الرئيسية > السؤال
السؤال
كيفية إثبات عذاب القبر وعود الروح إلى الجسد ؟
إثبات عذاب القبر وعود الروح إلى الجسد ؟
الاسلام 5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة فهمان جداا.
الإجابات
1 من 4
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين. أما بعد فيقول عزوجل في القرءان الكريم : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب ( سورة غافر / ءاية 46 ) . اعلم رحمنا الله وإياك أن من معاني الشهادة الثانية أي أشهد أن محمداً رسول الله أن يصدق الإنسان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين منكر ونكير عليهما السلام، فمن أنكر عذاب القبر كذب القرءان ومن كذب القرءان كفر ، فهذه الآية فيها إثبات عذاب القبر وهي صريحة لأن الله تعالى قال : ] النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة.

معناه أن ءال فرعون أي أتباعه الذين اتبعوه على الكفر والشرك يعرضون على النار في البرزخ أي في مدة القبر والبرزخ ما بين الموت إلى البعث يعرضون على النار عرضاً من غير أن يدخلوها حتى يمتلئوا رعباً أول النهار مرة وءاخر النهار مرة ووقت الغداة من الصبح إلى الضحى وأما العشي فهو وقت العصر ءاخر النهار ويوم تقوم الساعة أي يقال للملائكة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب وءال فرعون هم الذين عبدوه واتبعوه في أحكامه الجائرة ليس معناه أقاربه ثم هناك ءاية أخرى تثبت عذاب القبر؛ فقد قال عز وجل : ] ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى [ ( سورة طه / ءاية 124 ) .

المعنى أن الكفار الذين أعرضوا عن الإيمان بالله تعالى إذا ماتوا يتعذبون في قبورهم وليس المراد بـ (معيشة ضنكا ) معيشة قبل الموت إنما المراد حالهم في البرزخ ، وكلمة ( ذكري ) هنا معناها الإيمان بالله سبحانه وبالرسول ليس المراد بها الذكر المعروف وهو قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو ذلك . وهذه الآية عُرف أن المراد منها عذاب القبر من الحديث المرفوع إلى النبي الذي فسر هذه الآية ( معيشة ضنكا ) بعذاب القبر رواه ابن حبان وفي هذا قال الرسول الكريم لأصحابه : (( هل تدرون في ماذا أنزلت ] فإن له معيشة ضنكا [ قالوا : الله ورسوله أعلم : قال عذاب الكافر في قبره))... الحديث .

وفي هذا دليل أيضاً على أن الميت في القبر بعد عودة الروح إليه يكون له إحساس بالعذاب إن كان من المعذبين للكفر أو للمعاصي . وقد قال الرسول : ((القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة )) رواه الترمذي من حديث أبي سعيد . وقد قال مسروق رحمه الله : (( ما غبطت أحداً ما غبطت مؤمناً في اللحد، قد استراح من نصب الدنيا وأمِِنَ عذاب الله تعالى )) . وقد حدّث ثابت البناني رحمه الله قال : دخلت المقابر فلما قصدت الخروج منها فإذا بصوت قائل يقول : يا ثابت لا يغرنَّك صموت أهلها فكم من نفس مغمومة فيها .

ولنرجع قليلاً إلى الآيتين السابقتين فيتبين أنهما واردتان في عذاب القبر لكل الكفار أما العصاة المسلمون من أهل الكابئر الذين ماتوا قبل التوبة فهم صنفان : صنف يعفيهم الله من عذاب القبر وصنف يعذبهم ثم ينقطع عنهم ويُؤخّر لهم بقية عذابهم إلى الآخرة . وليعلم أنه لا يقال إن الميت إذا كان يرى في القبر في هيئة النائم ولا يُرى عليه شيء من الاضطرابات ولا يصرخ فإذاً هو ليس في عذاب؛ فقد قال بعد الفقهاء : (( عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود )) فإذا نحن لم نرى الشيء بأعيننا فليس معناه أن هذا الشيء ليس موجوداً ؛ فكثير من الأمور أخفاها الله عنّا وبعضها يكشفها الله لبعض عباده .

تأكد عذاب القبر بسبب الغيبة

وعدم الاستنـزاه من البول

روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن ابن عباس : مرّ رسول الله على قبرين فقال : (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم قال بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستـتر من البول )) ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين فغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: (( لعله يخفف عنهما )) فهذا الحديث بعد كتاب الله حجّة في إثبات عذاب القبر ، الرسول مر على قبرين فقال : (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم )) ثم قال : (( بلى)).

إثبات عذاب القبر

وعود الروح إلى الجسد

أي بحسب ما يرى الناس ليس ذنبهما شيئاً كبيراً لكنه في الحقيقة ذنب كبير لذلك قال : (( بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة )) وهي نقل الكلام بين اثنين للإفساد بينهما ، يقول لهذا فلان قال عنك كذا ويقول للآخر : فلان قال عنك كذا ليوقع بينهما الشحناء، وأما الآخر فكان لا يستنـزه من البول أي كان يتلوث بالبول وهذا من الكبائر فقد قال عليه الصلاة والسلام : (( استنـزهوا من البول فإنّ عامة عذاب القبر منه )) رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة .

ومعناه : تحفظوا من البول لئلا يلوثكم ، معناه لا تلوثوا ثيابكم وجلدكم به لأن أكثر عذاب القبر منه . هذان الأمران بحسب ما يراه الناس ليسا ذنباً كبيراً لكنهما في الحقيقة عند الله ذنب كبير ، فالرسول رءاهما بحالة شديدة وأنهما يُعذبان وليس من شرط العذاب أن تمسَّ جسده النار ، الله جعل عذاباً كثيراً غير النار في القبر، الرسول رأى ذلك وبعض المؤمنين الصالحين يرون ذلك ويرون النعيم والأدلة كثيرة نذكر منها حديث رواه ابن حبان أن التقي بعد سؤال منكر ونكير عليهما السلام قال الرسول : (( ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ذراعاً )).

والذراع الشرعي من رءوس الأصابع إلى المرفق ، حوالي نصف متر وينور له فيه ويقال له : نم كنوم العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ، كذلك التقي يشم من رائحة الجنة ويرى مقعده من الجنة الذي يتبوءه بعد الحساب وذلك أنّ روحه تؤخذ إلى مكان قرب الجنة فيرى مقعده فيعرف فضل الإسلام حين ذلك معرفة عيانية كما كان يعرف في الدنيا معرفة يقينية قلبية . وبعض المتقين يزيد في النعيم بأن يُوسَّع قبره مد البصر كما حصل للصاحبي الجليل العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه الذي كان من أكابر الأولياء لما نبشوا قبره بعد دفنه في أرض مسبعة لينقلوه إلى مكان أخر وجدوا قبره يتلاطم بالأنوار ، كذلك من النعيم يأتيه من نسيم الجنة لما يُفتح له في قبره باب إلى الجنة كذلك يُملأ قبره خضرة أي يوضع في قبره من نبات الجنة الأخضر وهذا النعيم كله حقيقي ليس وهماً لكن الله يحجب ذلك عن أبصار الناس أي أكثرهم، أما أهل الخصوصية من عباد الله الكاملين فيشاهدون. والحكمة في إخفاء الله حقائق أمور القبر وأمور الآخرة ليكون إيمان العباد إيماناً بالغيب فيعظم ثوابهم وقد ورد في الحديث أن الرسول قال : (( ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه )) رواه الترمذي والحاكم.

وقد روي أن سفيان الثوري رحمه الله قال : ((من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار )) وكان الربيع بن خيثم رحمه الله قد حفر قبراً في داره فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة ثم قال : ] ربّ ارجعونِ لعلي أعمل صالحاً فيما تركت [ ( سورة المؤمنون / ءاية 99-100 ). ثم قال : يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع ، فرحم الله أولئك الرجال كم كانوا عظماء وكم كانوا خائفين من الله وكم كانوا عاملين للآخرة زاهدين في الدنيا راجين رحمة ربّهم خائفين عذابه رزقنا الله الاقتداء بهم ءامين .

عود الروح إلى الجسد في القبر

اعلم أنه ثبت في الأخبار الصحيحة عود الروح إلى الجسد في القبر كحديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الحاكم وأبو عوانه وصححه غير واحد وفيه ويعاد الروح إلى جسده . وأما حديث ابن عباس مرفوعاً : (( ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) رواه ابن عبد البر وعبد الحق الإشبيلي وصححه . ونحن نؤمن بما ورد في هذا الحديث ولو لم نكن نسمع ردّ السلام من الميت لأن الله حجب عنا ذلك ويتأكد عود الحياة في القبر إلى الجسد مزيد التأكد في حق الأنبياء فإنه ورد من حديث أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام : (( الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) رواه البيهقي .

إثبات عود العقل

إلى الميت في القبر

فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ذكر فتَّاني القبر فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أترد علينا عقولنا يا رسول الله قال : (( نعم كهيئتكم اليوم)) قال : فبفيه الحجر ، ومعنى الفتَّان الممتحن ، منكر ونكير سُمّيا بذلك لأنهما يمتحنان الناس ولأنهما مخوفان فقد ورد في الحديث الذي رواه ابن حبان أن الرسول قال : (( إذا قُبر الميت أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد )) ...

الحديث ، وقوله رضي الله عنه : أترد علينا عقولنا يعني السؤال فقال له الرسول : (( نعم كهيئتكم اليوم )) أي يكون الجواب من الجسم مع الروح فقال عمر : فبفيه الحجر ، أي ذاك الخبر الذي لم أكن أعرفه وسكت وانقطع عن الكلام معناه ليس له حُجّة على ما كان يظن ، هو كان يظن أنه لا ترد عليهم عقولهم فلما قال له الرسول بأنه تُرد عليهم عقولهم عرف خطأ ظنّه. واعلم يا عبد الله أنه بعد دفن الإنسان يأتيه ملكان أسودان أزرقان أي لونهما ليس من السواد الخالص بل من الأسود الممزوج بالزرقة وهذا أخوف ما يكون من الألوان حتى يفزع الكافر منهما، أما المؤمن التقي لا يخاف منهما ، الله تعالى يثبته يلهمه الثبات وهما لا ينظران إليه نظرة غضب .

أما الكافر يرتاع منهما وقد سميا منكراً ونكيراً لأن الذي يراهما يفزع منهما وهما اثنان أو يكون هناك جماعة كل واحد منهما يسمى منكراً وجماعة كل واحد منهما يسمى نكيراً ، فيأتي إلى كل ميت اثنان منهم واحد من هذا الفريق وواحد من الفريق الآخر . وليعلم أن مُنكِر سؤال الملكين منكر ونكير عناداً كافر . الله يثبتنا عند سؤال الملكين بجاه سيد الكونين سيدنا محمد وبجاه المرسلين والملائكة المقربين والأولياء والصالحين .
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة الفتى المحمدي (Asd- AL ISLAM).
2 من 4
- أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان ، فيقعدانه فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ، لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ، فيراهما جميعا . قال قتادة وذكر لنا : أنه يفسح في قبره ، ثم رجع إلى حديث أنس ، قال : وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة ، فيصيح صيحة ، يسمعها من يليه غير الثقلين .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 1374
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة haizof.
3 من 4
وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر، ونكير في قبره عن ربه ودينه، ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم .


--------------------------------------------------------------------------------


نعم هذا، هو معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه وأن المؤمن يوسع له في قبره من البصر، والفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وأن كل إنسان يُسأل عن ربه ودينه، ونبيه، فالمؤمن يثبته الله، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، فيقول: الله ربي والإسلام ديني، ومحمد نبي.

والفاجر لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، وهو كان ينصح الناس، يسأله: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري، وإذا سئل عن دينه، يقول: ها ها لا أدري، عن نبيه يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعه من خلق الله إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق، نسأل الله السلامة والعافية.

وأما المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، فإنهم أعملوا عقولهم، اعتمدوا على العقل كالمعتزلة وغيرهم، وتركوا النصوص وراءهم ظهريا، ومن شبههم يقولون: إن الإنسان قد خرجت روحه، فلا يتأتى ينعم أو يعذب، ونحن نقول: لا نرى إحساسا عند المقبور، ولو فتحنا قبره، فلا نرى شيئا، فلا نؤمن بشيء، لا نحس به، فلا نؤمن إلا بالمحسوس، وطريقة المعتزلة في النصوص إما أن يخطئوها من ناحية السند، أويؤولوها من ناحية المتن، ويقولون هي أخبار آحاد، ولا يُحْتَج بها في مسائل العقائد.

والمقصود أن المعتزلة وغيرهم أعملوا عقولهم، وتركوا النصوص وراءهم ظهريا، وهناك بحوث تتعلق بالشبه والجواب، عن الشبه والأسباب المنجية من عذاب القبر، وكذلك السؤال في القبر للملكين، هل هو للروح، أو للجسد أم ماذا؟ وبحوث طويلة في هذا والسؤال في القبر، هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار؟ أو يختص بالمسلم والمنافق؟ وكذلك -أيضا- بحوث تتعلق بهذا في الأطفال والمجانين، هل يمتحنون، أو لا يمتحنون؟ وكذلك خطاب الملكين جميع الموتى في الأماكن المتعددة في الوقت الواحد، وكذلك عذاب القبر وعذاب البرزخ، ووجه تسميته برزخا، وفي بيان أن عذاب القبر ينال من هو مستحق له، قُبِر، أو لم يقبر، وكذلك في بيان الحياة التي اختص بها الشهداء، كل هذه البحوث طويلة، لا نتمكن من أخذها. نعم.


بعد هذا ننتقل إلى مبحث عذاب القبر، ونعيمه، وسؤال الملكيين، أقوال العلماء في عذاب القبر، ونعيمه، وهل هو على النفس والبدن، أو على أحدهما؟ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه المسألة فقال، بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس، وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما يكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح، هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة، وأهل الكلام.

وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والجماعة، والحديث قول مَن يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وإن البدن لا ينعم، ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة، وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان.

الثاني: أن العذاب والنعيم للبدن لا يكون في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور، وهؤلاء ينكرون عذاب البدن بالبرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي منعمة، أو المعذبة بالبرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذب الروح والبدن معا، وهذا قول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح.

أدلة أهل السنة وسلف الأمة وأئمتها على أن النعيم والعذاب، يحصل للروح، لروح الميت وبدنه استدل.. قبل هذا الأقوال الشاذة في عذاب القبر، ونعيمه.. الخلاصة في هذا أن في المسألة ثلاثة أقوال شاذة، وثلاثة أقوال ليست شاذة.

الأقوال الشاذة: النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، والبدن لا ينعم، ولا يعذب مطلقا، وهذا قول الفلاسفة والمنكرين للمعاد، لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.

الثاني: قول من ينكر عذاب الروح مطلقا الروح بمفردها لا تنعم، ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره.

الثالث: أن البرزخ ليس فيه نعيم، ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تكون الساعة الكبرى، وهذا يقوله بعض المعتزلة، ونحوهم، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم، ولا يعذب.

وأما مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، فلهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه على الروح فقط، ويقول بهذا كثير من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وهو اختيار ابن حزم وطوائف من المسلمين من أهل الحديث وأهل الكلام.

الثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.

الثالث: أنه على البدن فقط.

أما مذهب سلف الأمة وأئمتها: فإن الميت إذا مات يكون في نعيم، أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقي بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقام الناس من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، فمن أنكر معاد الأبدان، فهو كافر بإجماع المسلمين، وبنص القرآن، واستدل أهل السنة وسلف الأمة على أن النعيم والعذاب، يحصل لروح الميت وبدنه بأدلة استدلوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب:


أولا: قول الله تعالى:  وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  
ووجه الاستدلال أن الله أخبر في أول الآية، أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، ثم قال في الختام:  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  فدل على أن العرض السابق إنما هو في القبر قبل يوم القيامة، وهذا يدل على إثبات عذاب القبر.

ثانيا: قول الله تعالى:  فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  
ووجه الدلالة: أن قوله:  عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ  يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيان وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرا منهم مات، ولم يعذب في الدنيا، أو أن المراد أعم من ذلك، فيشمل مجموع الأمرين عذابهم في الدنيا أو في البرزخ، وعلى كل حال، ففيه إثبات عذاب القبر.


وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثبوت عذاب القبر، ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، تواترت معنى لا لفظا، وهو يفيد اليقين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوفا على كيفيته، ومن هذه الأدلة:


أولا: حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- وفيه  أعوذ بالله من عذاب القبر  وفيه في قصة العبد المؤمن، فيقول:  أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء  وفيه  فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها  وفيه قصة العبد الكافر فيقول:  أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها، كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول  وفيه  فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها  .

وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة، والحديث له شواهد من الصحيح منها: ما ذكره البخاري -رحمه الله- عن سعيد عن قتادة عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم  إلى قوله:  فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول: له انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا  .

قال قتادة: وروي لنا أنه  يفسح له في قبره  وهذا هو الحديث الثاني.

الثالث: ما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا  وروي عنه...

رابعا: ففي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير..  الحديث.

خامسا: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمه هذا الدعاء كما يعلمه السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال  .


أما المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، فلهم شبه:

تعلق المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت يجلس، ويقعد فيه، هؤلاء الذين أنكروا عذاب القبر، ونعيمه من الملاحدة والزنادقة، ومن تبعهم من أهل الكلام كالمعتزلة، تعلقوا بشبه عقلية، حكموا فيها عقولهم قاسوا فيها الغائب على الشاهد، وقاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فقالوا: إننا نكشف القبر، فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات، ولا ثعابين، ولا نيرانا تتأجج، ولو كشفناه في حالة من الأحوال، لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق، وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره، أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرنا، فلم يزد ولم ينقص، وكيف يتسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة؟ والصورة التي تؤنسه، أو توحشه؟

وقال أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم: كل حديث يخالف مقتضى العقول والحس، يقطع بتخطئة قائلة. قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل، ولا يجيب، ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان، ومدارج الرياح، كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها؟ وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة؟ أو حفرة من حفر النار؟ وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه.

والجواب عن هذه الشبه من وجوه:


أولا: أن الرسل لم يخبروا بما تخيلته العقول، وتقطع باستحالته، ولكن الرسل يخبرون بما تحار به العقول، فإن أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر، والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها، عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.

ثانيا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن، ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم الحشر وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا.

ثالثا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل أمر الآخرة، وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته؛ وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، وهب أن النار التي في القبر والخضرة، ليست من نار الدنيا، ولا من زرع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن الله -سبحانه- يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه، وتحته حتى يكون أعظم حرًّا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك الثاني في روضة من رياض الجنة، لا يصل روحها، ونعيمها إلى جاره.

خامسا: أن الله -سبحانه وتعالى- يحدث في هذه الدار ما هو أبلغ من ذلك، فقد أرانا الله فيها من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، من ذلك:

أولا: جبريل -عليه الصلاة والسلام- كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويتمثل له رجلا، ويكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يراه، ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء.

ثانيا: الجن موجودون، ولا نراهم، ويتحدثون، ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم.

ثالثا: الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم، وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعونهم،.. كلامهم في غزوة بدر وغيرها.

رابعا: النخل والحنظل كل منهما يشرب من ماء واحد، ويختلف الطلع، كذلك -أيضا- مما وقع في العصر الحاضر الكهرباء،، تكهرب مَن على الأرض، ولا تكهرب من على الخشب، فهذه كلها أمور أراد الله إياها في الدنيا.
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة .apdofo.
4 من 4
وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر، ونكير في قبره عن ربه ودينه، ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم .


--------------------------------------------------------------------------------


نعم هذا، هو معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه وأن المؤمن يوسع له في قبره من البصر، والفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وأن كل إنسان يُسأل عن ربه ودينه، ونبيه، فالمؤمن يثبته الله، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، فيقول: الله ربي والإسلام ديني، ومحمد نبي.

والفاجر لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، وهو كان ينصح الناس، يسأله: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري، وإذا سئل عن دينه، يقول: ها ها لا أدري، عن نبيه يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعه من خلق الله إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق، نسأل الله السلامة والعافية.

وأما المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، فإنهم أعملوا عقولهم، اعتمدوا على العقل كالمعتزلة وغيرهم، وتركوا النصوص وراءهم ظهريا، ومن شبههم يقولون: إن الإنسان قد خرجت روحه، فلا يتأتى ينعم أو يعذب، ونحن نقول: لا نرى إحساسا عند المقبور، ولو فتحنا قبره، فلا نرى شيئا، فلا نؤمن بشيء، لا نحس به، فلا نؤمن إلا بالمحسوس، وطريقة المعتزلة في النصوص إما أن يخطئوها من ناحية السند، أويؤولوها من ناحية المتن، ويقولون هي أخبار آحاد، ولا يُحْتَج بها في مسائل العقائد.

والمقصود أن المعتزلة وغيرهم أعملوا عقولهم، وتركوا النصوص وراءهم ظهريا، وهناك بحوث تتعلق بالشبه والجواب، عن الشبه والأسباب المنجية من عذاب القبر، وكذلك السؤال في القبر للملكين، هل هو للروح، أو للجسد أم ماذا؟ وبحوث طويلة في هذا والسؤال في القبر، هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار؟ أو يختص بالمسلم والمنافق؟ وكذلك -أيضا- بحوث تتعلق بهذا في الأطفال والمجانين، هل يمتحنون، أو لا يمتحنون؟ وكذلك خطاب الملكين جميع الموتى في الأماكن المتعددة في الوقت الواحد، وكذلك عذاب القبر وعذاب البرزخ، ووجه تسميته برزخا، وفي بيان أن عذاب القبر ينال من هو مستحق له، قُبِر، أو لم يقبر، وكذلك في بيان الحياة التي اختص بها الشهداء، كل هذه البحوث طويلة، لا نتمكن من أخذها. نعم.


بعد هذا ننتقل إلى مبحث عذاب القبر، ونعيمه، وسؤال الملكيين، أقوال العلماء في عذاب القبر، ونعيمه، وهل هو على النفس والبدن، أو على أحدهما؟ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه المسألة فقال، بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس، وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما يكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح، هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة، وأهل الكلام.

وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والجماعة، والحديث قول مَن يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وإن البدن لا ينعم، ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة، وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان.

الثاني: أن العذاب والنعيم للبدن لا يكون في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور، وهؤلاء ينكرون عذاب البدن بالبرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي منعمة، أو المعذبة بالبرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذب الروح والبدن معا، وهذا قول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح.

أدلة أهل السنة وسلف الأمة وأئمتها على أن النعيم والعذاب، يحصل للروح، لروح الميت وبدنه استدل.. قبل هذا الأقوال الشاذة في عذاب القبر، ونعيمه.. الخلاصة في هذا أن في المسألة ثلاثة أقوال شاذة، وثلاثة أقوال ليست شاذة.

الأقوال الشاذة: النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، والبدن لا ينعم، ولا يعذب مطلقا، وهذا قول الفلاسفة والمنكرين للمعاد، لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.

الثاني: قول من ينكر عذاب الروح مطلقا الروح بمفردها لا تنعم، ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره.

الثالث: أن البرزخ ليس فيه نعيم، ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تكون الساعة الكبرى، وهذا يقوله بعض المعتزلة، ونحوهم، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم، ولا يعذب.

وأما مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، فلهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه على الروح فقط، ويقول بهذا كثير من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وهو اختيار ابن حزم وطوائف من المسلمين من أهل الحديث وأهل الكلام.

الثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.

الثالث: أنه على البدن فقط.

أما مذهب سلف الأمة وأئمتها: فإن الميت إذا مات يكون في نعيم، أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقي بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقام الناس من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، فمن أنكر معاد الأبدان، فهو كافر بإجماع المسلمين، وبنص القرآن، واستدل أهل السنة وسلف الأمة على أن النعيم والعذاب، يحصل لروح الميت وبدنه بأدلة استدلوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب:


أولا: قول الله تعالى:  وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  
ووجه الاستدلال أن الله أخبر في أول الآية، أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، ثم قال في الختام:  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ  فدل على أن العرض السابق إنما هو في القبر قبل يوم القيامة، وهذا يدل على إثبات عذاب القبر.

ثانيا: قول الله تعالى:  فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  
ووجه الدلالة: أن قوله:  عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ  يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيان وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرا منهم مات، ولم يعذب في الدنيا، أو أن المراد أعم من ذلك، فيشمل مجموع الأمرين عذابهم في الدنيا أو في البرزخ، وعلى كل حال، ففيه إثبات عذاب القبر.


وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثبوت عذاب القبر، ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، تواترت معنى لا لفظا، وهو يفيد اليقين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوفا على كيفيته، ومن هذه الأدلة:


أولا: حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- وفيه  أعوذ بالله من عذاب القبر  وفيه في قصة العبد المؤمن، فيقول:  أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء  وفيه  فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها  وفيه قصة العبد الكافر فيقول:  أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها، كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول  وفيه  فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها  .

وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة، والحديث له شواهد من الصحيح منها: ما ذكره البخاري -رحمه الله- عن سعيد عن قتادة عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم  إلى قوله:  فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول: له انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا  .

قال قتادة: وروي لنا أنه  يفسح له في قبره  وهذا هو الحديث الثاني.

الثالث: ما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا  وروي عنه...

رابعا: ففي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير..  الحديث.

خامسا: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمه هذا الدعاء كما يعلمه السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال  .


أما المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، فلهم شبه:

تعلق المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت يجلس، ويقعد فيه، هؤلاء الذين أنكروا عذاب القبر، ونعيمه من الملاحدة والزنادقة، ومن تبعهم من أهل الكلام كالمعتزلة، تعلقوا بشبه عقلية، حكموا فيها عقولهم قاسوا فيها الغائب على الشاهد، وقاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فقالوا: إننا نكشف القبر، فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات، ولا ثعابين، ولا نيرانا تتأجج، ولو كشفناه في حالة من الأحوال، لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق، وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره، أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرنا، فلم يزد ولم ينقص، وكيف يتسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة؟ والصورة التي تؤنسه، أو توحشه؟

وقال أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم: كل حديث يخالف مقتضى العقول والحس، يقطع بتخطئة قائلة. قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل، ولا يجيب، ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان، ومدارج الرياح، كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها؟ وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة؟ أو حفرة من حفر النار؟ وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه.

والجواب عن هذه الشبه من وجوه:


أولا: أن الرسل لم يخبروا بما تخيلته العقول، وتقطع باستحالته، ولكن الرسل يخبرون بما تحار به العقول، فإن أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر، والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها، عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.

ثانيا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن، ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم الحشر وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا.

ثالثا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل أمر الآخرة، وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته؛ وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، وهب أن النار التي في القبر والخضرة، ليست من نار الدنيا، ولا من زرع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن الله -سبحانه- يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه، وتحته حتى يكون أعظم حرًّا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك الثاني في روضة من رياض الجنة، لا يصل روحها، ونعيمها إلى جاره.

خامسا: أن الله -سبحانه وتعالى- يحدث في هذه الدار ما هو أبلغ من ذلك، فقد أرانا الله فيها من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، من ذلك:

أولا: جبريل -عليه الصلاة والسلام- كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويتمثل له رجلا، ويكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يراه، ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء.

ثانيا: الجن موجودون، ولا نراهم، ويتحدثون، ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم.

ثالثا: الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم، وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعونهم،.. كلامهم في غزوة بدر وغيرها.

رابعا: النخل والحنظل كل منهما يشرب من ماء واحد، ويختلف الطلع، كذلك -أيضا- مما وقع في العصر الحاضر الكهرباء،، تكهرب مَن على الأرض، ولا تكهرب من على الخشب، فهذه كلها أمور أراد الله إياها في الدنيا.
5‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة .apdofo.
قد يهمك أيضًا
ما هو الدليل من القرأن الكريم على إثبات عذاب القبر؟
لماذا يعتقد الكثير بعذاب القبر ؟ مع أنه أمر لم يذكر في القرآن الكريم!
كيف هو عذاب القبر؟
هل عذاب القبر حقيقة ؟ ~~~
الموت و عذاب القبر
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة