الرئيسية > السؤال
السؤال
ما معني كلمة الزهد
شكرا
يي 5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة jassmin.
الإجابات
1 من 5
الزهد


تعريف الزهد:

قال ابن الجلاّء: (الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها) ["الرسالة القشيرية" ص56].

وقيل: (الزهد عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف) ["الرسالة القشيرية" ص56].

وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب) ["الرسالة القشيرية" ص56].

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: (الزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد، وهذا زهد العارفين، وأعلى منه زهد المقربين فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنة وغيرهما، إذ ليس لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله تعالى والقرب منه) ["الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين حديث النووية" للشيخ إبراهيم الشبرخيتي].

فالزهد تفريغ القلب من حب الدنيا وشهواتها، وامتلاؤه بحب الله ومعرفته. وعلى قدر تخلص القلب من تعلقاته بزخارف الدنيا ومشاغلها يزداد لله تعالى حباً وله توجهاً ومراقبة ومعرفة، ولهذا اعتبر العارفون الزهد وسيلة للوصول إلى الله تعالى، وشرطاً لنيل حبه ورضاه، وليس غاية مقصودة لذاتها.


مشروعية الزهد:

نفى بعضهم وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً، واعتبر الزهد بدعة دخيلة على الدين، تسربت إليه عن طريق الرهبنة النصرانية أو النسك الأعجمي، ولا شك أن موقفهم هذا تسرُّعٌ في الحكم مع جهل بحقيقة الإسلام. فلو رجع هؤلاء المنكرون إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدوا أنه عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الزهد صراحة، ويعتبر الزهد وسيلة لنيل محبة الله تعالى. فقد روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس قال له: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك" [رواه ابن ماجه في كتاب الزهد].

ثم إن كل مسلم حين يتصفح كتاب الله تعالى، يجد كثيراً من الآيات الكريمة تصغِّر من شأن الدنيا وتبين حقارتها وسرعة زوالها، وانقضاء نعيمها، وأنها دار الغرور، وفتنة الغافلين ؛ ومقصود الحق من ذلك أن يُزَهّد الناس فيها بإخراج حبها من قلوبهم حتى لا تشغلهم عما خلقوا له من معرفة الله تعالى وإقامة دينه. قال الله تعالى: {يا أيُّها الناسُ إنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ فلا تغُرَّنَّكُم الحياةُ الدنيا ولا يَغُرَّنَّكُم بالله الغَرورُ} [الروم: 60].

وقال أيضاً: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحيوانُ لو كانوا يعلمونَ} [العنكبوت: 64].

وقال تعالى: {المالُ والبنونَ زينَةُ الحياة الدنيا والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربِّكَ ثواباً وخيرٌ أملاً} [الكهف: 46].

وهكذا سائر الآيات الكريمة التي تضرب على هذا الوَتَر وترمي إلى هذا الهدف العظيم.

وإذا استعرضنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجده كثيراً ما يوجه أصحابه إلى العزوف عن الدنيا والزهد في زخارفها، وذلك بتصغير شأنها وتحقير مفاتنها. كل ذلك كي لا تشغلهم عن المهمة العظمى التي خُلقوا من أجلها، ولا تقطعهم عن الرسالة المقدسة التي يحملونها.

فتارة يبين أن الله تعالى جعل الدنيا زينة لنا ابتلاءً واختباراً لينظر هل نتصرف فيها على نحو ما يرضيه أم لا ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء" [أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وتمام الحديث "فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء"]. وتارة ينبه الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى أن الدنيا ظل زائل ومتعة عابرة، حتى لا يركنوا إليها فتقطعهم عن الله تعالى. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء. فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها" [أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، وقال: حديث صحيح]. وتارة يشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حقارة شأنها في نظر الحق سبحانه فيقول: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء" [رواه الترمذي في كتاب الزهد عن سهل بن سعد الساعدي. وقال: حديث حسن صحيح].

وهكذا سار الرسول عليه الصلاة والسلام هو وخلفاؤه وأصحابه الكرام على هذا المنهج الكريم، فعزفتْ نفوسهم عن الدنيا، وزهدت قلوبهم فيها.

مرت بهم فترات من الفقر والشدائد والمحن فما ازدادوا إلا صبراً وتسليماً ورضاء بحكم الله تعالى، ثم جاءتهم الدنيا صاغرة، وألقت بين أيديهم خزائنها ومقاليدها فاتخذوها سُلَّماً للآخرة ووسيلة إلى رضوان الله تعالى، دون أن تشغل قلوبهم عن الله تعالى وطاعته، أو توقعهم في الترف والبطر، أو الكبر والغرور، أو الشح والبخل. فقد خرج أبو بكر رضي الله عنه عن ماله كله في سبيل الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركتَ لأهلك ؟ قال: تركتُ الله ورسوله" [رواه أبو داود في كتاب الزكاة والترمذي في كتاب المناقب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال: حديث حسن صحيح].

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو صاحب اليد الطولى في هذا المضمار، وببذله وزهده تُضرب الأمثال.

وأما عثمان رضي الله عنه فهو الذي جهز جيش العسرة، وأنفق عليه من ماله، غير مكترث بعظم هذه النفقات بجانب رضاء الله، ولبالغ تضحيته وإيثاره وعزوفه عن الدنيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم" [رواه الترمذي في كتاب المناقب عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة].

وكتبُ السيرة طافحة بأخبار زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وزهد أصحابه الكرام رضوان الله عليهم. ويضيق المجال عن التفصيل، ونكتفي بذكر النبذ اليسيرة التالية:

عن نافع قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (والله ما شمل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبا بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباءة، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين، وإني لأعرف في وقتي هذا من يجيز المائة، ولو شئت لقلت ألفاً ["تاريخ عمر بن الخطاب" لابن الجوزي ص102].

وقالت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لعمر: (يا أمير المؤمنين لو لبسْتَ ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو ألين من طعامك، وقد وسَّع الله من الرزق وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى من شدة العيش ؟ فما زال يُذكِّرها حتى أبكاها، فقال لها: أما والله لئن استطعتُ لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرخي) ["تاريخ عمر بن الخطاب" لابن الجوزي ص104].

وعن قتادة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبطأ عن الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه وقال: (إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يُغسل ولم يكن لي ثوب غيره) ["تاريخ عمر بن الخطاب" ص102].

وما حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام إلا القدوة العملية الكاملة التي سار المؤمنون الصادقون على نهجها فكانوا مثالاً للزهد والعفة والطهر والاستقامة.

تصحيح مفهوم الزهد:

من تعريفات الزهد السالفة الذكر وبيان مشروعيته يتضح أن الزهد مرتبة قلبية ؛ إذ هو إخراج حب الدنيا من القلب، بحيث لا يلتفت الزاهد إليها بقلبه، ولا ينشغل بها عن الغاية التي خلقه الله من أجلها.

وليس معنى الزهد أن يتخلى المؤمن عن الدنيا فيفرغ يده من المال، ويترك الكسب الحلال ويكون عالة على غيره.

وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصود الحقيقي من الزهد حين قال: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أرغبَ منك فيها لو أنها أُبقيتْ لك" [أخرجه الترمذي في كتاب الزهد عن أبي ذر رضي الله عنه، وقال: حديث غريب].

قال العلامة المناوي رحمه الله تعالى معلقاً على هذا الحديث: (فليس الزهد تجنب المال بالكلية بل تساوي وجوده وعدمه، وعدمُ تعلقه بالقلب إليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة الزاهدين، يأكل اللحم والحلوى والعسل، ويحب النساء والطيب والثياب الحسنة، فخذ من الطيبات بلا سرف ولا مخيلة، وإياك وزهد الرهبان) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" للمناوي ج4/ص72].

وهكذا فهم السادة الصوفية أن الزهد مرتبة قلبية. قال عمرو بن عثمان المكي: (اعلم أن رأس الزهد وأصله في القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها، والنظر إليها بعين القلة، وهذا هو الأصل الذي يكون منه حقيقة الزهد)[ "طبقات الصوفية" للسلمي ص203].

وقد عبر سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره عن مفهوم الزهد الحقيقي تعبيراً واضحاً جامعاً حين قال: (أخرج الدنيا من قلبك وضعها في يدك أو في جيبك، فإنها لا تضرك) ["الفتح الرباني" للشيخ عبد القادر الجيلاني].

وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: (ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك).

ولهذا عرَّف ابن عجيبة الزهد بقوله: (هو خلو القلب من التعلق بغير الرب) ["معراج التشوف" لابن عجيبة ص7].

وقد بين الإمام الزهري رحمه الله تعالى أن من معاني الزهد الحقيقي أن تشكر الله تعالى على ما رزقك من الحلال، وأن تحبس نفسك عن طلب الحرام قانعاً بما قسم لك من الرزق، فقال حين سئل عن زهد المسلم: (هو أن لا يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره) ["النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير مادة (زهد)].

وقد أوضح العلماء أن المقصود من ذم الدنيا الوارد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ليس ذماً لذاتها، وإنما هو تحذير من الانشغال القلبي بها ؛ بأن يجعلها المؤمن غاية يسعى إليها بكل إمكانياته، ناسياً غايته الأساسية، وهي الفوز برضاء الله تعالى. فنعمت الدنيا مطية المؤمن ووسيلة إلى التقرب إلى الله تعالى، وبئست الدنيا إذا كانت معبوده. وفي هذا المعنى قال العلامة المناوي رحمه الله: (فالدنيا لا تُذَمّ لذاتها فإنها مزرعة الآخرة، فمن أخذ منها مراعياً للقوانين الشرعية أعانته على آخرته، ومن ثَمَّةَ قيل: لا تركن إلى الدنيا، فإنها لا تبقى على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" ج3/ص545].


طريق الوصول للزهد:

بما أن الزهد مقام قلبي رفيع المنزلة لأنه تفريغ القلب من التعلق بسوى الله تعالى، كان الوصول إليه أمراً هاماً يحتاج إلى جهود كبيرة ووسائل ناجعة، وأهمها صحبة المرشد الذي يأخذ بيد المريد، ويرسم له الطريق الصحيح، وينقله من مرحلة إلى مرحلة بحكمة ودراية، ويجنبه مزالق الأقدام.

فكم من أناس أخطؤوا الطريق فجعلوا الزهد غاية، ولبسوا المُرَقَّع من الثياب، وأكلوا الرديء من الطعام، وتركوا الكسب الحلال، وحسدوا أهل المال، وقلوبهم مفعمة بحب الدنيا، وهم يحسبون أنهم زاهدون. وما وقعوا في ذلك إلا لأنهم ساروا بأنفسهم بعيدين عن صحبة الدليل الخبير، وفي هؤلاء يقول المناوي رحمه الله تعالى: (فالزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد منها، وقد جهل قوم فظنوا أن الزهد تجنب الحلال، فاعتزلوا الناس، فضيعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهرُّوا في وجوه الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغنى أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو بالقلب، وأن أصله موت الشهوة القلبية، فلما اعتزلوها بالجوارح ظنوا أنهم استكملوا الزهد، فأداهم ذلك إلى الطعن في كثير من الأئمة) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" ج3/ص73].

وكم من أناس أقبلوا على الدنيا وملذاتها فشغلت قلوبهم بحبها، وعمرت أوقاتهم بجمع حطامها وهم يزعمون أنهم تحققوا بالزهد القلبي، وأنهم فهموا الزهد على حقيقته، ولو كان لهؤلاء طبيب قلبي ناصح، يكون لهم مرآة صادقة، لَكَشَفَ لهم حقيقة وصفهم، ولأرشدهم إلى سبيل الوصول إلى حقيقة الزهد.

وينبغي الإشارة إلى أن المرشدين قد يصفون لبعض تلامذتهم نوعاً من المجاهدات بغية تفريغ قلوبهم من التعلقات الدنيوية، من باب العلاج الضروري الموقت، فيطلبون منهم أكل اليسير من الطعام، أو لبس البسيط من الثياب لإخراج حبها من قلوبهم، أو يدْعونهم للبذل السخي والعطاء الكثير بغية اقتلاع صفة الشح والتعلق بالمال من قلوبهم، وهذه الأنواع من المعالجات ضرورية ونافعة ما دامت برأي المرشد وإشرافه، فهي ليست غايةً لذاتها ؛ بل هي وسيلة مشروعة للوصول إلى الزهد القلبي الحقيقي.

وما أكلُ الرسول صلى الله عليه وسلم للأطعمة البسيطة، وربطُ الحجر على بطنه الشريف من الجوع ـ رغم أن الجبال عرضت له أن تكون ذهباً ـ إلا لبيان مشروعية هذه الأعمال.

وفي هذا قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، وهو تربّى على يد أشياخه من العارفين: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسَنات، لأن التصوف هو صفة المعاملة مع الله تعالى، وأصله التعزُّف عن الدنيا كما قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري) ["طبقات الصوفية" للسلمي ص158].

وقد كان المرشد الكبير سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى يوجه تلامذته في بادىء سيرهم أن يجاهدوا أنفسهم ويروضوها على الاخشيشان والصبر والتقشف، ثم بعدها ينقلهم إلى مراتب الزهد القلبي حين يستوي عندهم الأخذ والعطاء والفقر والغنى، وتفرغ قلوبهم من سوى الله تعالى.

وقد لَفَتَ السادة الصوفية الأذهانَ إلى أمور تساعد على التحقق بمقام الزهد منها:

1ـ العلم بأن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، والرحيل منها إلى دار البقاء، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب، فيرى الإنسان نتيجة أعماله، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر.

عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {ألهاكُمُ التكاثُرُ} [التكاثر:1] قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ فأبليت، أو تصدقْتَ فأمضيت" [رواه مسلم في كتاب الزهد].

وقال أبو المواهب الشاذلي رحمه الله تعالى: (عبادة المريد مع محبته للدنيا شغل قلب وتعب جوارح، فهي وإن كثرتْ قليلة عند الله تعالى).

2ـ العلم بأن وراءها داراً أعظم منها قدراً، وأجل خطراً، وهي دار البقاء، قال تعالى: {قلْ متاعُ الدنيا قليلٌ والآخرةُ خيرٌ لِمَنْ اتقى} [النساء: 77]. ولذا وجهوا أتباعهم للإعراض عن الدنيا، والتطلع إلى الحياة الآخرة، إلى الجنة ونعيمها والرغبة في الله تعالى، فساروا سيرة الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم في التضحية والإيثار ومجاهدة النفس ومغالبة الهوى دون أن تستهويهم زخارف الحياة الزائلة.

وكان شعارهم قول بعضهم:

لا تنظرنَّ إلى القصور العامرة واذكر عظامك حين تمسي ناخرة

وإذا ذكرتَ زخارف الدنيا فقل لبيكَ إنَّ العيش عيش الآخرة

3ـ العلم بأن زهد المؤمنين في الدنيا لا يمنعهم شيئاً كُتب لهم، وأن حرصهم عليها لا يجلب لهم ما لم يُقضَ لهم منها، فما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم.

الخلاصة:

وصفوة القول: الزهد مقام رفيع لأنه سبب لمحبة الله تعالى، ولذا دعا إليه الكتاب والسنة، وأشاد بفضله أئمة الدين، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (عليك بالزهد، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على الناهد) ["فيض القدير شرح الجامع الصغير" ج4/ص73].

ولذلك فإن السادة الصوفية قد تحققوا بالزهد وتدرجوا في مراتبه التي أشار إليها ابن عجيبة بقوله: (فزهد العامة: ترك ما فضل عن الحاجة في كل شيء، وزهد الخاصة: ترك ما يشغل عن التقرب إلى الله في كل حال، وزهد خاصة الخاصة ترك النظر إلى ما سوى الله في جميع الأوقات إلى أن قال: والزهد سبب السير والوصول ؛ إذ لا سير للقلب إذا تعلق بشيء سوى المحبوب) ["معراج التشوف" لابن عجيبة ص7 ـ 8].

وقد وصف الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه الفئة الصالحة من الأمة فقال:

إنَّ لله عباداً فُطَنا طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا أنها ليس لحيٌّ سَكنا

جعلوها لُجَّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفنا

["رياض الصالحين" للإمام النووي ص3].
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة ABOMAYAR.
2 من 5
الزُّهد والزَّهادة في الدنيا ولا يقال الزُّهد إِلاَّ في الدين خاصة، والزُّهد: ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزهادة في الأَشياء كلها: ضد الرغبة. زَهِدَ وزَهَدَ، وهي أَعلى، يَزْهَدُ فيهما زُهْداً وزَهَداً؛ بالفتح عن سيبويه، وزهادة فهو زاهد من قوم زُهَّاد، وما كان زهيداً ولقد زَهَدَ وزَهِدَ يَزْهَدُ منهما جميعاً، وزاد ثعلب: وزَهُد أَيضاً، بالضم.والتزهيد في الشيء وعن الشيء: خلاف الترغيب فيه.
وزَهَّدَه في الأَمر: رَغَّبَه عنه.
وفي حديث الزهري وسئل عن الزهد في الدنيا فقال: هو أَن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره؛ أَراد أَن لا يعجز ويقصر شكره على ما رزقه الله من الحلال، ولا صبره عن ترك الحرام؛ الصحاح: يقال زهد في الشيء وعن الشيء.
وفلان يتزهد أَي يتعبد، وقوله عز وجل: وكانوا فيه من الزاهدين؛ قال ثعلب: اشتروه على زُهْدٍ فيه.
والزَّهِيد: الحقير.
وعطاءَ زَهِيدٌ: قليل.
وازْدَهَدَ العطاءَ: استقلَّه. ابن السكيت: يقولون فلان يزدهد عطاء من أَعطاه أَي يعدُّه زهيداً قليلاً.
والمُزْهِدُ القليل المال.
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة g00g00SH (g00g00sH ــــــــــــ).
3 من 5
(الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها)
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
4 من 5
ان تزهد ما فى الدنيا و ما فى ايدى الناس------------و تعمل لاخرتك كانك تموت غدا     و تعمل لدنياك كانك تعيش ابدا
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة khadr.
5 من 5
في اللغة
زُهْد : 1. زَهِدَ في الشيء وعنه : أعرض عنه وتركه .
         2. بغض الدنيا والإعراض عن راحتها طلباً للآخرة  .
في القرآن الكريم
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى : ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدودَةٍ وَكانوا فيهِ مِنَ الزّاهِدينَ )( يوسف ك 20 ).
في السنة المطهرة  
أخرج الترمذي عن أبي ذر عن النبي  قال : ( الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا : أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيما لو أنها
أبقيت لك )( مجمع الزوائد ج: 10 ص: 286 ).

عند الصوفية :
التابعي أويس القرني :
يقول : الزهد : هو ترك الطلب للمضمون.

الإمام علي بن أبي طالب  :
يقول : الزهد : هو أن لا تبالي من أكل الدنيا من مؤمن أو كافر .
ويقول : الزهد : كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه : ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحوا بِما آتاكُمْ )( الحديد : 23 ) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه  .

الشيخ أبو أيوب السخستاني
يقول : الزهد أن يقعد أحدكم في منـزله . فإن كان قعوده لله تعالى رضا وإلا
خرج ، وأن يخرج فإن كان خروجه لله تعالى رضا وإلا رجع . فإن كان رجوعه لله تعالى رضا وإلا ساح ، ويخرج درهمه . فإن كان إخراجه لله رضا وإلا حبسه ويحبسه . فإن كان حبسه لله تعالى رضا وإلا رمى به ويتكلم . فإن كان كلامه لله تعالى رضا وإلا سكت ، فإن كان سكوته لله تعالى رضا وإلا تكلم .

الإمام جعفر الصادق :
يقول : الزهد : مفتاح باب الآخرة ، والبراءة من النار . وهو تركك كل شيء يشغلك عن الله تعالى ، من غير تأسف على فواتها ولا إعجاب في تركه ، ولا انتظار فرج منها ، ولا طلب محمدة عليها ، ولا غرض لها ، بل يرى فوتها راحة ، وكونها آفة . ويكون أبداً هارباً من الآفة ، معتصماً بالراحة والجوع على الشبع ، وعافية الأجل على محنة العاجل ، والذكر على الغفلة ، وتكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة.

الشيخ الحارث المحاسبي :    
يقول : الزهد : هو في ثلاثة أشياء – لا يسمى الزاهد زاهداً إلا بها :
خلع الأيدي من الأملاك .
ونزاهة النفس عن الحلال .
والسهو عن الدنيا بكثرة الأوقات .

الشيخ الجنيد البغدادي :    
يقول : الزهد : هو خلو القلب عما خلت منه اليد .
ويقول : الزهد : وهو خلو البدن من الدنيا ، وخلو القلب من طلبها .
ويقول : الزهد : خلو الأيدي من الأملاك ، والقلوب من التتبع .

الشيخ أبو بكر الشبلي :
يقول : الزهد : تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء .

الإمام أبو حامد الغزالي :
الزهد : هو صبر النفس عن فضول العيش .
يقول : الزهد : هو أن يملك العبد شهوته وغضبه ، فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان  .
ويقول : الزهد : هو عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس ...
الزهد : هو عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولاً إلى الآخرة ، أو عن غير الله تعالى عدولاً إلى الله تعالى ، وهي الدرجة العليا .

الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني :
يقول : الزهد : كله قصر الأمل .

الشيخ أحمد الرفاعي الكبير :
يقول : الزهد : هو أساس الأحوال المرضية ، والمراتب السنية ، وهو أول قدم القاصدين إلى الله تعالى ، والمنقطعين إلى الله ، والراضين عن الله ، والمتوكلين على الله  . فمن لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح له شيء مما بعد .

الشيخ شهاب الدين السهروردي :
يقول : الزهد : هو الإمساك عن الاشتغال بملاذ البدن ، إلا بحسب ضرورة تامة ، وهو يزيد على القناعة بترك كثير من الكفاية العرفية .

الشيخ عبد القادر الجزائري :
يقول : الزهد : يتصوره عوام أهل الطريق على غير وجهه ، وإنما هو : صرف القلب عن الرغبة فيما سواه تعالى ، وفيما سوى ما يقرب إليه لا غير ، فإن ما يزهد فيه ، أما أن يكون من نصيب الزاهد وقسمته ، أو لا . فإذا كان من قسمته تناوله أحبَّ أم كره ، ولا يندفع عنه ، ولو استعان بأهل الأرض والسماء . وأما أن لا يكون مقسوماً له ، فزهد في ماذا ؟ ! أيزهد في قسمة غيره ؟ .

الدكتور أمين يوسف عودة  :  
يقول : الزهد عند ابن عربي : هو ما لا صلة له بالترك ، بقدر ما له صلة بإمساك الأشياء ، ولكنه إمساك من نوع نادر ، إنه إمساك بالحق ، لا بمعنى أن الممسك يستحق ذلك الشيء أصالة ، وإنما بمعنى رؤية وجه الحق في إمساكه له مجرداً عن رؤية أي حظ من حظوظ النفس فيه ، وبذلك يقترب من تحقيق العبودية المحضة ، بمطابقة مراداته لمرادات الله عز وجل .
الزهد [عند الصوفية] : هو ضد الرغبة والحرص على الدنيا ، وهو ترك الشواغل وقطع العلائق ، ورفع العوائق ، أي إسقاط الرغبة بالكلية ... والزهد تنحية ما دون الحق من طريق القصد ، ولزوم الفقر لغنى القلب بالحق أي نفي البقية بمحق رسم الأثنينية .  

في أصل الزهد :
يقول الشيخ الفضيل بن عياض :
أصل الزهد : الرضا عن الله تعالى  .

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي :
أصل [ الزهد ] هو العلم والنور يشرق في القلب حتى ينشرح به الصدر ، ويتضح فيه أن الآخرة خير وأبقى ، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة أقل من نسبة خرقة إلى جوهرة.

في أقسام الزهد :
يقول الإمام أحمد بن قدامة المقدسي :
أقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه على ثلاث درجات :
أحدها : الزهد للنجاة من العذاب ، والحساب ، والأهوال التي بين يدي الآدمي ، وهذا زهد الخائفين .
الدرجة الثانية : الزهد للرغبة في الثواب ، والنعيم الموعود به ، وهذا زهد الراجين فإن هؤلاء تركوا نعيماً لنعيم .
الدرجة الثالثة : وهي العليا ، وهو أن لا يزهد في الدنيا للتخلص من الآلام ، ولا للرغبة في نيل اللذات ، بل لطلب لقاء الله تعالى ، وهذا زهد المحسنين العارفين ، فإن لذة النظر إلى الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى لذات الجنة ، كلذة ملك الدنيا ، والاستيلاء
عليها .

ويقول الشيخ عماد الدين الأموي :
[ الزهد ] ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : الزهد الواجب ، وهو الزهد في الحرام .
الثاني : الزهد المندوب ، وهو الزهد في الشبهة .
الثالث : زهد فضيلة ، وهو الزهد في المباح .
وزاد كثيرون زهد الغنى ، وهو زهد الأنبياء .
ويقول : الزهد عند العوام خلو اليد من المال ، وعند الخواص خلو القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى .

ويقول الشيخ أبو المواهب الشاذلي :
الزهد على قسمين : زهد في الدنيا . وزهد في الآخرة . فالأول للسعداء . والثاني للأشقياء .

ويقول الشيخ محمد بن حسن السمنودي :
[ الزهد ] خمسة أقسام :
الأول : أن تزهد ما في أيدي الناس تحبك الناس .
الثاني : أن تزهد في الدنيا يحبك الله .
الثالث : أن تزهد أقوالك وأفعالك وأحوالك وترحل عن علمك وعملك .
الرابع : أن تزهد المقامات والتصرف والكرامات عند الواردات .
الخامس : أن تزهد ما سوى الله  .

في درجات الزهد  :
يقول الإمام أبو حامد الغزالي :
 الزهد ... على درجات ثلاث :
الدرجة الأولى وهي السفلى منها : أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ، ولكنه يجاهدها ويكفها ، وهذا يسمى : المتزهد ...
الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه ، كالذي يترك درهماً لأجل درهمين ...
الدرجة الثالثة وهي العليا : أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئاً . إذ عرف أن الدنيا لا شيء ... فهذا هو الكمال في الزهد »( ) .

في أعظم درجات الزهد :
يقول الإمام أبو حامد الغزالي :
أعظم درجات الزهد : زهد النفس في الجسد ، بقطع الظلامات والتبعات وهجر اللذات والشهوات .

في أوجه الزهد :
يقول الإمام أحمد بن حنبل :
 الزهد ثلاثة أوجه :
ترك الحرام : وهو زهد العوام .
ثم ترك الفضول من الحلال : وهو زهد الخواص .
ثم ترك كل ما يشغل العبد عن الله : وهو زهد العارفين  .

في أجزاء الزهد  وعلاقته بالورع :
يقول الشيخ يحيى بن معاذ الرازي :
 الزهد عشرة أجزاء ، وأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع .

وصلى الله تعالى على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما


المصادر / موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
21‏/10‏/2010 تم النشر بواسطة نورس82 (نورس ابو النوارس).
قد يهمك أيضًا
ما معني كلمة هزبر ؟؟؟؟
ما معني كلمة صعلوك ؟؟
معني كلمة كنجارو
ما معني كلمة مدونه
ما معني اسم مني ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة