه وبناءه،وتعريفهم العملي بحقائق الإسلام واقعا مجسدا في تعاملاتك اليومية معهم .

4- الإلمام بالثقافة الإسلامية العامة مع التخصص في احد فروع العلم الديني أو الاكاديمى وتوظيفه لخدمة المجتمع والأمة والإسلام .

5 - اعتماد أحكام ومقاصد ومفاهيم الإسلام مرجعا أساسيا ووحيدا لك فئ كافة شئون الحياة .

6 - المساهمة النظرية والعملية فى تعريف الناس والمجتمع بحقائق الإسلام في كافة شئون حياتهم المختلفة.
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
7 من 9
http://ejabat.google.com/ejabat/thread?table=%2Fejabat%2F&tid=53e665d3efcbb474
غش سامح
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة Respectable.
8 من 9
الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة
20‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
9 من 9
جزاك الله خيرا على الكتاب الرائع
23‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة تعلم ثم تكلم.
قد يهمك أيضًا
نحن نعلم ان دين الانبياء واحد هو
..من اجل الله والاسلام !!
اسلامى
في النهاية من سينتصر
لمادا انت ملحد!
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة