الرئيسية > السؤال
السؤال
ما تفسير الاية: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله..
بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة : 33]
الفقه | الحديث الشريف | القران الكريم | الإسلام 12‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة دنيا المصطفى.
الإجابات
1 من 2
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

جزاء المفسدين في الأرض
عن سعيد بن أبي عروبة عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رهطاً من عكل وعرينة أتو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود أن يخرجوا فيها فليشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبعث رسول الله عليه السلام في آثارهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وثمل – أي فقأ – أعينهم فتركوا في الحرة حتى ماتوا على حالهم .
قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم :
{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ه إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } [ المائدة : 33 ، 34 ] والحديث رواة مسلم .
قال ابن عباس في قطاع الطريق :
( إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال . قُتِلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتُلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نُفوا من الأرض ) .
وأختلفوا :
هل يصلب حياً ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب ، أو يقتل برمحٍ أو نحوه ، أو يقتل أولاً ثم يصلب تنكيلاً وتشديداً لغيره من المفسدين ، وهل يصلب ثلاثة أيام ثم يترك أو تبرك حتى يسيل صديده ؟ في ذلك كله خلاف .
12‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة ابو مسعد.
2 من 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم وبعد
قال تعالى
{إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(33ـ34).
معاني المفردات
{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ}: المراد به: أنَّه إذا قُطعت اليد اليمنى تقطع الرّجل اليسرى، والعكس بالعكس.

{أَوْ يُنفَوْاْ}: النفي: الطرد، وأصله: الإهلاك بالإعدام، ومنه النفاية لرديء المتاع، ومنه النفي وهو ما تطاير من الماء عن الدلو.

{خِزْيٌ}: الخزي: الفضيحة أو الذلّ: يقال خزي يخزى خزياً: إذا افتضح، وخزي يخزى خزاية، إذا استحيا، وخزا الرّجل يخزوه خزواً: ساسه وقهره.
جزاء المفسدين في الأرض
وهذا حديثٌ عن حدّ من حدود الله، وضعت الشريعة له وسائل عمليّة جزائيّة حاسمة من خلال حديثها عن حدود الله تعالى، كما في هذه الآية، وذلك لحفظ الأمن ومنع النفوس الشريرة من الاندفاع بعيداً عن نوازعها الذاتيّة المنحرفة، الّتي تندفع نحو القتل والنهب وقطع الطريق وتدبير المكائد للإسلام والمسلمين، وإشاعة الفوضى والخراب والفساد في حياة النَّاس، وما إلى ذلك... وليتضح الأمر بالنسبة لعقاب المحاربين لله ورسوله، علينا البحث في أمور عدّة:

أولاً: من هو المحارب لله؟ هل هو مفهوم مطلق عام يشمل كل الموارد، أو هو من العناوين الّتي تنطبق على مصاديق وموارد معيّنة ليس إلاَّ، من قبيل الإشارة إلى تلك الموارد الّتي هي الأساس في الحكم؟ ربَّما كان من المناسب ـ في بداية هذا البحث ـ أن نذكر ما رواه المفسرون في سبب نزول هذه الآية، حيث ذكر صاحب «مجمع البيان» أنَّها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي موادعة، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، عن ابن عباس والضحّاك، وقيل: نزلت في أهل الشرك، عن الحسن وعكرمة، وقيل: نزلت في العرنيين لما نزلوا المدينة (مظهرين)[1] للإسلام واستوخموها[2] واصفرت ألوانهم، فأمرهم النبي أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك فصحّوا. ثُمَّ مالوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام، فأخذهم النبي(ص) وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم[3]، عن قتادة وسعيد بن جبير والسدي، وقيل: نزلت في قطّاع الطريق، عن أكثر المفسرين، وعليه جلّ الفقهاء[4].

هذا هو الجوّ الَّذي عاشت فيه الآية، في ما رواه المفسرون، وفي ما اجتهد فيه المجتهدون، لأنَّ أسباب النزول ليست كلها رواية بل قد تكون رأياً واجتهاداً، وعلى هذا الأساس، كان تحديد الفقهاء والمفسرين لمفهوم المحارب في مورد تعيين مصداقه. وقد جاء في (مجمع البيان) المروي عن أهل البيت(ع): «أنَّ المحارب هو كل من شهر السلاح وأخاف الطريق، سواء كان في المصر أو خارج المصر، فإنَّ اللص المحارب في المصر وخارج المصر سواء. وهو مذهب الشافعي والأوزاعي ومالك. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ المحارب هو قاطع الطريق في غير المصر»[5].
وأمَّا قوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} فقد ذكر أبو جعفر الطبري في تفسيره عن مجاهد، قال: «الزنى والسرقة وقتل النَّاس وإهلاك الحرث والنسل»[6].
والظاهر أنَّ مثل هذه التفسيرات تشبه أن تكون تفسيراً للشيء ببعض مصاديقه، لا تفسيراً له بالمعنى، وذلك لأنَّ كلمة المحارب لا تختص ـ في المفهوم العرفي ـ بمن شهر السلاح، بل تشمل كل المواقف العدوانيّة الّتي تستهدف تحطيم الكيان القوي للإسلام والمسلمين، سواء بحمل السلاح ضده، أو بتدبير المؤامرات والخطط بالتعاون مع أجهزة الكفر ومؤسساته وأتباعه، أو بإثارة الفتن والقلاقل الّتي تضعف من قوته، وتضاعف من الخطر عليه، ونحو ذلك.. فإنَّ مثل هذه الأمور تلتقي بالمفهوم الشامل لكلمة المحارب، لصدقها على كل تلك الموارد، لأنَّ موارد الحرب تختلف في تحركها داخل المواقع وفي تمثلها للوسائل والأساليب. وأمَّا المفسدون في الأرض، فهم الَّذين يعملون على إفساد الحياة العامة للنَّاس، وذلك بإشاعة وسائله وموارده، سواء في القضايا المتعلّقة بالجانب الأخلاقي، أو المتعلّقة بالجانب الاقتصادي أو السياسي، أو غير ذلك.. ما يجعل من الفساد حالة عامة في الأرض. أمَّا الَّذين يمارسونه كحالة خاصة تمس حياتهم الشخصيّة، فإنَّهم لا يحملون هذا الوصف، بل ينطبق عليهم وصف الفاسدين، وربَّما كان هذا التحديد هو الأقرب إلى الذهنية العامة في فهم اللفظ عرفاً، ولا بُدَّ لوليّ الأمر الَّذي يرجع إليه الحكم في التطبيق والتنفيذ من مراعاة الدقة في ذلك كله، من حيث ملاحظة طبيعة العمل في موارده ونتائجه، ومن حيث صدق العناوين عليه، لأنَّ القضية ترتبط في كثير من مجالاتها بالجانب التقييمي للواقع، أكثر من ارتباطها بالجانب النظري المجرد منها، والله العالم بحقائق أحكامه.
ثانياً: هل الآية مختصة بالمحارب في دار الشرك أو تشمل دار الإسلام؟
جاء في حديث الإمام الصادق(ع) ما رواه الكليني بإسناده عن سورة بن كليب قال: قلت لأبي عبد الله(ع): «رجل يخرج من منزله يريد المسجد أو يريد الحاجة فيلقاه رجل أو يستقفيه فيضربه ويأخذ ثوبه؟ قال: أيّ شيء يقول فيه من قبلكم؟ قلت: يقولون: هذه دغارة معلنة وإنَّما المحارب في قرى مشركيه، فقال: أيهما أعظم؛ حرمة دار الإسلام أو دار الشرك؟ قال: فقلت: دار الإسلام، فقال: هؤلاء من أهل هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية»[7].
ثالثاً: اختلف المفسرون والفقهاء في العقوبات المذكورة، هل هي على سبيل التخيير للحاكم فله أن يختار أي واحد منها، أو أنَّ لكل واحد منها موضعاً معيناً، فيكون ذكرها على سبيل الإجمال باعتبار أنَّها عقوبة للمحارب وللمفسد، مع إيكال التفاصيل إلى السنّة النّبويّة؟
ذكر صاحب (مجمع البيان) عن الإمامين محمَّد الباقر وجعفر الصادق(ع)، قال: «إنَّما جزاء المحارب على قدر استحقاقه، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل، وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط فإنَّما عليه النفي لا غير، وبه قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والربيع. وعلى هذا، فإنَّ «أو» ليست للإباحة هنا، وإنَّما هي مرتبة الحكم باختلاف الجناية، وقال الشافعي: إن أخذ المال جهراً كان للإمام صلبه حياً ولم يقتل، قال: ويحدّ كل واحد بقدر فعله، فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه ويصلب ثلاثاً ثُمَّ ينزل، قال أبو عبيد: سألت محمَّد بن الحسن عن قوله: {أَوْ يُصَلَّبُواْ} فقال: هو أن يصلب حياً ثُمَّ يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة، فقيل له: هذا مُثْلَة، قال:المُثْلَة يُراد به، وقيل: معنى «أو» ها هنا للإباحة والتخيير، أي إن شاء الإمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، عن الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد، وقد روي ذلك عن أبي عبد الله(ع)»[8].
ولسنا هنا في مجال تحديد الرأي الأقرب في هذا التفسير، ولكن يمكن أن يكون الأقرب إلى ظاهر القرآن هو حمل «أو» على التخيير كما وردت الرِّواية في ذلك عن الإمام جعفر الصادق(ع) وذلك في رواية الكافي بإسناده إلى جميل بن دراج، قال: «سألت أبا عبد الله(ع)، عن قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ} إلى آخر الآية، أيّ شيء عليه من هذه الحدود الّتي سمى الله عزَّ وجلّ؟ قال: ذلك إلى الإمام إن شاء قطع، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، وإن شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: ينفى من مصر إلى مصر آخر، وقال: إنَّ عليّاً(ع) نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة»[9].
وجاء في رواية الكافي عن بريد بن معاوية، قال: «سألت أباعبد الله (ع) عن قول الله عزَّ وجلّ: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال: ذلك إلى الإمام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوّض ذلك إليه؟ قال: لا، ولكن نحو الجناية»[10]. والظاهر من الرِّواية أنَّ اختيار الإمام لا بُدَّ من أن ينطلق من دراسة طبيعة ما تقتضيه من نوع العقوبة في تأثيرها، فلا تنافي في الرِّوايات الّتي عيّنت لكل نوع من الحرابة عقوبةً خاصة. وإن كان المعنى الآخر لا يبتعد عن موازين الصحة في التعبير. والَّذي يذهب إليه أصحابنا الإمامية، أن ينفى من بلد إلى بلد حتّى يتوب ويرجع، وبه قال ابن عباس والحسن والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي. قال أصحابنا: ولا يُمكَّن من الدخول إلى بلاد الشرك، ويقاتَلُ المشركون على تمكينهم من الدخول إلى بلادهم حتّى يتوبوا[11].
وقد جاء في بعض روايات أهل البيت(ع) أنَّ المراد من النفي في الأرض عدم الاستقرار فيها بحيث لا يكون له مقر فيها، وذلك مما رواه ـ في الكافي ـ عن عبيد الله بن إسحاق المدائني عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: سئل عن قول الله عزَّ وجلّ: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ} الآية، فما الَّذي فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟ فقال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً فقتل قتل به، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن شهر السيف فحارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً ولم يقتل ولم يأخذ المال ينفى من الأرض، قال: قلت: كيف ينفى؟ وما حدّ نفيه؟ قال: ينفى من المصر الَّذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره، ويكتب إلى أهل ذلك المصر أنَّه منفيّ فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تؤاكلوه ولا تشاربوه، فيُفعل ذلك به سنة، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كُتب إليهم بمثل ذلك حتّى تتمّ السنة، قلت: فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها؟ قال: إن توجه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها[12].
«وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنَّ النفي هو الحبس والسجن. واحتجوا بأن المسجون يكون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعاً من التصرف محولاً بينه وبين أهله مع مقاساته الشدائد في الحبس»[13].
وجاء في كتاب البرهان في تفسير القرآن عن أحمد بن الفضل الخاقاني، عن آل رزين قال: «قطع الطريق بجولاء على السابلة من الحجاج وغيرهم وأفلت القطاع، فبلغ الخبر المعتصم، فكتب إلى العامل بها وتأمر الطريق بذلك فقطع على طرف إذن أمير المؤمنين ثُمَّ انفلت القطاع، فإن أنت طلبت هؤلاء وظفرت بهم وإلاَّ أمرت أن تضرب ألف سوط ثُمَّ تصلب بحيث قطع الطريق. قال: واصلهم العامل حتّى ظفر بهم، واستوثق منهم ثُمَّ كتب بذلك إلى المعتصم، فجمع الفقهاء وقال ابن أبي داود: ثُمَّ سأل الآخرين عن الحكم فيهم، وأبو جعفر محمَّد بن علي الرضا الجواد حاضر فقالوا: سبق حكم الله فيهم في قوله: {إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ} ولأمير المؤمنين أن يحكم بأي ذلك شاء فيهم، فالتفت إلى أبي جعفر(ع)، فقال له: ما تقول في ما أجابوا فيه؟ قال: قد تكلم هؤلاء الفقهاء والقاضي بما سمع أمير المؤمنين، قال: وأخبرني بما عندك. قال: إنَّهم قد ضلوا في ما أفتوا به، والَّذي يجب في ذلك أن ينظر أمير المؤمنين في هؤلاء الَّذين قطعوا الطريق، فإن كانوا أخافوا السبيل فقط ولم يقتلوا أحداً ولم يأخذوا مالاً، يأمر بإيداعهم الحبس، فإنَّ ذلك معنى نفيهم من الأرض بإخافتهم السبيل، وإن كانوا قد أخافوا السبيل وقتلوا النفس وأخذوا المال أمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم بعد ذلك، فكتب إلى العامل بأن يُمثل ذلك فيهم».
والظاهر من هذه الرِّواية أنَّ الإمام محمَّد الجواد (ع) يفسر النفي من الأرض بإدخالهم السجن بما يوافق رأي أبي حنيفة وأصحابه، ولعلّ الوجه في ذلك أنَّ النفي من الأرض يعني إخراجهم من الأرض الّتي يتحركون فيها، وهذا مما يتحقق بالحبس باعتبار أنَّه يُمثِّل إبعاد الإنسان عنها، فلا يراه أحدٌ فيها ولا يرى أحداً فيها. ولكنَّ الرِّواية ـ على الظاهر ـ ضعيفة، لمعارضتها بما دلّ على أنَّ المراد بالنفي الإخراج من البلد إلى بلدٍ آخر، كما أنَّ هذا التفسير خلاف الظاهر، إذ المتبادر من النفي من الأرض إبعاده عنها بإخراجه منها من حيث الأساس، والله العالم.
أمّا طريقة ثبوت التوبة ـ الّتي هي الندم على الجريمة والعزم على الترك في المستقبل ـ فلا بُدَّ من الاعتماد فيها على وسائل الإثبات في أمثال هذه الأمور، ويتحقق ذلك بشهادة عدلين على إعلان التوبة من المحارب أو المفسد في الأرض في ظروف أو في أمكنة بعثه بشكل إرادي من دون ضغط أو إكراه من أحد.
وربَّما يثبت ذلك بظهور الصلاح في سلوكه، وتحوّله إلى إنسانٍ صالحٍ مسالمٍ لا يؤذي أحداً، ولا يتعرض لأيّة تجربةٍ مماثلةٍ لما فعله، ما يوحي بأنَّه تائبٌ عن الجريمة.
* * *
كيف نُفسر «قسوة» هذا التشريع؟
قد تُثار هنا فكرة قسوة هذا التشريع بما لا يتناسب مع صفة الرحمة الّتي يتحدث عنها الإسلام كصفة لازمة لٍتشريعاته، وقد سبقت الإشارة في سياق تفسير آيات القصاص إلى ضرورة دراسة «الرحمة» ضمن نطاق تحديد المصلحة الواقعيّة لحياة الإنسان العامة والخاصة، لا نطاق العاطفة المتمثلة في الشفقة كإحساسٍ ذاتيٍ عاطفي، الأمر الَّذي يجعلنا ندخل في عمليّة توازن ومقارنة بين حجم الجريمة الّتي يقوم بها هؤلاء المحاربون لله ولرسوله المفسدون في الأرض، وتأثيرها على سلامة المجتمع الَّذي يتعرض للخطر من قِبَل هؤلاء، وبين حجم العقاب الَّذي يُراد منه أن يكون عنصر ردع للآخرين، لئلا يتكرر ظهور مثل هذه النماذج البشريّة المجرمة المنحرفة الّتي تُسيء إلى النّاس عندما تُسيء إلى حدود الله الّتي تنظّم السلامة العامة للمجتمع. ومن هنا، كان التشريع الإسلامي في تناوله للمشكلة من جذورها يعيش ويتحرك في الواقع الإنساني، بحيث لا يحل جانباً من المشكلة دون آخر، بل يضع حدّاً للمعاناة الدّائمة الّتي تنتج عن مثل هذه المشكلات من خلال استئصالها، فيعيش المجتمع بذلك في راحة ووئام.

{ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} تحقيراً وإبعاداً لهم عن ساحة الحياة الكريمة، فيرتدع بذلك كل من يفكر في هذا الاتجاه، ويرى لنفسه الكرامة والمنزلة الرفيعة. {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لأنَّهم تمردوا على الله وحاربوه في دينه وفي بلاده وعباده. ولكنَّ الإسلام لا يغلق الباب على هؤلاء، بل يفتح لهم باب الرحمة بشكلٍ واسع من دون أن يؤدي ذلك إلى الاجتراء على سلوك هذا السبيل المنحرف. فقد فرَّق بين نموذجين من هؤلاء: النموذج الَّذي لا يفكر بالتوبة إلاَّ بعد إلقاء القبض عليه ومواجهته للعقوبة، والنموذج الَّذي يتوب وهو يملك حريّة الحركة في الهرب، والتخلص من العقوبة. فإن الجزاء القاسي في الدنيا والآخرة ينتظر النموذج الأول، لأنَّ استمراره في الالتزام بخط الجريمة والانحراف إلى اللحظة الّتي يلقى القبض فيها عليه، يدل على تأصّل الانحراف في شخصيته، ويوحي بإمكانيّة الامتداد في ممارستها في المستقبل. أمّا النموذج الثاني، وهو الَّذي أشارت الآية إليه بقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فأولئك هم الَّذين ينالهم الله بالمغفرة والرحمة، لأنَّهم تابوا من موقع القناعة الحرّة الّتي لا تخضع لضغط، ما يوحي بأنَّ الجريمة لم تكن إلاَّ عرضاً طارئاً لا عمق ولا امتداد لها في حياته، ولذلك يعينهم الله على تجاوزها، لئلا تبقى ـ في داخلهم ـ عنصر قلق وحَيْرة وضياع، فيفتح لهم أبواب مغفرته، وبذلك يشعرون بأنَّ الله يتقبلهم فيبدأون حياة جديدة في ظل المغفرة والرحمة، تبتعد بهم عن كل ما يرهق حياتهم وحياة الآخرين بالانحراف والخطيئة.
الهوامش والمصادر
(1) زيدت هذه الكلمة لتوضيح المعنى، وقد وُضعت في الكتاب في الهامش هكذا.
(2) استوخم المكان: استثقله ولم يوافق هواؤه بدنه
(3) سمل عينه: فقأها.
(4) مجمع البيان، ج:3، ص:235 ـ 236.
(5) مجمع البيان، ج:3، ص:236.
(6) جامع البيان، م:4، ج:6، ص:136.
(7) الكافي، ج:7، ص:245، رواية:2.
(8) مجمع البيان، م:2، ص:236.
(9) الكافي، ج:7، ص:245، رواية:8.
(10) م.ن.، ج:7، ص:246، رواية:8.
(11) مجمع البيان، ج:3، ص:236 ـ 237.
(12) الكافي، ج:7، ص:246، رواية:8.
(13) مجمع البيان، ج:3، ص:237.
16‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة علي ابو عبد (علي ابو عبد).
قد يهمك أيضًا
ما هي الايات التي وصف بها القران الكريم نفسه
فيمن نزلت الاية الكريمة¤¤ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ¤¤[المدثر:11]
ما تفسير الاية الكريمة (فلا تهنوا و تدعوا الى السلم و انتم الاعلون)
ماهي الآية رقم 3118 في القرآن الكريم؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة